خواطر صعلوك

جاهز... ارمِ!

تصغير
تكبير
قبيل الأذان بدقائق أقف مع أبنائي على الأريكة الموجودة في الصالة والمقابلة للتلفزيون لكي نقفز في الهواء مع مدفع الإفطار.. آملين ألا نسقط على الأرض وأن نبقى معلقين في الهواء برغبة طفولية جامحة، ولكن بمجرد أن يقول صاحب مدفع الإفطار (جاهز...ارمِ) فنقفز ونسقط فوراً مع القذيفة على سفرة الطعام الأرضية شاعرين بخيبة أمل لحظية ننساها سريعاً مع فرحة إفطار الصائم.

وقد لاحظت ابنتي الصغيرة ملاحظة جديرة بالذكر، وهي أن الرجال الثلاثة الذين يقفون خلف المدفع بزيهم الحربي الأحمر يغيرون أماكنهم باستمرار كل يوم وكأنه تكتيك فطري لمحاربين، وأن أطوالهم تختلف من الميمنة إلى الميسرة.


فشكراً لرجال المدفع الذين امتعونا طوال 30 يوماً من دون أن نعرف أسماءهم حيث أصبحوا شخصيات مهمة في مخيلة أطفالنا.. كألف ليلة وليلة والسندباد في مخيلتنا.

ولا أنسى بالتأكيد أن أشكر الشيخ أحمد الطرابلسي على صفاء صوته الذي يعلو مع كل غروب للشمس.

في رمضان يصبح كرسي العائلة التي فقدت واحداً منها واضحاً جداً بوضوح وصفاء أكبر من برواز معلق على حائط، فاللهم ارحم أمواتنا الذين نسيناهم فذكرنا بهم رمضان.

وفي رمضان تصبح إعلانات التلفزيون أكثر قيمية رغم استهلاكيتها.. تقول لي ابنتي (ما علاقة محتوى الإعلان بالمنتج؟) فأستغرب نوازعها الفلسفية ولا أدري ما أجيب!

في أحد الأيام مضينا بعيداً بالسيارة، وفي حارة الأمان وقفنا لنعطي شرطي المرور حلوى القرقيعان.. احمرت خدود ابني من الحر والخجل ومنذ ذلك اليوم تعلم التاريخ (قبل أن نعطي الشرطي... بعد أن أعطينا الشرطي بيومين..) هكذا أصبح يؤرخ الأحداث!

في رمضان نحسد العابد على عبادته،حتى العصاة يتمنون لو كانوا تائبين، في هذا الشهر يبرز جمال المدن، وتظهر نسمات العطاء، فحتى المناطق التي لا تطل على الأنهار يتفجر منها محيطات وجزر من العطاء.

رمضان حسب ما يُحكى من الرمض والرمضاء وهو شيء متعلق بالحر الشديد والصحراء القاحلة والعطش.. ورغم ذلك فكل ما حولك يبدو حياً ولا يموت اختناقاً أو عطشاً.. بل يلمع عطاءً وتحرراً من سواه.

ورغم أنه شهر النور إلا أنه في الليل يبدو أكثر لمعاناً.. هكذا قال لي أحد أبناء البادية.

مائدة عائلية طويلة، مائدة أصدقاء مليئة بما صنعت أمهاتهم أو زوجاتهم.. أو ربما خدمهم، مائدة رحمن، مائدة عابرة عند إشارة مرور قديمة، ورغبة في الضحك والنسيان.. أما قبل الفطور فرغبة في الانضواء نحو ركن خاص لا يعكر صفو مزاجه شيء.

ياله من شهر كتب عليه (محاولة لفهم وتفسير بقية أشهر السنة).

حتى أحلام اليقظة والمنام تبدو أكثر وضوحاً.

رمضان يقول لنا إننا مجموعة ذكريات نحمل منها الكثير لآبائنا، ونتمنى أن يحملها أبناؤنا عنا.. رمضان لا يجعل ذاكرتنا مثل ذاكرة الصخور النارية التي لا تحوي داخلها أحافير لأي كائن حي قد مر عليها، بل يحمل ذاكرة صخور رسوبية تحوي داخلها السجل البشري وتتعهد بالوفاء لمن مرَّ عليها.

أكتب كل هذا من أجل أن تتذكر ابنتي أيام القفزة.. ويتذكر ولدي متى تعلم التاريخ.. وكثير من الأشياء التي لا تكتب بل تركض في مجرى الدم وتعوي كل ما مر عليكم رمضان.

رمضان يعلمنا بأن الثابت الوحيد في حياتنا هو الله.

فوداعاً لرمضان.. وأهلا بالعيد.. فلنستقبله بابتسامة طفل حصل على عشرين ديناراً عيدية وكل عام وأنتم بخير.

كاتب كويتي

moh1alatwan@
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي