في فجر 19 من شهر رمضان في عام 40 هجري، ضرب اللعين عبدالرحمن بن ملجم، بسيفه المسموم رأس أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، وهو يرفع رأسه بعد السجدة الأولى من الركعة الأولى في محراب مسجد الكوفة، فصاح الأمير «فزت ورب الكعبة».
وأنا أسمع الناعي يسرد هذه الحادثة، تذكرت شهداء مسجد الإمام الصادق عليه السلام الذين قتلوا غدراً في شهر رمضان وهم ساجدون، فقلت في نفسي: وأنتم من الفائزين. ووجدت نفسي أمام نموذجين اسلاميين للفوز بالجنة في الأعمال الإرهابية التي استهدفت المدنيين عبر التاريخ الاسلامي. الأول في الانتحاري الذي يضحي بحياته من أجل قتل من يكفرهم كابن ملجم وابن عبدالمحسن القباع، والثاني في ضحاياهم. ولكن للأسف مناهجنا المدرسية وغير المدرسية تفتقر إلى الربط بين إرهاب بن ملجم وبين إرهاب «داعش» ومن في حكمه، بالرغم من أهمية هذا الربط في تحصين الطلبة ضد السلوك التكفيري.
وفي مجلس العزاء نفسه، استكمل الخطيب سرد تسلسل أحداث ليلة الضربة، موضحاً أنه بعد أن قبض المسلمون على ابن ملجم، ساقوه إلى أمير المؤمنين، فالتفت إلى ابنه الحسن - عليه السلام - وقال له «ارفق يا ولدي بأسيرك وارحمه وأحسن إليه وأشفق عليه». وقال له أيضا «بحقي عليك فأطعمه يا بني مما تأكله، وأسقه مما تشرب، ولا تقيد له قدماً، ولا تغل له يداً، فإن أنا متّ فاقتص منه بأن تقتله وتضربه ضربة واحدة، ولا تمثل بالرجل فإني سمعت جدك رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - يقول: إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور».
بعد صدور حكم محكمة التمييز في قضية «خلية العبدلي»، وما تبعها من ردود أفعال متشنجة ومتطرفة، تجددت قناعتي بأهمية تطعيم ثقافتنا المجتمعية بمعايير وقيم العدالة المحمدية التي تجسدت في وصايا إمام المتقين لابنه الحسن بحق ابن ملجم وكيفية معاملته والقصاص منه. مع مراعاة الفارق الكبير بين موقف المتهمين في قضية الخلية وبين موقف ابن الملجم الذي وجد السلاح عنده وأقر بأنه يمتلكه، وأنه أعده لقتل الأمير وفعلاً نفذ جريمته.
المقصود هو سلوك الكويتي الذي تطرف برأيه فجرح مشاعر شركائنا في الوطن، أسرة وأقرباء ومعارف المحكوم عليهم في قضية «خلية العبدلي». نعم، ففيهم من تعتقد ببراءة زوجها أو أبيها أو أخيها أو قريبها، وفيهم من هو مطمئن لبراءة قريبه أو صديقه. صحيح أن حكم التمييز نهائي وعلينا احترامه، ولكن ذلك لا يبرر ولا يجوّز لكائن من كان أن يتطاول على مشاعر أسرهم ومعارفهم. تماماً كما حصل قبل عام من مضايقات صارخة لأسرة الكويتية حصة التي اتهمت بتجنيد أولادها مع «داعش» في سورية.
لذلك أناشد المعنيين تطبيق قانون جرائم تقنية المعلومات على كل يسيء لأهالي المحكوم عليهم، كما ادعوهم الى تطبيق قانون حماية الوحدة الوطنية على كل من يوظف الاحكام الأخيرة لازدراء شرائح مجتمعية محددة والتشكيك في ولائها للوطن. فنحن اليوم - في ظل التحديات المحلية والإقليمية - بأمس الحاجة لتوحيد الصف، ونبذ كل ما من شأنه تمزيق الوطن وتقسيمه إلى فروع وطوائف.
قد يأتي يوم تجد فيه أحد اخوتك قد انحرف فكره - لا سمح الله - ثم يرتكب جريمة بشعة مع سبق الاصرار والترصد. تخيل كم ستكون حسرتك بفقد أخيك، وإن كنت تعلم علم اليقين أنه ارتكب الجريمة، فما بالك بمَنْ فقد قريبه بسبب جريمة لم يقر بارتكابها. لذلك ادعوك إلى مراعاة مشاعره والتعامل معه برحمة ليرحمك مَنْ في السماء... «اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه».
[email protected]