خواطر صعلوك

المدير ما عطاك امتياز!

تصغير
تكبير
«المديرة اليوم مزاجها متعكر!»

... إذا قيلت هذه الجملة في مدرسة ما فهذا كفيل بجعل أقدام رئيسات الأقسام ترتعد وترتجف طمعاً وخوفاً، ما يجعل الناظر إليهن ينفجر من الضحك وهو يلاحظ محاولاتهن في ضبط الثبات الانفعالي والسلوك العاطفي أمام مديرة مدرسة (مزاجها متعكر)، ربما قالت لأول ضحية أمامها «من قال لي اتق الله بعد مجلسي هذا...قطعت عنقه».


وهن معذورات في ذلك، فخبرة عشرة أو خمسة عشرعاماً تقول لهن جملة واحدة «بماذا سينفعك حبك الطلاب إذا كرهتك مديرة المدرسة؟».

هل يبدو ما أقوله لك اليوم مألوفاً؟

إذا كانت إجابتك نعم فأكمل معي هذه السطور، أما إذا شعرت أن الأمر لا يعنيك فهذا لأنك تملك مدير مدرسة يحترم نفسه قبل أن يحترم الآخرين، حريصا على العلاقات الإنسانية وليس الزوايا الشخصية، مديرا معدنه طيب وأصيل للدرجة التي تجعل أجهزة كشف المعادن في المطار تصفر بالإنذار حتى لو كان لا يحمل معه هاتفا أو مفتاحا.

لذا كلامنا اليوم عن أولئك الذين يظهرون بوجه أمينة رزق أمام المراقب، وبوجه محمود المليجي أمام المعلمين، في وزارة لم تسأل نفسها ولو لمرة واحدة عن سبب كون مهنة التدريس غير مرغوبة بالنسبة للتخصصات المهمة رغم الراتب والعطلة وما لذ وطاب من الفطور الصباحي.

وزارة تنتفض إذا قال طالب «المعلم حاط عليّ وما يحبني» وتبقى ساكنة أمام عشرين معلماً أو معلمة يرفعون تظلمات حول سلوكيات مديريهم، وحتى لو قررت أن تتحرك فإن أقسى ما تفعله هو أن تنقل البلاء من مدرسة إلى أخرى.

إنني هنا لا أتكلم عن نفسي، فقد أصبحت من الأقلية المستفيدة التي نجحت في اجتياز اختبارات رئاسة القسم... تلك الأقلية التي يعلمونها كيف تجاري الفرعون وكيف تنسى قوم موسى.

حسناً... يبدو أنني بدأت أفقد ثباتي الانفعالي.

إن مهنة التدريس غير واضحة المعالم، فجميع المعلمين والمعلمات باختلاف تخصصاتهم لا يرقون إلى مستوى عبقرية وقدرات المدير أو المديرة الخارقة التي يحق لها أن تقيم معلمة العربي والعلوم والانكليزي والرياضيات سواء في فصولهن أو ورشهن، بل وتتدخل في الشؤون الفنية رغم أنها جاءت من تخصص أدبي أو رياضي أو تتدخل في الشؤون الأدبية رغم أنها جاءت من تخصص علمي أو بالواسطة، ولا تقبل المناقشة في الشؤون الإدارية مرتدية لبوس الحكمة والمعرفة وسنوات من الخبرة ظل التعليم فيها يتدهور رغم الإيهام الشديد بالتقدم الذي يمارسه الجميع من خلال التصاريح.

هذا بالإضافة إلى التهديد المستمر منذ أول يوم في طابور الصباح وحتى آخر اختبار وخروج آخر طالب وطالبة من بوابة المدرسة، التهديد بالتقرير السنوي غير الواضح البنود بالنسبة للمعلمين، فغالبية المعلمين والمعلمات لا يعرفون شكل بنود التقييم رغم أن هذا التقييم هو من يحدد ترقيتهم ومستقبلهم المهني، أضف على ذلك أن الكلمة الأولى والأخيرة في التقرير تكون للمدير أو المديرة التي لا تزور معلماتها أصلاً إلا مرتين في السنة وأحياناً، لا تزور بدعوى الاهتمام بالنشرات القادمة من أعلى أو بدعوى الدورات التدريبية التي تدخلها وتخرج منها دون أن يتغير فيها شيء سوى البدلة التي ترتديها، أما رئيس القسم والموجه الفني فلا رغبة لديهما في الدخول في جدال مع مديرة أو مدير يعتقد أن هذه المدرسة وهؤلاء المعلمين والطلاب ملك له!

وقل لي بالله عليك قبل أن تعتقد أني أتحامل أو أفتري على مدير أو مديرة، لماذا تبقى التقارير سرية وبنودها غير واضحة!! وحتى توزيع الدرجات بين رئيس القسم والموجه والمدير تتغير كل عامين وتختفي ملامح تقسيمة الدرجات حتى أصبح التكهن بين المعلمين أكثر من التكهن بين أصحاب الأبراج الفلكية في ما يخص هذه التقسيمة، حتى تقسيمة البرازيل وخططها في كأس العالم أكثر وضوحاً من تقسيمة البنود والدرجات في تقارير المعلمين!

إنها سياسة الوزارة التي تمنع الطالب من أن يطلع على اختباره وتمنع كذلك المعلم من الاطلاع على تقريره في حالة غريبة وشاذة تعني أن الشفافية الوحيدة في هذه الوزارة هي شفافية القرار رقم واحد.

هناك ستون ألف مبرر ومبرر يسوقها المديرون والمراقبون لكي يجعلوا من التقارير سرية، والمعلومات غير شفافة، وهي المبررات نفسها التي تجعل من مهنة التعليم غير مرغوبة للتخصصات النادرة والعلمية، فالقصص التي يسمعونها من إخوانهم وأصدقائهم الذين زاولوا المهنة تجعلهم يفضلون راتبا أقل بدلاً من مناوبات أكثر، وعدد أيام دوام أكثر بدلاً من بنود تقييم أقل بيد رجل واحد.

قصص كثيرة عدد من يرددونها أكثر من عدد من رووا كتب الشافعي، ورغم ذلك تبقى سلطة المديرين وتتلاشى القصص.

إن تقارير الامتياز تمنح كالهبات لمعلمين ومعلمات عندهم القدرة على التواجد في الإدارة باستمرار لعرض خدماتهم اللوجستية التي من المفترض أن يقدموها لطلابهم، بينما يحرم منها معلمون يبقون في أقسامهم لمتابعة ما هو مفترض بهم أن يتابعوه، وهذا الكلام ليس تعميماً أو حكماً مطلقاً ولكن القصص أكثر من أن تروى.

المعلم يزوره رئيس القسم والموجه والمدير والمدير المساعد وتراقبه الكاميرات وحارس المدرسة والطالب ويحاسبه ولي الأمر بالمعروف تارة وبالمنكر تارة أخرى، وبعد أن يجتاز كل هذه المراقبات، فإذا اختلف مع المدير أو لم تكن ابتسامته ملء الشدقين في الصباح فهناك بند عدم التعاون أو الضعف الإداري. ثم يأتيه رئيس القسم بصفة ودية ليقول له «المدير ما عطاك امتياز»، فيقف المعلم حائراً مذهولاً كمن دهم طلق الولادة زوجته على حين غرة يفكر بهذا الوضع الغريب الشبيه بأدب كافكا الكابوسي أو مسرح العبث، أو ربما مسرح الكارثة.

إنها كارثة فعلا تجعلني كرئيس قسم محتمل أن أقف في صف فرعون وأنسى قوم موسى.

إنها ممارسة تكثر بين المعلمات عنها بين المعلمين، وتكثر بين الوافدين عنها بين الكويتيين... والكل يعاني اختلال المعايير.

مهزلة في مهزلة هي أول مسرحية كويتية نظمت شعراً، أبدعها أحمد مشاري العدواني، رحمه الله، الذي يقول على لسان تنبل الذي انقلب على صديقه حنبل:

أنا صاحب المحل... بيدي الشغل والعمل

أنا ناهٍ وآمر... ومدير بلا جدل

حيل كلها الحياة... ولي أبرع الحيل

إنما الأمر في يدي... صارم في يد البطل.

كاتب كويتي

moh1alatwan@
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي