الموقف من الشعر في الشعر الشعبي الحديث (5 - 6)
كان الحزن سجان,,
وكانت هذي الأرض أربعة جدران..
.. «ولا ناحت بلاد ولا حمامة»
لا.. ولا هم يحزنون
كنت أنا / المطعون,
تبكيه القصيدة, والكامزون,
لكن الشاعر بقى محزون
تواصل هاجس الحزن يستمر معه، فهذا الحزن الذي صار سجانًا لروح الشاعر، وجعله يتصور الأرض الفسيحة سجناً كبيراً مكوناً من أربعة جدران، جعله يتحرك من الداخل للثورة على هذا السجن، وذلك عن طريق المقدرة على الكتابة والتعبير عن شعوره المكبوت بين ضلوعه لهذا يحاول ضمن هذا السياق تغيير إحساسه بسيطرة هاجس الحزن عليه، لكن دون جدوى, لهذا جعلته هذه الحالة يستحضر الموروث الأدبي المتصل بسجن الشاعر العباسي أبي فراس الحمداني ومنظر الحمامة التي كانت تنوح بالقرب منه «ولا ناحت بلاد ولا حمامة» لهذا صوّر نفسه بالرجل «المطعون» الذي «تبكيه القصيدة» في هذا الجو المشبع بالألم والحزن.
يا أنت البعيد اللي جلست هناك:
رتب ضحكتك..
غن..
ابتهج
خلك مثل ما أنت أعرفك تجمع الدنيا بقصيدة شعر
وتكسر كل أوزان الحياة فـ بسمةٍ لشفاك!!
غير أن هذه الطلبات التي واجهها الشاعر جاءت بصيغة الالتماس، وهو فعل أمر لا يحتمل التنفيذ، أي أمر التنفيذ، وهو أمر للأمر فقط، أمر دون قيود ولا شروط، وكأنه يخاطب في هذه المقطوعة روحه المثقلة بالحزن والهموم، ويريد منها أن تتخلص من هذا العبء الكاتم على نفسه، وهو الحزن الذي حكم عليه بالسجن.
من الوهلة الأولى تبدو أن الحالة عند الحميدي الثقفي حالة أشبه ما تكون بالمخاض، أي حالة ولادة عسيرة بالكاد من رحم اللغة الشعرية عنده، لهذا غالباً ما تكون القصيدة - وهذا بشكل عام في أغلب نصوصه – غالباً ما تكون تمر بولادة عسيرة وجهد ومثابرة، رغم إيقاعية بعض المقاطع الداخلية، وهي إيقاعية متسارعة متراقصة، ولعله يريد التخلص من أزمة ولادة النص الشعري لديه بهذا التراقص، وهو بهذه الحالة أشبه ما يكون بحال الأفارقة الذين يُكْثرون من الرقص لتفريغ ما بهم من حرارة وانفعالات نفسية على رأي ابن خلدون، حيث يقول في هذا المقطع:
صار اصبعي ريشة
صار القلم فرد
ومشرد حروفي
ترعى مضارب جرد
بعض القصايد غذا
وبعض القصايد سم
والبعض الآخر كذا
صرخة بليا فم !!
بعيدًا عن هذه النغمة الصوتية المرتفعة، والتي بالإمكان تحويلها من مقطوعة شعرية حديثة إلى نمط تقليدي لكن بصورة مهذبة، أي انها أبيات عمودية تحررت من رتابة القافية الواحدة، نقول بعيدًا عن هذه النظرة، يمكننا أن نقول عن هذا الكلام إن علاقته بالشعر علاقة انفجارية مشتعلة قابلة للتدمير في أي لحظة، وذلك من حيث إن إصبعه ريشة كما يقول أي إنه سريع الحركة، بينما القلم لديه «فرد»، أي مسدس، وبإمكاننا أن نتصور مدى التأزم كيف سيكون ما بين إصبع سريع الحركة وقلم يملك فاعلية المسدس، حتمًا ستكون هذه العلاقة علاقة متشنجة أي إنها ستكون قابلة للانفجار في أي لحظة، وهذا ما لمسناه من موقف الشاعر من القصيدة، التي تكون مرة «غذا» وفي المرة الأخيرة «سم» وقد عبر عن هذه العلاقة الانفجارية بقوله: «صرخة بليا فم» أي إنها أشبه ما تكون بالجهاز الكاتم للصوت.
هذا الموقف من قبل الحميدي الثقفي الذي ينقل لنا القصيدة إلى حالة أخرى قد لا نراه عند الشعراء الآخرين، فهي ليست قضية وليست حالة للإبداع أو مشروعاً للإنماء والتطور، بل هي هنا مشكلة في حد ذاتها، مشكلة أوجدها الشاعر أو اكتشفها في تصور آخر، أو لعلها ليست هذه ولا تلك، حيث إنه تائه مع هذا الشعر، فهو لا يدري ماذا يريد منه، لهذا نراه يدور في أزمة اللغة، وكأنه يدور في حلقة مفرغة من الكلام:
تكللت وحدي/ توحدت كل
تظللت جسمي/ تجسمت ظل
تحللت أسأل / تساءلت حل
تقللت كثري / تكاثرت قل
هذا التلاعب المصطنع يعكس لنا أزمة الشاعر مع اللغة وشعوره بأنها غير قادرة على استيعاب ما يكتب، وليس لديها القدرة على منحه ما يريد منها، لهذا يهرب منها إليها، ويلوذ بها عنها، لهذا تتعدد أوجه الإشكاليات في شعر الحميدي الثقفي وكأني به هو من يتعمد هذه الأمور ليفتح لنفسه مجالات أخرى مكنته من الكتابة.
الوضع عند مسفر الدوسري يكاد يكون متركزاً على جانب معين، وهو ما تمت مناقشته في مبحث آخر وهو المبحث المرتبط بجانب العلاقة مع المرأة، حيث إن القصيدة عنده تأتي في سياق الحديث عن الأنثى، ولا يمكن عزلها في سياق خاص بها كما حدث هنا مع العديد من الشعراء، لذا تأتي القصيدة مندمجة في هذا السياق، ولم تكن أنثى أخرى، أي أنثى على الورق، بل نَقَل تصوره عن الأنثى إلى عالم الحديث عن علاقته بالقصيدة، فكانت الأنثى ملتصقة فيه بشكل يصعب الفصل في ما بينهما سواء كانت كمفردة لغوية جاءت هنا أو هناك، أو كحالة تتملكه أثناء الكتابة، وبين السياق الأنثوي العام الذي انتهجه الشاعر في كتاباته.
بعيدًا عن الحالة التي انتهجتها هنا، وهي حالة الممارسة النقدية في تناولي لقراءة بعض النماذج والتنقيب فيها عن النقاط التي أريد الحديث عنها، حيث سأكتفي هنا في حالة مسفر الدوسري وسأقف عند التنظير، وذلك من أجل نفض يدي من هذا المبحث والشروع في تناول جانب الإنسان في الشعر الشعبي الحديث، لهذا نرى أن مسفر الدوسري طوّع المفردة الشعرية لخدمة أغراضه في الكتابة، وعلى هذا الأساس كانت تأتيه اللغة طائعة منصاعة، وهو هنا لم يلجأ للجنوح للتعاريف المتصلة بالشعر أو بعض قضاياه، والتي تطرق إليها الشعراء الآخرون، وهي مبثوثة في قصائدهم التي تم التطرق إليها، ولم يحرص كذلك على لَيّ أعناق اللغة من أجل أن يشعر أمامها أو أمام قرائه بأنه الفارس الماهر كما هو الحال مع عافت وصفوق والحميدي الثقفي وعدد آخر من الشعراء، بل كانت اللغة الشعرية عند الدوسري أشبه ما تكون بالعالم المخملي الجميل الناعم.
وكانت هذي الأرض أربعة جدران..
.. «ولا ناحت بلاد ولا حمامة»
لا.. ولا هم يحزنون
كنت أنا / المطعون,
تبكيه القصيدة, والكامزون,
لكن الشاعر بقى محزون
تواصل هاجس الحزن يستمر معه، فهذا الحزن الذي صار سجانًا لروح الشاعر، وجعله يتصور الأرض الفسيحة سجناً كبيراً مكوناً من أربعة جدران، جعله يتحرك من الداخل للثورة على هذا السجن، وذلك عن طريق المقدرة على الكتابة والتعبير عن شعوره المكبوت بين ضلوعه لهذا يحاول ضمن هذا السياق تغيير إحساسه بسيطرة هاجس الحزن عليه، لكن دون جدوى, لهذا جعلته هذه الحالة يستحضر الموروث الأدبي المتصل بسجن الشاعر العباسي أبي فراس الحمداني ومنظر الحمامة التي كانت تنوح بالقرب منه «ولا ناحت بلاد ولا حمامة» لهذا صوّر نفسه بالرجل «المطعون» الذي «تبكيه القصيدة» في هذا الجو المشبع بالألم والحزن.
يا أنت البعيد اللي جلست هناك:
رتب ضحكتك..
غن..
ابتهج
خلك مثل ما أنت أعرفك تجمع الدنيا بقصيدة شعر
وتكسر كل أوزان الحياة فـ بسمةٍ لشفاك!!
غير أن هذه الطلبات التي واجهها الشاعر جاءت بصيغة الالتماس، وهو فعل أمر لا يحتمل التنفيذ، أي أمر التنفيذ، وهو أمر للأمر فقط، أمر دون قيود ولا شروط، وكأنه يخاطب في هذه المقطوعة روحه المثقلة بالحزن والهموم، ويريد منها أن تتخلص من هذا العبء الكاتم على نفسه، وهو الحزن الذي حكم عليه بالسجن.
من الوهلة الأولى تبدو أن الحالة عند الحميدي الثقفي حالة أشبه ما تكون بالمخاض، أي حالة ولادة عسيرة بالكاد من رحم اللغة الشعرية عنده، لهذا غالباً ما تكون القصيدة - وهذا بشكل عام في أغلب نصوصه – غالباً ما تكون تمر بولادة عسيرة وجهد ومثابرة، رغم إيقاعية بعض المقاطع الداخلية، وهي إيقاعية متسارعة متراقصة، ولعله يريد التخلص من أزمة ولادة النص الشعري لديه بهذا التراقص، وهو بهذه الحالة أشبه ما يكون بحال الأفارقة الذين يُكْثرون من الرقص لتفريغ ما بهم من حرارة وانفعالات نفسية على رأي ابن خلدون، حيث يقول في هذا المقطع:
صار اصبعي ريشة
صار القلم فرد
ومشرد حروفي
ترعى مضارب جرد
بعض القصايد غذا
وبعض القصايد سم
والبعض الآخر كذا
صرخة بليا فم !!
بعيدًا عن هذه النغمة الصوتية المرتفعة، والتي بالإمكان تحويلها من مقطوعة شعرية حديثة إلى نمط تقليدي لكن بصورة مهذبة، أي انها أبيات عمودية تحررت من رتابة القافية الواحدة، نقول بعيدًا عن هذه النظرة، يمكننا أن نقول عن هذا الكلام إن علاقته بالشعر علاقة انفجارية مشتعلة قابلة للتدمير في أي لحظة، وذلك من حيث إن إصبعه ريشة كما يقول أي إنه سريع الحركة، بينما القلم لديه «فرد»، أي مسدس، وبإمكاننا أن نتصور مدى التأزم كيف سيكون ما بين إصبع سريع الحركة وقلم يملك فاعلية المسدس، حتمًا ستكون هذه العلاقة علاقة متشنجة أي إنها ستكون قابلة للانفجار في أي لحظة، وهذا ما لمسناه من موقف الشاعر من القصيدة، التي تكون مرة «غذا» وفي المرة الأخيرة «سم» وقد عبر عن هذه العلاقة الانفجارية بقوله: «صرخة بليا فم» أي إنها أشبه ما تكون بالجهاز الكاتم للصوت.
هذا الموقف من قبل الحميدي الثقفي الذي ينقل لنا القصيدة إلى حالة أخرى قد لا نراه عند الشعراء الآخرين، فهي ليست قضية وليست حالة للإبداع أو مشروعاً للإنماء والتطور، بل هي هنا مشكلة في حد ذاتها، مشكلة أوجدها الشاعر أو اكتشفها في تصور آخر، أو لعلها ليست هذه ولا تلك، حيث إنه تائه مع هذا الشعر، فهو لا يدري ماذا يريد منه، لهذا نراه يدور في أزمة اللغة، وكأنه يدور في حلقة مفرغة من الكلام:
تكللت وحدي/ توحدت كل
تظللت جسمي/ تجسمت ظل
تحللت أسأل / تساءلت حل
تقللت كثري / تكاثرت قل
هذا التلاعب المصطنع يعكس لنا أزمة الشاعر مع اللغة وشعوره بأنها غير قادرة على استيعاب ما يكتب، وليس لديها القدرة على منحه ما يريد منها، لهذا يهرب منها إليها، ويلوذ بها عنها، لهذا تتعدد أوجه الإشكاليات في شعر الحميدي الثقفي وكأني به هو من يتعمد هذه الأمور ليفتح لنفسه مجالات أخرى مكنته من الكتابة.
الوضع عند مسفر الدوسري يكاد يكون متركزاً على جانب معين، وهو ما تمت مناقشته في مبحث آخر وهو المبحث المرتبط بجانب العلاقة مع المرأة، حيث إن القصيدة عنده تأتي في سياق الحديث عن الأنثى، ولا يمكن عزلها في سياق خاص بها كما حدث هنا مع العديد من الشعراء، لذا تأتي القصيدة مندمجة في هذا السياق، ولم تكن أنثى أخرى، أي أنثى على الورق، بل نَقَل تصوره عن الأنثى إلى عالم الحديث عن علاقته بالقصيدة، فكانت الأنثى ملتصقة فيه بشكل يصعب الفصل في ما بينهما سواء كانت كمفردة لغوية جاءت هنا أو هناك، أو كحالة تتملكه أثناء الكتابة، وبين السياق الأنثوي العام الذي انتهجه الشاعر في كتاباته.
بعيدًا عن الحالة التي انتهجتها هنا، وهي حالة الممارسة النقدية في تناولي لقراءة بعض النماذج والتنقيب فيها عن النقاط التي أريد الحديث عنها، حيث سأكتفي هنا في حالة مسفر الدوسري وسأقف عند التنظير، وذلك من أجل نفض يدي من هذا المبحث والشروع في تناول جانب الإنسان في الشعر الشعبي الحديث، لهذا نرى أن مسفر الدوسري طوّع المفردة الشعرية لخدمة أغراضه في الكتابة، وعلى هذا الأساس كانت تأتيه اللغة طائعة منصاعة، وهو هنا لم يلجأ للجنوح للتعاريف المتصلة بالشعر أو بعض قضاياه، والتي تطرق إليها الشعراء الآخرون، وهي مبثوثة في قصائدهم التي تم التطرق إليها، ولم يحرص كذلك على لَيّ أعناق اللغة من أجل أن يشعر أمامها أو أمام قرائه بأنه الفارس الماهر كما هو الحال مع عافت وصفوق والحميدي الثقفي وعدد آخر من الشعراء، بل كانت اللغة الشعرية عند الدوسري أشبه ما تكون بالعالم المخملي الجميل الناعم.