لا يمكن بأيّ مقياس من المقاييس الاستخفاف بالرئيس الأميركي الحالي. يترك جورج بوش الابن، المقيم في البيت الأبيض حتى يناير المقبل، لخليفته عالماً جديداً مختلفاً كلياً عن ذلك الذي عرفناه إن في ظل الحرب الباردة، أو في المرحلة التي تلتها. انه عالم مختلف جذرياً خصوصاً في الشرق الأوسط حيث تغيرت الخريطة السياسية للمنطقة تمهيداً لتغيير الخريطة الجغرافية في مرحلة لاحقة. مع الشرق الأوسط تغير العالم كله، بدليل الأزمة الاقتصادية التي يمر فيها وأدت، بين ما أدت إليه، هبوط أسعار النفط من مئة وسبعة وأربعين دولاراً للبرميل قبل أسابيع قليلة إلى نحو ستين دولاراً اليوم. هبط سعر برميل النفط بنسبة ستين في المئة تقريباً خلال فترة قصيرة، وليس مستبعداً هبوطه أكثر. ما يحصل أمر عجيب غريب، ذلك أن رد السوق على خفض «منظمة البلدان المصدرة للنفط - أوبك» الانتاج كان مزيداً من الهبوط لسعر البرميل، وكأن قاعدة العرض والطلب التي تتحكم بالسوق، أي سوق، لم تعد سائدة. أكثر من ذلك، تبين أن العالم لم يعد سوى سوق واحدة. بمجرد أن ضربت الأزمة المالية الاقتصاد الأميركي، بدءاً بالمصارف الكبيرة، حتى انتشرت العدوى في كل أنحاء الكرة الأرضية تقريباً. من تصور يوماً ما تشهده بريطانيا اليوم. هبطت قيمة عملتها في غضون أسابع بنسبة تزيد على خمسة وعشرين في المئة في مقابل الدولار، وإذا بها تستعيد نسبة تسعة في المئة في أربع وعشرين ساعة، بين الثلاثاء والأربعاء الماضيين. يمكن للعملة البريطانية، الجنيه الاسترليني، أن تعاود الهبوط، كما يمكن أن تستعيد عافيتها، كذلك الأمر بالنسبة إلى النفط. الخلاصة أنه لم تعد هناك قواعد ذات علاقة بالمنطق، أي منطق كان، تتحكم بالسوق!
ماذا عن الشرق الأوسط الذي تركه جورج بوش الابن لخليفته؟ سيتبين يوماً أن القرار الذي اتخذه الرئيس الأميركي، الذي مكث في البيت الأبيض بين العامين 2000 و2008، والقاضي باحتلال العراق، ستكون له انعكاسات في المدى الطويل تتجاوز بكثير حدود العراق والمنطقة المحيطة به. يكفي أن العالم العربي فقد توازنه بمجرد دخول القوات الأميركية بغداد في التاسع من أبريل 2003. يكفي أن إيران كانت المنتصر الحقيقي الوحيد من الحرب الأميركية على العراق وإسقاط النظام العائلي- البعثي في بلاد الرافدين. يكفي أن وحدة العراق ستظل موضع تساؤل في الأعوام المقبلة. يكفي أن ما ميّز فترة ما بعد سقوط النظام العراقي انفلات الغرائز المذهبية على نحو لا سابق له في المنطقة. ظهر شرخ شيعي- سني ليس معروفاً هل سيكون في استطاعة المنطقة تجاوزه. تمددت خطورة الشرخ إلى أبعد من الحدود العراقية. على من يريد البحث عن دليل على ذلك ألا يجهد نفسه كثيراً أو طويلاً. كل ما عليه عمله هو التمعن في ما يدور في لبنان وما شهدته شوارع بيروت في مايو الماضي حين قرر «حزب الله» وهو لواء في «الحرس الثوري الإيراني» غزو العاصمة اللبنانية واحتلالها. إلى الآن لا يزال الحزب يحتل المدينة، على الرغم من كل ما يحكى عن مصالحة أو مصارحة أو هدنة بين هذا الزعيم اللبناني أو ذاك، صارت بيروت بكل بساطة أول مدينة في التاريخ العربي الحديث تحت الاحتلال الإيراني المقنّع لا أكثر ولا أقلّ!
غيّر جورج بوش الابن العالم. غيّره في اتجاه الأسوأ. في اتجاه المجهول. لا وجود حالياً سوى لعلامات استفهام. من يستطيع التكهن بمستقبل الاقتصاد العالمي باستثناء أن الأزمة لا تزال في بدايتها. من يستطيع توقع شيء بالنسبة إلى مستقبل النفط وأسعاره. من يستطيع الجزم بأن الأزمة الاقتصادية انتهت في الولايات المتحدة، لكنها لا تزال تتفاعل خارجها أو بعكس ذلك. من كان يظن أن روسيا التي بدأت تتصرف، بعد تأديبها جورجيا، وكأنها ستستعيد بعض سمات القوة العظمى مقتربة مما كان عليه الاتحاد السوفياتي ستتأثر بدورها بالانهيارات التي تعرّضت لها مصارف أميركية بسبب انهيار سوق العقار في الولايات المتحدة!
لم يترك رئيس أميركي بصماته على العالم مثلما فعل جورج بوش الابن. شن الرجل حرباً عالمية على الإرهاب إثر أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2000. حارب كل شيء باستثناء الإرهاب. زادت بؤر الإرهاب في كل أنحاء العالم. من أفغانستان إلى باكستان إلى الصومال المرشحة أن تكون معقلاً جديداً - قديماً لـ «القاعدة» والدائرين في فلكها، مروراً بإيران، والعراق، وسورية، ومناطق معينة في لبنان، وقطاع غزة الذي تحول إلى إمارة تحكمها «حماس»، التي كانت إلى الأمس القريب تريد تحرير كل فلسطين، فإذا بها اليوم تبحث عن تثبيت الهدنة مع الاحتلال الاسرائيلي. تمدد الإرهاب في أفريقيا، خصوصاً في منطقة جنوب الصحراء الممتدة من جنوب موريتانيا إلى جنوب السودان. حصل ذلك في عهد جورج بوش الابن. قاد الرجل العالم إلى المجهول. ما الذي سيفعله خليفته، هل يستطيع أن يفعل شيئاً؟ كل ما يمكن توقعه، في ضوء ما يهم المواطن الأميركي أوّلاً، أن يبدأ بمحاولة إصلاح الاقتصاد. بعد ذلك، تبدو كل الخيارات في غاية الصعوبة. ما العمل في أفغانستان وباكستان، كيف التعاطي مع إيران، هل سيكون الحوار معها مثمراً ومفيداً بعد الهبوط الكبير لأسعار النفط، ثم كيف الخروج من العراق ومن يضمن التوصل إلى اتفاق أمني شبه معقول مع حكومته، هل لا يزال في الإمكان عمل شيء بين الفلسطينيين وإسرائيل، وماذا عن سورية التي لم تقتنع بأنها مجرد دولة عادية وليست لاعباً أقليمياً يمتلك كل الأوراق في الشرق الأوسط؟ هذا غيض من فيض. الأسئلة تطول وتطول في غياب أجوبة من أي نوع كان.
خيرالله خيرالله
كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن