مشهد
كلنا ابن آدم
تكملة لموضوع مقالي السابق «السيد عامل النظافة»... أورد لكم اليوم حدثا بسيطا وقع معي وأحببت أن أشارككم فيه، فذات يوم وفي صلاة الفجر وأثناء اصطفافنا للصلاة وقف بجانبي عامل نظافة بنغلاديشي وهو يرتدي زي عمال النظافة الشهير «البلسوت الأصفر»، والذي طالما ذكرني بملابس أسرى الدواعش وخوارج هذا الزمان والذين يبدو أنهم على وشك الانقراض بعد إعلان سقوط عاصمتهم الموصل، وبانتظار مجموعات أخرى من الملوثين عقليا ودينيا في المستقبل غير البعيد، ذلك أننا اعتدنا على هذه السيناريوهات كل عدة سنوات وخاصة منذ الاستقلال الشكلي لدولنا العربية منذ منتصف القرن الماضي.
كانت صلاة الفجر ليوم الجمعة والتي روي عن الرسول الكريم أنه كان يقرأ فيها سورة السجدة في الركعة الأولى وسورة الإنسان في الركعة الثانية، وهذا ما حصل فعلا، فما أن بدأ الإمام بالتلاوة حتى عرفت أنه سيقرأ السورتين، وفعلا وأثناء الركعة الأولى جهزت نفسي لسجود التلاوة وذلك عندما يصل الشيخ للآية التي يقول الله سبحانه وتعالى فيها: «إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ».
اللافت للنظر أن عامل النظافة وبمجرد وصول الشيخ إلى نهاية الآية أنزل يديه استعدادا للسجود وكأنه يعرف موقع السجدة تماما، ومع قول الإمام الله أكبر انخفض العامل ساجدا قبل الجميع، هذا وإن دل على شيء فإنه يدل على أن هذا الرجل كان يعرف تماما موضع السجدة والسورة التي يقرأها الإمام.
بصراحة أذهلني هذا الرجل لبعض الوقت أثناء صلاتي وما أن فرغت حتى رتبت على رجله قائلا: «السلام عليكم، ما اسمك... قال اسمي نور الحق، فاستفسرت منه عن حقيقة سجوده فقال من دون تردد بأنه يحفظ سورة السجدة كاملة وأنه يعرف بالضبط موضع السجود فيها ولذلك سارع بالسجود فور انتهاء الإمام من القراءة.
نور الحق هذا... عامل نظافة بنغلاديشي مسلم وبالتأكيد أنه غير متعلم ولم يكن يعرف اللغة العربية قبل دخوله دولة الكويت، ولكن الإصرار على تعلم أسس دينه وكتابه المقدس جعله ينضم لبعض دروس القرآن الكريم في المساجد والتي وفرتها وزارة الأوقاف مشكورة عليه.
والسؤال إن كان هذا الرجل وبذلك المستوى الاجتماعي الذي ينفر منه الكثيرون يحفظ سورة السجدة ويعرف أين موقع السجود فيها، فكم شخصا منا يحفظها أو يعرف كم عدد مواضع السجود في القرآن؟
وبالمناسبة فإن عدد سجدات التلاوة في القرآن والواردة عن رسول الله هي 15 سجدة منها اثنتان في سورة الحج، وقد تكون السجدة الثانية في هذه السورة مصدر عدم اتفاق بين العلماء إلا أنهم في النهاية أقرّوها جميعا.
هذا العامل الذي يحني ظهره يوميا مئات المرات لالتقاط الأوساخ التي ألقاها العابثون والذين يشكلون مسمارا في نعش حضارتنا وثقافتنا القائمة على النظافة والطهارة في جوهرها، ولكنهم لا يعبأون بالقانون ولا تعنيهم نظافة شوارع بلدهم في شيء... والحل يكمن في التعليم والتربية منذ الصغر ومن لم يصلح التعليم سلوكياته ويهذبها فالعقاب هو الرادع، ولا أقصد بالعقاب مخالفة بخمسة دنانير فقط بل أن تلزمه الدولة بالعمل عامل نظافة في الشارع ولو لمدة ثلاثة أيام وإن لم ينفذها يتم سجنه لمدة أسبوع.
العقوبة قاسية وقد لا تكون فعالة... هذا ما سيقوله البعض ولأولئك أقول انظروا لتجربة مدينة دبي الحضارية في التعامل مع المسيئين لمدينتهم الجميلة وكيف تم ردعهم وتطبيقا للمثل الكويتي الشهير«اضرب المربوط يخاف المفتلت» فأمست دبي رمزا للنظافة وعنوانا بارزا لها بين المدن العربية مما انعكس بالإيجاب على سمعة المدينة العربية الجميلة تلك.
والحق أن عامل النظافة يستحق منا التقدير نظرا لقسوة مهنته وصعوبتها وما يصاحبها من مخاطر صحية وقس على ذلك الكثير من الوظائف التي تشابهها مثل عمال المجاري وعمال دفن الموتى فهذه المجموعة من العمال يؤدون وظائف يستنكف الكثير منها وإن لم يقوموا بها فمن سيقوم بها إذاً؟
ولكن هنالك ظاهرة سيئة برزت في شهر رمضان المنصرم وهي ظاهرة سيئة بكل تأكيد وهي أن الكثير من عمال النظافة قد بدأوا يمارسون مهنة التسول وهم يرتدون زيهم الرسمي عند أبواب المساجد والجمعيات التعاونية وعند إشارات المرور مما عكس صورة سلبية عنهم وطرح العديد من الأسئلة التي حول قانونية هذه الممارسات الشاذة التي شوهت المنظر العام وأضفت صورة بغيضة عن عمال النظافة بما يتنافى مع أساسيات الذوق العام.
وقد يكون ذلك مقبولا أحيانا ولكن أن يشكل ظاهرة يراها القاصي والداني فهذا يقينا غير مقبول وعلى أصحاب القرار معالجة هذه القضية من جذورها وعدم الاكتفاء بالمعالجات السطحية التي لا تسمن ولا تغني من جوع. وأعتقد أن أهم محور في المعالجة يرتكز على ضمان قيام شركات النظافة بدفع رواتب هذه الفئة المنكوبة في أوقاتها وعدم التأخر لعدة شهور مثلما حصل مرارا وتكرارا والشواهد على ذلك كثيرة وقد تناولها الإعلام مرات عدة.
عامل النظافة إنسان لا يختلف عن غيره كثيرا سوى في مهنته ونصيبه من الحياة الدنيا قليل وقد يكون نصيبه من الآخرة أعظم مما نظن وكما قال الإمام علي رضي الله عنه:
الناس من جهة التمثيل أكفاءُ
أبوهمُ آدمٌ والأم حواءُ
نفسٌ كنفسٍ وأرواحٌ مشاكلةٌ
وأعظُمٌ خلقت فيهم وأعضاءُ
فإن يكن لهم من أصلهم نسبٌ
يفاخرون به فالطين والماءُ
كانت صلاة الفجر ليوم الجمعة والتي روي عن الرسول الكريم أنه كان يقرأ فيها سورة السجدة في الركعة الأولى وسورة الإنسان في الركعة الثانية، وهذا ما حصل فعلا، فما أن بدأ الإمام بالتلاوة حتى عرفت أنه سيقرأ السورتين، وفعلا وأثناء الركعة الأولى جهزت نفسي لسجود التلاوة وذلك عندما يصل الشيخ للآية التي يقول الله سبحانه وتعالى فيها: «إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ».
اللافت للنظر أن عامل النظافة وبمجرد وصول الشيخ إلى نهاية الآية أنزل يديه استعدادا للسجود وكأنه يعرف موقع السجدة تماما، ومع قول الإمام الله أكبر انخفض العامل ساجدا قبل الجميع، هذا وإن دل على شيء فإنه يدل على أن هذا الرجل كان يعرف تماما موضع السجدة والسورة التي يقرأها الإمام.
بصراحة أذهلني هذا الرجل لبعض الوقت أثناء صلاتي وما أن فرغت حتى رتبت على رجله قائلا: «السلام عليكم، ما اسمك... قال اسمي نور الحق، فاستفسرت منه عن حقيقة سجوده فقال من دون تردد بأنه يحفظ سورة السجدة كاملة وأنه يعرف بالضبط موضع السجود فيها ولذلك سارع بالسجود فور انتهاء الإمام من القراءة.
نور الحق هذا... عامل نظافة بنغلاديشي مسلم وبالتأكيد أنه غير متعلم ولم يكن يعرف اللغة العربية قبل دخوله دولة الكويت، ولكن الإصرار على تعلم أسس دينه وكتابه المقدس جعله ينضم لبعض دروس القرآن الكريم في المساجد والتي وفرتها وزارة الأوقاف مشكورة عليه.
والسؤال إن كان هذا الرجل وبذلك المستوى الاجتماعي الذي ينفر منه الكثيرون يحفظ سورة السجدة ويعرف أين موقع السجود فيها، فكم شخصا منا يحفظها أو يعرف كم عدد مواضع السجود في القرآن؟
وبالمناسبة فإن عدد سجدات التلاوة في القرآن والواردة عن رسول الله هي 15 سجدة منها اثنتان في سورة الحج، وقد تكون السجدة الثانية في هذه السورة مصدر عدم اتفاق بين العلماء إلا أنهم في النهاية أقرّوها جميعا.
هذا العامل الذي يحني ظهره يوميا مئات المرات لالتقاط الأوساخ التي ألقاها العابثون والذين يشكلون مسمارا في نعش حضارتنا وثقافتنا القائمة على النظافة والطهارة في جوهرها، ولكنهم لا يعبأون بالقانون ولا تعنيهم نظافة شوارع بلدهم في شيء... والحل يكمن في التعليم والتربية منذ الصغر ومن لم يصلح التعليم سلوكياته ويهذبها فالعقاب هو الرادع، ولا أقصد بالعقاب مخالفة بخمسة دنانير فقط بل أن تلزمه الدولة بالعمل عامل نظافة في الشارع ولو لمدة ثلاثة أيام وإن لم ينفذها يتم سجنه لمدة أسبوع.
العقوبة قاسية وقد لا تكون فعالة... هذا ما سيقوله البعض ولأولئك أقول انظروا لتجربة مدينة دبي الحضارية في التعامل مع المسيئين لمدينتهم الجميلة وكيف تم ردعهم وتطبيقا للمثل الكويتي الشهير«اضرب المربوط يخاف المفتلت» فأمست دبي رمزا للنظافة وعنوانا بارزا لها بين المدن العربية مما انعكس بالإيجاب على سمعة المدينة العربية الجميلة تلك.
والحق أن عامل النظافة يستحق منا التقدير نظرا لقسوة مهنته وصعوبتها وما يصاحبها من مخاطر صحية وقس على ذلك الكثير من الوظائف التي تشابهها مثل عمال المجاري وعمال دفن الموتى فهذه المجموعة من العمال يؤدون وظائف يستنكف الكثير منها وإن لم يقوموا بها فمن سيقوم بها إذاً؟
ولكن هنالك ظاهرة سيئة برزت في شهر رمضان المنصرم وهي ظاهرة سيئة بكل تأكيد وهي أن الكثير من عمال النظافة قد بدأوا يمارسون مهنة التسول وهم يرتدون زيهم الرسمي عند أبواب المساجد والجمعيات التعاونية وعند إشارات المرور مما عكس صورة سلبية عنهم وطرح العديد من الأسئلة التي حول قانونية هذه الممارسات الشاذة التي شوهت المنظر العام وأضفت صورة بغيضة عن عمال النظافة بما يتنافى مع أساسيات الذوق العام.
وقد يكون ذلك مقبولا أحيانا ولكن أن يشكل ظاهرة يراها القاصي والداني فهذا يقينا غير مقبول وعلى أصحاب القرار معالجة هذه القضية من جذورها وعدم الاكتفاء بالمعالجات السطحية التي لا تسمن ولا تغني من جوع. وأعتقد أن أهم محور في المعالجة يرتكز على ضمان قيام شركات النظافة بدفع رواتب هذه الفئة المنكوبة في أوقاتها وعدم التأخر لعدة شهور مثلما حصل مرارا وتكرارا والشواهد على ذلك كثيرة وقد تناولها الإعلام مرات عدة.
عامل النظافة إنسان لا يختلف عن غيره كثيرا سوى في مهنته ونصيبه من الحياة الدنيا قليل وقد يكون نصيبه من الآخرة أعظم مما نظن وكما قال الإمام علي رضي الله عنه:
الناس من جهة التمثيل أكفاءُ
أبوهمُ آدمٌ والأم حواءُ
نفسٌ كنفسٍ وأرواحٌ مشاكلةٌ
وأعظُمٌ خلقت فيهم وأعضاءُ
فإن يكن لهم من أصلهم نسبٌ
يفاخرون به فالطين والماءُ