خواطر صعلوك

ما غاب عن أصدقاء فولتير!

تصغير
تكبير
كيف يمكن لشخص أن يكون منحازاً لفكرة حقوق الإجهاض، حيث قتل جنيناً في بطن أمه، وفي الوقت نفسه يعارض على عقوبة الإعدام من باب الرحمة... رغم أن الأول لم يأخذ فرصته في الحياة كاملة بينما الثاني أخذها وأساء استخدامها؟

طُرح هذا السؤال على هامش لقائنا الأسبوعي في منتدى المثنى الثقافي الذي ليس فيه شيء من الثقافة، بل هو منتدى للتصفية والتربية... وتشريح السوداوية وجلد الذات لنا.


الباب العالي، الذات العلية، الأب، مقام الدولة، كلها ألقاب نقولها لمولانا أبو أحمد.

ورغم أن أبو أحمد من جيلنا الذي تنطبق عليه عبارة الأديب محمد حافظ رجب «نحن جيل بلا أساتذة»، إلا أننا جعلنا منه أستاذاً وهو جعل منا تلاميذ، وهكذا إذاً فكل واحد منا يتقمص الشخصية حتى الثمالة، وأي محاولة للثورة أو التمرد تواجه بمصير المحكوم عليه بالإعدام في مستوطنة العقاب لفرانز كافكا، حيث يوشم على جسده قبل قتله «وقر رؤساءك»!

لا أنكر أننا كمجموعة أصدقاء نستفزه أحياناً ونحن نعلم أنه يملك ثلاثة مستويات للغضب... وزن الريشة، حيث يسدد لك كلمات مليئة باللكمات، وهناك مستوى فتح الملف الأمني، حيث يذكرك بكل أخطائك خلال السنوات الأربع الماضية، أما المستوى الثالث فهو الضرب بالنووي، حيث تقرع أجراس المنتدى وتصدع الأبواق العسكرية إيذاناً بأن المضروب لن يعود مرة أخرى إلا بعد مراجعة طبيب نفسي، وعن نفسي أحرص على أن أبقى في المستوى الأول، رغم محاولاتي المتكررة للقيام بالثورة الناعمة والسيطرة على مقاليد الحكم.

في منتدى المثنى الثقافي ستتعلم الفرق بين الاستبداد العادل وبين الطغيان الظالم، وبأن الاستبداد أحياناً عملية تنظيمية تضمن عدم الانحراف في ظل فهم طغياني للديموقراطية، فأي ضيف جديد عليه أن يقدم شروط الطاعة والولاء لمقام الدولة في اختيارات المواضيع التي ستفتح أو المطاعم التي سنأكل فيها أو حتى مواعيد القدوم والاستئذان.

في هذا المنتدى والذي هو عبارة عن طاولة دائرية صغيرة في كافتيريا زبائنها دائمون تطل على أطلال مكتبة كانت يوماً ما المكتبة الأولى في الكويت حيث فرغت من كتبها وبقيت الأرفف شاهدة على لعنة رأسمالية الثقافة، ولكننا لسبب لا نعلمه قررنا أن نبقى نحن على الطاولة نفسها والتي اسميناها مجازاً «منتدى المثنى الثقافي»، وهناك نتعلم الكثير ولكن من غير كتب... إنه منتدى لا يتحدث عن الكتب أو فيروز أو أهمية القهوة في الشتاء، وأعضاؤه لا يبدأون كتاباتهم بـ «في صباح أحد أيام تشرين وقف خالد متأملاً الضباب بينما كانت السماء تمطر حفاضات أطفال»، بل إن أعضاءه يعشقون وجبة مليئة بالدهون على طعام مصاحب للبيئة، ويفضلون مشاهدة فيلم سينمائي على حضور ندوة أدبية تتكلم عن «أدب كافكا بين البنيوية والتفكيكية».

مجموعة من الأصدقاء الرائعين... وضيوف متقطعون على طاولة الكافتيريا التي نعرف كل زبائنها وأماكن جلوسهم، دائماً من يكون حاضراً بقوة حتى لو كان وحيداً هو مولانا.

شخص يذكرك بحدة العقاد إذا خاصم وإبداعات الجواهري إذا قال شعراً وموسوعية عبدالرحمن بدوي إذا حقق وحرص، ورأفت الهجان إذا قرر الدخول أو الخروج من مشروع، وألمانية عادل الجبير إذا صرح، وإنكليزية السكان الأصليين في انكلترا، وهندية نوخذة له بيت في بومباي، ومفردات القادمين من نجد على ظهور الإبل.

إذا ذهبت إلى مجمع المثنى الآن ربما تجده جالساً في أقصى اليمين، الطاولة التي تطل على مكتبة المثنى... يجلس بقوة أربعين فارساً، وينظر لك إذا كنت غريباً عابراً من خلف النظارة ليتفحص فيك تاريخاً وحاضراً، تبدو عليه الهيبة والوقار رغم أنه ولد بعد انهيار الاتحاد السوفيتي!

شكل من أشكال الاستبداد الإيجابي الذي جعلني أنسى الدخول في إجابة السؤال المذكور في أعلى المقال لأدخل في سيرة ذاتية لصديقي الذي يتعلم الكمان والرسم وتفاصيل كثيرة تجعل منه ذئباً هيجلياً معرفياً أضاع طريقه وزمانه وأصبح يسير في الطرق غير المعبدة أو المسفلتة أو في سرداب مجمع حتى لم يلاحظه أحد سوانا في منتدانا الذي هو سكنانا.

عروة الزمان الباهي أنت يا صديقي، بعيداً عن أولئك الذين يؤمنون بحقوق الإجهاض بحيث قد يحرمون البشرية من أمثالك... أو أولئك الراغبين في منع قانون الإعدام بحيث يسمحون لي أن أقتلك وأعيش، إلا أننا جميعاً نعلم أنك قد انتقلت إلى العام 2017 من خلال ثقب في الزمن كان ينبغي أن يكون العام 1750م.

كاتب كويتي

moh1alatwan@
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي