pdf
رئيس التحرير وليد جاسم الجاسم

ملف / يهود لبنان... حكاية الطائفة المُخْتفية (2 من 5)

أليغرا وليديا وألبرت خرجوا إلى الضوء مع «الراي» ... وقلّبوا الذكريات بـ «قلب محروق»

أليغرا الأسمر: كلما قصفتْ إسرائيل لبنان وخلال اجتياحها لبيروت كانوا يقولون «اليهود مجرمون»... عبارات كانت تذبحني

ليديا يديد شِعنا: هكذا هاجرنا إلى فرنسا في 1969 في «باخرة الأربعاء» من ميناء عين المريسة

ألبرت.م أوصى بدفْنه بمقابر اليهود في بيروت مع زوجته وأهله... لا أحد يعلم بديانته سوى جيرانه «وهم لا يزعجونني مطلقاً»
هم أبناء الطائفة «المُخْتفية» أو «المتخفّية» التي دفعتْ ثمن الخلط بين اليهودي والإسرائيلي والصهيوني، والذين «ضاعتْ» هويّتهم اللبنانية و«اختبأ» وجههم الديني تباعاً منذ أن «خبت» هويّة فلسطين مع نكبة 1948.

هم أبناء الطائفة 18 في لبنان الذين كان عددهم يناهز 25 ألفاً قبل قيام دولة إسرائيل وحتى بعدها، ولم يبقَ منهم اليوم «على الورق» إلا نحو 5 آلاف ونيف، لا يعيش منهم بصورة دائمة في «بلاد الأرز» إلا نحو 200، إما تحوّل قسمٌ كبيرٌ منهم إلى المسيحية أو الإسلام، وإما اختاروا «حياة الظلّ» بعدما ذاق كثيرون قبلهم ذُلّ القمع والاضطهاد.

هم أبناء الطائفة المعترَف بها في لبنان رسمياً (منذ العام 1936 إبان الانتداب الفرنسي) تحت اسم «الطائفة الإسرائيلية»، والذين يحاولون منذ أعوامٍ العودة إلى «الضوء» من بوابة كنيس ماغن ابراهام في وادي أبو جميل (وسط بيروت) الذي نفض عنه غبار الحرب ويَنتظر مراسم افتتاحه رسمياً التي تأجّلتْ مرات عدّة.

وإذا كان الدمار الذي لحِق بهذا الكنيس الذي بني العام 1925 وكان من أجمل المعابد اليهودية في الشرق الأوسط، شكّل العنوان الأبرز لما أصاب هذه الطائفة، خصوصاً قبيل الحرب اللبنانية (اندلعت العام 1975) وخلالها، فإن عودة الحياة إليه وتحوُّله مجدداً مركزاً للعبادة يبقى الإشارة الفعلية، المعلَّقة حتى اليوم، إلى أن يهود لبنان عادوا إلى صلب النسيج اللبناني وأنهم سيخرجون من «مخابئهم».

قبل أعوام قليلة، بلْسم كنيس ماغن ابراهام، الذي استعار هندسته من الفن العمراني إبان النهضة (هو من تصميم المهندس الشهير Bindo Manham)، «جراحه» بتبرعاتٍ غالبيتّها من الجالية اللبنانية اليهودية في الخارج، ولكنه ما زال يقبع على «رصيف الانتظار» في ما كان يُعرف بـ «وادي اليهود» الذي شكّل قبل بدء «جولات الهجرة» المتلاحقة «عاصمة» يهود لبنان، وفيه بنوا مؤسساتهم التجارية والدينية ومدارسهم وجمعياتهم الشهيرة.

رئيس الطائفة اليهودية في لبنان اسحق أرازي، وكأن «في فمه ماء»، حين تحدّث مراراً عن انتهاء أعمال ترميم الكنيس التي اعتبرها «بمثابة فخر للمجتمع اليهودي ومحاولة للتأكيد على وجودهم في لبنان»، من دون أن يشير إلى أسباب التأخّر في افتتاحه، ولكن مع تأكيد «لو أردْنا أن ننشئ متحفاً، كنا سلّمناه للدولة. ما نريده هو أن يعود هذا الكنيس إلى طبيعته، أي أن يصبح مكاناً للعبادة مرّة أخرى».

في وادي ابو جميل، وحده هذا الكنيس الذي يحتوي على قناطر نُقشتْ عليها نجمة داود وكتابات باللغة العبرية يبقى الشاهد على عدم اندثار الطائفة اليهودية في لبنان، هي التي تحوّلت بدايةً طائفةً «مخيفة» بعد 1948، مروراً بنكسة 1967 والاجتياح الإسرائيلي للبنان في 1978، ثم الواسع النطاق في 1982، إلى طائفة خائفة لم تَجد لها مكاناً في لبنان ما بعد الحرب وفي المصالحات الوطنية التي أرسى ركائزها اتفاق الطائف، وكأنّها «تُلفظ» من الفسيفساء اللبنانية بعدما دفعت ثمن التاريخ والجغرافيا ومصطلحاتٍ دينية وقومية.

«الراي» تقلّب على حلقاتٍ تاريخ الطائفة اليهودية في لبنان وحاضرها وفصول شبه «تَبخُّرها»، وتضيء على أبرز معالمها الدينية وخريطة انتشارها العقاري، كما تتحدّث إلى بعض أبنائها «المنسيين» الذين تجرأوا على الخروج «إلى الضوء»، وتستعيد أشهر الحكايا التي ارتبطت بها.

على «ندرة» مَن بقي بينهم في «بلاد الأرز»، تحدّث عدد من يهود لبنان إلى «الراي» بعد تردُّدٍ طويل حيال فكرة «الخروج من خلف الستار».

ومن خلال عملية «بحث وتحرٍّ» شاقة عن «بقايا» يهود لبنانيين بالتعاون مع قريبين منهم كالباحث المتخصص في شؤون الطائفة ناجي زيدان، وصلتْ «الراي» إلى عدد من هؤلاء الذين تبيّن أن غالبيتهم بلغوا سنّ الشيخوخة وربما سيكونون آخر جيل يهودي في لبنان، كون عدد الشباب اليهود لا يتعدّى الـ 50 وبعضهم يعيش بين لبنان والخارج بهدف العمل أو التعلّم.

ثلاثة وجوه من يهود لبنان أضاؤوا على واقعهم والماضي والمستقبل، بينهم سيّدة مسنّة متزوجة من مسيحي وتقيم في مدينة زحلة ولديها خمسة أولاد.

... في عقدها السابع وبذاكرة لا تزال نضِرة تجلس أليغرا سرور الأسمر، مسترجعةً ذكريات مؤلمة أكثر مما هي سعيدة.

ابنة زحلة اليهودية ( 76 عاماً) كما كان يُطلق عليها وعلى عائلتها لتوصيفهم حتى قبل زواجها من الراحل جورج الأسمر، بقيتْ في لبنان فقط من أجل عائلتها، كما تقول بصراحة وعفوية... هي التي أحبّت جورج فتزوجتْه وأنجبتْ منه أبناءها، ولذا لم تعد تتقبل فكرة الهجرة من بلدها وترْك عائلةٍ ناضلتْ من أجل تأسيسها، لاسيما أن الاختلاف الديني كان السبب الرئيسي لغضب عائلتها منها «وهم رحلوا إلى خارج لبنان وبقيتُ أنا هنا».

بعد عُصارة تجربة في الحياة خرجت بعِبرة «لا يختلف اليهودي عن المسيحي والمسلم بشيء، الديانات حواجز وضعها الإنسان للتفرقة فقط، مع العلم أنها كلها سماوية».

وتؤكد «أليغرا» أنها لا تزال تمارس طقوسها «الموسوية» كالصوم في يوم الغفران (شهر سبتمبر). وحتى في عيد الفصح اليهودي تصوم وتطبخ طعاماً مخصصاً للمناسبة مصنوع من القمح غير المُختمر، كما أنها لا تأكل لحم الخنزير بتاتاً بعكس أولادها.

بالنسبة إلى الصلاة وصعوبة تأدية شعائرها في ظل عدم وجود معبد حالياً تقول: «التوجه إلى الله مباشرة بالتضرّع والترجي لا يحتاج إلى معابد أو وسائل مادية أخرى».

عانتْ «أليغرا» الكثير بسبب ديانتها، فالجميع في زحلة يعلمون أنها يهودية، وكلما قصفت إسرائيل لبنان وخلال اجتياحها لبيروت أيضاً في العام 1982 كانوا يقولون «اليهود مجرمون، اليهود يقصفوننا» عبارات كانت تذبحها، إذ لم تميّز بين الدين والسياسة والمصالح.

في المقلب الآخر، تعبّر ليديا يديد شِعنا، عن فخرها ومحبتها للبنان وطن أجدادها الذين نزحوا من حلب إليه في القرن التاسع عشر. هذا الحب يوازي حبها لبلدها الثاني فرنسا بعد هجرتها إليه في العام 1969 هاربة مع أهلها بباخرة كان يُطلق عليها «باخرة الأربعاء» التي كانت تصل كل أسبوع في مثل هذا اليوم إلى ميناء منطقة عين المريسة لتنقل معها عشرات اليهود الذين يرغبون في ترك لبنان متّجهين نحو قبرص مباشرة، ومن هناك يتفرّعون لدول عدة منها إسرائيل.

في زيارة لها للبنان التقتْها «الراي» حيث قلّبت ذكرياتها الجميلة التي تحنّ إليها كلّما تقدّمت في السن.

حين تصل بيروت ترغب بالسير في شوارعها مسترجعةً ذكريات الكنيس «ماغن أبراهام» ومدرسة «الأليانس» التي درس فيها صفوة من يهود لبنان وأولاد عائلات أرستقراطية مسيحية وإسلامية.

لم يعد لليديا حالياً أصدقاء في لبنان، «كان هناك البعض القليل، منهم مَن مات ومنهم مَن هاجر، وبشكل عام لم أرغب في البحث عن جيران وأصدقاء من الحقبة الماضية خوفاً من ردة فعلهم كوني يهودية».

ليديا تزوجت من شاب لبناني من طائفتها كان لديه محلّ مجوهرات في الأسواق القديمة، أُحرق محله وبعد فترة تم الاعتداء على منزل عائلته في وادي أبو جميل. والدها توفي بذبحة قلبية بعد تهديدات وعمليات اغتيال نُفذت بحق يهود واتهامهم بالعمالة «لذا قررتْ والدتي وأشقائي الهجرة من لبنان، فتوجّهنا إلى فرنسا وبعد سنوات انقسمتْ العائلة بين فرنسا وكندا وأميركا».

تستذكر ليديا بلدة بحمدون، حيث يملكون هناك منزلاً صار اليوم مهجوراً ولا يستطيعون فعل أي شيء لبيعه بسبب عدم استخراج «حصر الإرث»... فأفراد العائلة مشتتون، منهم مَن توفي ومنهم مَن ذهب إلى إسرائيل قبل أعوام قليلة.

بالنسبة إليها «إسرائيل» لا تعني لها شيئاً، ففرنسا وطنها الذي حماها حين خرجتْ قسراً من لبنان، بحسب قولها. وتتفهم ليديا غضب اللبنانيين من اليهود في تلك الحقبة، وفي هذا السياق تؤكد أن محبتها للبنان جعلتْها تفتح مطعماً متخصصاً بمأكولاته، كما أنها غالباً ما تخبر صديقاتها الفرنسيات عن جمال لبنان وذوقه.

ومثل أي لبناني تعشق فيروز وصباح، لكنها تحب أيضاً الفنانة الراحلة وداد، غامزة بدعابة كونها يهودية الأصل.

أما ألبرت.م (فضّل عدم الكشف عن اسمه بالكامل)، فيبلغ اليوم من العمر نحو 78 عاماً، يقيم في بيروت بأحد الأحياء التراثية الراقية. توفيت زوجته قبل 15 عاماً وسافر أبناؤه الثلاثة إلى أميركا للعمل، وهم يزورونه كل عطلة صيف.

ويقول ألبرت لـ «الراي» إنه فضّل البقاء في لبنان لتَعلُّقه بوطنه، «فلا يحق لأحد طردي رغم كل المناوشات التي كانت تحوط بنا خلال الحرب الأهلية، وحاول البعض تخويفنا لإخراجنا من منزلنا والاستيلاء عليه وعلى محل الملبوسات الذي كنتُ أملكه في وسط بيروت القديم، لكنني بقيتُ بحماية من الدولة اللبنانية».

ويعتبر أن الهجرة من لبنان حالياً مسألة سخيفة فـ «مَن صبر وعاش هنا طوال هذه الأعوام لماذا يترك كل شيء ليسافر إلى الغربة ولو عند أبنائه، فهم طوال الوقت في أعمالهم ولا وقت لديهم للاهتمام بي، وهم يرسلون الأموال التي تغطي مصاريفي كافة، ولا ينقصني أي شيء».

وفي هذا السياق، يؤكد أنه كتب في وصيّته بدفْنه في مقابر اليهود في بيروت حيث ترقد زوجته وأهله، مع العلم أنه يحاول قدر المستطاع ألا يخرج بهوية «اليهودي» أمام الناس وأن يتقمص شخصية الرجل المسيحي، لكن اسم عائلته يفضحه ولا أحد يعلم بديانته سوى جيرانه فقط «وهم لا يزعجونني مطلقاً بل على العكس تماماً».

ويقول رجل أعمال قام قبل فترة ببناء برج ضخم في منطقة الأشرفية الراقية (طلب عدم الإفصاح عن اسمه) إنه «لبناني يهودي وليس العكس، فولائي لوطني أولاً، وأنا كالمسيحي والمسلم اللبناني ولا أقلّ عنهم مواطَنة ولا كرامةً»، معتبراً أن «الإنسان لا يختار دينه وأهله، ولكن هو مَن يُسيِّر انفتاحه وتقبُّله للغير»، مؤكداً أنه لن يترك لبنان «ولو أردتُ ذلك لما استثمرتُ أموالي فيه»، متمنياً أن يأتي اليوم ويعود اليهود إلى الضوء ويتقبّلهم المجتمع «ويحاسبهم كمواطنين لبنانيين ليس لهم علاقة بإسرائيل».

كنيس ماغن أبراهام ... حياة «بلا روح»

في مايو 2014، تمّ الانتهاء من ترميم أكبر كنيس يهودي في لبنان «ماغن أبراهام»، وهو يقبع في وسط بيروت التجاري ويطلّ على السرايا الحكومية، وكان مقرَّراً منذ بدء العمل على ترميمه في الـ 2008 أن يتمّ افتتاحه بحفل رسمي تحضره شخصيات سياسية ودينية لبنانية طبعاً إلى جانب عددٍ من يهود لبنان الذين يجهل كثيرون أنهم ما زالوا موجودين في «بلاد الأرز».

انتهى العمل في الكنيس، ولكن الافتتاح مؤجَّل إلى موعدٍ غير محدَّد، إذ بحسب ما أبلغ وكيل الطائفة الموسوية في لبنان المحامي باسم الحوت إلى «الراي»، فإن «كل ما قيل سابقاً وأشيع عن قرب افتتاح الكنيس ليس صحيحاً، فهناك طبعاً نية جدّية للإعلان عن هذا الافتتاح، لكن المسألة منوطة بالوضع الأمني في المنطقة عموماً ولبنان خصوصاً».

وكان ترميم الكنيس بدأ في أبريل 2008 بتكلفة نحو مليون دولار تمّ جمْع غالبيتها من المحسنين اليهود في لبنان والخارج ومن عددٍ محدود من الميسورين المسلمين والمسيحيين الذين تردّد أنهم قاموا بالتبرّع لإعماره كنوعٍ من مبادرة إنسانية وحسن نيّة عكستْ حنيناً إلى «لبنان القديم».

واليوم الكنيس قام من «تحت الركام»، ولكنه يبقى «بلا روح». وهنْدسته الرائعة تجعله معلماً دينياً وعمرانياً مميزاً، هو الذي تَتوزّع أقسامه على «الهيكل الأساسي» (في الوسط وله ثلاثة مداخل)، فيما يقع إلى اليمين واليسار جناحان بعيدان من المعبد (حرصاً على عدم تدنيسه) ويضمان قاعة مخصصة للمناسبات.

واكتسب هذا الكنيس اسمه تيمناً بنجل ابراهام ساسون، وهو شُيّد على عقارٍ قدّمه ليفي اسطنبولي. وفيما وَضع «هيكل» التصميم الداخلي بيندو مانهام، أشرف على البناء إيزرا بنيامين وجوزف بلايا.