الموقف من الشعر في الشعر الشعبي الحديث (2 - 6)

تصغير
تكبير
كل شاعر

قبل ما يقرا سلامه

هيجت أطراف القصيدة

وانتشر صوته وسال

(جاوبيني يا حمامة

شاعرك شاعر،

ولكن!

خايف الجمهور ما يفهم كلامه)

يتداخل صوت الشاعر الخالق للنص بصوت الشاعر المطروح للنقاش والتداول ، حيث يظهر وجه الشاعر في الغنائية التي خاطب بها الحمامة في رغبة منه لعزل الصوتين بعضهما عن بعض في محاولة لنقد الحالة التي يراها أمامه منتشرة في الأمسيات أو في بعض أندية الحياة الثقافية الأخرى.

لقد حاول سعود الصاعدي أن يمارس من خلال المقطعين السابقين دور صاحب الرسالة الإنسانية الاجتماعية في توجيه دور الشاعر والعمل على تهذيب روحه وتعامله مع الناس وشعره ، بينما كان عمري الرحيل منصهرًا في أعماق هذه الحالة بعيدًا عن عكس هذه الرؤية من خلال الناس ، بل لعله يرى الانعزال عن المجموع أسلم من مجرد التفكير بالمحيطين من حوله ، حيث تتحول القصيدة عنده إلى أنثى وفي أحيان أخرى يوجه أشعاره إلى أنثى أخرى تعيش خارج النص ، غير أنه يكتب النص من أجلها:

(بعيد قلبك)... ودي أهدي: وردة

وقبلة... وقصيدة...

ودي أكتب فيك شي...

ودي أنزف شي...

ودي أخرج من متاهات الكلام اللي نعيده

عمري الرحيل يكاد يصل إلى أن القصيدة لديه معشوقة يبادلها الحب والهيام فوق الورق وبين السطور ، لهذا يمزج بين الوردة والقبلة والقصيدة عن طريق حرف العطف الدال على المشاركة المطلقة كما في عُرْف النحاة.

صعب إن يموت شاعر...

وأكثر الأشياء الحزينة... ما حد عن موته داري

فتمنى الشاعر فعل أي شيء من أجل الانعتاق من رتابة اللغة المحكية الممارسة كل يوم وكل ساعة ، ها هو يوضحها من خلال مرحلة وصول الموت ، أي موت الشاعر الذي لم يقْوَ على كسر حاجز اللغة المعادة المكررة , فقد كان واضحًا لكن بشكل بطيء في المقطع السابق ، وها هو يتضح هنا بوضوح وبحالة موحية بالحزن والأسى ، غير أن الأنثى التي سيطرت على جو علاقته بالشعر ها هي تتمدد معه لتشمل الحياة كلها والدنيا بأسرها حينما وجه خطابه الشعري إلى ابنه، في إشارة إلى أن الشعر والقصائد لا تجلب إلا الشقاء والفقر كما نفهم من كلامه، وهذا هو عمري الرحيل في أغلب نصوصه الشعرية ينظر إلى الواقع من زاوية الشقاء والشعور بالعدم والتلاشي ويصور لنا الحياة من خلال ما يكتب بأنها مجموعة من المشاهد التراجيدية الحزينة:

والله آسف يا ابني آسف

أدري إنك ما تلاقي من وراي إلا القصايد

وأدري إنك عندما تكبر ...تثور

هذا هو اللي ورثته من أبوي ؟؟

ما لقيت إلا القصايد...

ويش أسوي بالقصايد؟!

هنا استطاع الشاعر تحويل المتخيل إلى جماد واستطاع تصوير الورد بمنظر الشوك ، هنا تحول التعامل معه إلى تعامل حاد مثير للخوف حينما قال لابنه: «ما تلاقي من وراي إلا القصايد»، في إشارة إلى استخفافه بهذا الإرث الذي سيتركه، وهو هنا كمن يقوم بجلد ذاته وجلد شعره في حضرة ولده ومن خلال حديثه عن ابنه يقوم بجلد ذاته وجلد شعره على رؤوس الأشهاد ، لهذا يتمنى لابنه أن يثور على الأوضاع وذلك أنه لم يقْوَ على فعل هذا الشيء لا هو ولا شعره، حيث إنهما كانا سلبيين في مواجهة الحياة.

الشاعر محمد المرزوقي يتحمل مسؤولية الوقوف أمام الجمود الصارم ، الجمود الرافض للحداثة ، لهذا كانت القصيدة الحديثة لديه صرخة في وجه التقليد والموروث الرافض للتطوير، ففي هذه النصوص التي بين أيدينا ، وهي نصوص من الشعر الحديث ، يتضح لنا موقفه من الواقع ومدى رفضه الحاد لهذا الجمود:

كيف صدر الأبجدية يحتمل هذا الكلام – الزوبعة

هذا العذاب اللي بقي عشرين عام

والطفل يبكي وما حدٍّ يسمعه

كيف أتستر بالكتابة

في دروب البحث عن رمزٍ يليق بهاجس مليت أطوفه المدن؟

فهو هنا لا يحتج على الأبجدية، أي شكل الحروف أو اللغة كما هي الحالة عند من سبقوه في هذا المبحث، بل يحتج على شكل الكتابة التي رمز لها بـ «عشرين عام» كإشارة إلى ضياع كل تلك السنين في نمط كتابي لا يحقق للشاعر الأمل المرجو من الكتابة، لأن الترحال ما بين الدول والمدن بحاجة إلى روح شاعرية وفضاء شاعري لا يؤمنان بمحدودية الأنماط الثابتة في الكتابة ، وهذا ما قام الشاعر بإيضاحه في المقطع التالي:

أنا الحاكم بأمر الشعر

بايعتني الريح .. وشيخني الفضا

مهنتي: إني أصب الغيم

في شرايين الغصون

مهنتي: إني أزخرف صورة البيد بنواويري

وصرختي، شامة على وجه السكون

وأنت ياللي دافنٍ نفسك تحت هذا التراب بحجة الموروث

وبنـزعة الخايف على ورثه من أدنى فتنةٍ للريح!

هذا النوع من الكتابة الشعرية الجديدة، يتحول عند المرزوقي من كونه محاولة للخروج على عمود البيت الشعري والكتابة بلا وحدة إيقاعية صارمة التفاعيل ومحددة القوافي، أقول: يتحول هذا النوع من الكتابة عند المرزوقي إلى مظاهرة صاخبة في وجه الجمود تعمل بكل قواها لكسر هذا الجدار القادم من الزمن في محاولة لفتح آفاق كتابية وتفكيرية جديدة ، فبعد أن طرح محمد المرزوقي على من يتمسك بالموروث، والذي افترض وجوده الشاعر كمعادل موضوعي شخّص من خلاله التخلف الشعري في المنطقة، حيث واجهه بعدد من التساؤلات التهكمية، ها هو يلتفت إليه بهذا السؤال الذي يحمل دوي الصاعقة، والذي واجه من خلاله الشاعر كل نمطيات الموروث الصارمة الحادة الجامدة المسكونة في المخيلة الاجتماعية الشعبية لرؤوس الكثير من الناس.
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي