وداعاً... الشايع والرشيدي

تصغير
تكبير
رحل عن عالمنا في الاسابيع الماضية، شاعران كبيران لهما بصمة واضحة في عالم الشعر الشعبي، ومن ألمع نجوم الساحة الشعبية، وهما المغفور لهما بإذن الله احمد الناصر الشايع ومساعد ربيّع الرشيدي... رحلا عن دار الفناء الى دار البقاء ونسأل الله العلي القدير ان يدخلهما بواسع رحمته ويسكنهما فسيح جناته... رحلا ولكن لم يرحل شعرهما فهو باقٍ معنا أين ما كنا. تركا سيرة عطرة من خلال الشعر ومشوار جميل ورائع يترجم مشاعر العاطفة والحكم والوطن والمدح وسائر اغراض الشعر وفنونه لا تجد في شعرهما الا كل ماهو هادف وجميل.

علي المسعودي ومساعد الرشيدي...

وذكريات منقوشة في القلب

لي ذكريات كثيرة مع مساعد امتدت اكثر من 20 عاما كنت فيها على مقربة من كل نتاجاته الشعرية. وكان ودودا لطيفا، ومن الشعراء الذين لم يفرضوا شروطا لأنفسهم في النشر والظهور.

في أغسطس من عام 1999 كان مساعد في زيارة إلى الكويت. أخذته وتجولنا بين الأماكن، نحكي ونناقش ونتفرج.. حتى استرحنا في مقهى «ليالي الحلمية» على شاطئ الخليج.. هناك في «عصريّة» ذلك اليوم جلسنا في ركن بعيد عن الرواد.

وأدرت معه شريط الذكريات والآراء والقناعات. لاحظت أنه لا يرتبك أمام سؤال لا يعرفه، فهو يقول بكل بساطة: هذا ليس من اختصاصي. ولاحظت أكثر تركيزه على أن تظل هويته هي هوية الشاعر، وأن يكون ظهوره كشاعر فقط.

الأمر الآخر اعتزازه بالشعر... واعتباره عملا يستحق الإخلاص والاحترام.

كان العنوان الذي اخترته من كلامه هو: «لن أمر في ذهن الزمن مرور الكرام».

إذا كان الحوار مع الشاعر هو محاولة لوضع النقاط على الحروف، فإن حواري مع مساعد الرشيدي هو محاولة لإزالة النقاط عن الحروف... لاكتشاف لذة المجهول، واختبار المعرفة، وصياغة الجُمل بحرية تامة وبخيال محض.

أعرفه، رجل شفاف... بالقدر الذي تستطيع أن ترى قلبه بعينك المجرّدة. وبسيط إلى الدرجة التي تتحول إلى صديق له منذ اللقاء الاول.

يقول شعره ويمضي تاركاً حرية الاستقبال للمستمع، والمستمع لم يحرمه من حريه الاستقبال الحار.

قلت له مرة: ما دوافعك للشعر؟

فقال: الشعر مجد، الشاعر الجيد له مكانته في المجتمع، وله رسالته المهمة. أنا لا أريد أن أمر مرور الكرام في ذهن الزمن. دوافعي للشعر... انتصاري لنفسي، لذاتي، لهدفي، انتصاري لأمتي، انتصاري لجيلي. دوافع الشعر كثيرة منها ما هو شخصي ومنها ما هو عام.

أنا لا أخفيك أنني أبحث عن مجد شخصي، وهذا لا يعيبني. الشعر جعلني أذهب إلى كل مكان فأجد احترام الآخرين، وهذا ليس مكسبا سهلاً. لكنني لا أعتبر هذه الأمور غايات والشعر وسيلة، بل إنه غاية قصوى تحقق غايات أخرى، أنا لا اكتب لكي آخذ... بل أسعى لكتابة شعر مميز، لأكون مستحقا للمكاسب لا ساعياً إليها.

الناهي: الساحة الشعبية فقدت

شاعرين من أبرز شعرائها المميزين

الكاتب والشاعر الزميل عبدالرحمن الناهي، يقول: افتقدت الساحة الشعبية شاعرين من أبرز شعرائها المميزين من حيث الجزالة وقوة الحضور والتأثير وهما الشاعر احمد الشايع ومساعد الرشيدي.

فالشاعر احمد الشايع بدأ بكتابة الشعر منذ أن كان عمره 14 سنة، عرف عنه أنه من نجوم شعر المحاورة ولقب بأمير شعراء المحاورة ولعب مع كثير من عمالقة المحاورة في نجد في جيله أمثال عبدالله لويحان و علي أبو ماجد وناصر بن مشيب الشيباني وعلي القري و البحر وكانت هذه المرحلة الأولى، ومن ثم اجتمع مع شعراء الحجاز أمثال محمد الجبرتي ورشيد الزلامي وصياف الحربي ومطلق الثبيتي وخلف بن هذال ومستور العصيمي وفيصل الرياحي و غيرهم الكثير وقد قضى قرابة 82 عاما من عمره في مزاولة الشعر، وعرف عنه أنه عاشق للبحور والأوزان الشعرية الطويلة التي يُعرف أن أحمد الناصر عشقها وابتكر بعضها مثل المعوشر وغيره، له عدة دواوين صوتية وديوانه النصي الشهير «نسمات الربيع».

ومن أشهر قصائده...

هل دمعي على خدي نهار الوداع

يوم قالوا فمان الله جاني بلاي

التفت والتحضني بالعيون الوساع

وارسل الدمعه اللي زاد منها عناي

وقد لاقت هذه القصيدة انتشارا واسعا في وقتها وتغنى بها الكثير من الفنانين.

وكذلك قوله:

أعالج لوعة المغرم وتكبر لهفة المشتاق

بحسن رضاي أسوق خطاي أقدم رجل وأفهقها

أهوجس من طلوع الشمس ليما غيبة الأشفاق

ورجلي في ظلام الليل مدري وش يوافقها

بالطبع لديه الكثير الكثير ولايسع نصف مقال لإنصاف هذه القامة الشعرية والتي قدمت أجزل الجزيل للساحة الشعبية حيث يشاركه المقال الشاعر المرحوم بإذن الله مساعد الرشيدي، والذي يعد من أبرز الشعراء والذي حافظ على مستواه الراقي من السهل الممتنع واستطاع أن يستحوذ على شريحة كبيرة من متذوقي الشعر وأنا أحدهم ليكون جمهورا لايستهان به ولايسعنا الا أن نقدم لهم ولذويه العزاء.

ومن أجمل قصائده كبوة حصان:

لا عــاد تـــنشد ما بـقى عـــــندي علوم

كـــــل العلوم المبـــــطيات تــخبرها

ما جــــــــيتك اشكي ميلة الوقت مزحوم

نفســي ليا ضاق المدى ما اخسرها

وهذه الأبيات من قصيدته ويش اسوي:

ويش أسوي لا طريق و لا خـوي

لا قـرار و لا خيـار و لا مصـيـر

الليـالـي تـلــوي ذراعـــي لـــوي

و الرفيـق السيـف يغريـه الجفـيـر

والضـيـاع بسكـتـي يــدوي دوي

أتصـفـق لا ســراب و لا غـديــر

أطـوي الظلمـا و عـيـت تنـطـوي

وإشتهيت الشوف بعيون الضرير

مثل طير(ن) طـاح بيديـن بـدوي

يلعن الطيحـة ولا يقـوى المطيـر

كــل يــوم أقــول بـاكـر تسـتـوي

وخاب ظنـي بالزمـان وبالنصيـر

هذه نبذة قصيرة مختصرة عن الشاعرين ولايسعنا الا أن ندعو لهما الرحيم الغفور بأن يتغمدهما بواسع رحمته وأن يتجاوز عن سيئاتهما وأن يسكنهما فسيح جناته.

الصواغ: فقدت الساحة

علمين كبيرين من أعلامها

الزميل الاعلامي الشاعر فيحان الصواغ رئيس مجلة «انهار» الاكترونية، قال بفقدان الشاعر أحمد الناصر والشاعر مساعد الرشيدي فقدت الساحة علمين كبيرين من أعلامها في مجالين كبيرين من مجالاتها في فن المحاورة والنظم.

الشاعر أحمد الناصر رحمه الله من الاسماء التي ساهمت في تطوير فن المحاورة واشتهر في ابتكار الطواريق والألحان المبنية على ذائقة موسيقية كبيرة كان يتميز بها رحمه الله وله العديد من القصائد المنظومة في مجال الحياة الحكمة والتي تحتوي على الكثير من الفوائد لمن يزيد قوة المعنى والمبنى في الشعر.

أما الشاعر مساعد بن ربيع الرشيدي رحمه الله والذي فارقنا بعد الناصر بأيام فقد كان له مساهمات كبيرة في تطوير القصيدة الشعبية وتعديل الذائقة وتأثيره في الكثير من الشعراء في جيله والجيل التالي واضح جدا من خلال تطوير المفردات والتراكيب في القصيدة.

اشتهر الرشيدي رحمه الله بالكثير من قصائده التي رفضت الا ان تسكن في قلوب محبي الشعر. كما اشتهر باستخدامه الابداعي لكثير من المفردات التراثية القديمة وإلباسها ثوباً حديثا جديداً يجعلها تأتيك بشكل أنيق وفاخر.

كما تميز شعر مساعد رحمه الله بالعديد من الصور الشعرية المبهرة والتي تدل على وجود شاعر عميق جدا ورسام محترف جدا يعرف ما هو الشعر.

رحم الله الشاعرين العلمين رحمة واسعة وإنا لله وإنا إليه راجعون.

الشاعر والإعلامي حمد الدليهي اعطى مقتطفاً عن سيرة الشاعرين وقال:

ما فيه شك بأن الساحة الأدبية افتقدت قطبين من رموزها في شعر فن المحاورة وشعر النظم فــ أحمد الناصر رحمه الله ترك سيرة ثرية وجميلة وتاريخا حافلا يحمل فنيات النقض والفتل وتنوّع البحور الطويلة والتي تميّز فيها، كما لقصائده الغزلية مختصرة الأبيات حديقة غنّاء للفنانين والمنشدين القُدامى والمعاصرين، اما الشاعر مساعد الرشيدي رحمه الله هو من اعطى تطويراً ظاهرياً في اسلوب القصيدة النبطية بلغة شعرية مفهومة لكافة الأجيال مبتعداً عن النهج التقليدي المكرر ويأخذ الصور الشعرية من البيئة الممزوجة بالثقافة الحضارية ومواكباً لكل حدث.

«الزلفي تودع شاعرها»

الشاعر الاعلامي احمد الطمار يقول: بحزن جم ودعت الزلفي شاعرها الكبير أحمد الناصر الشايع الذي ولد وترعرع بين بساتينها ونخيلها وصحرائها. شاعرٌ لقب بـ «أمير شعراءالمحاورة» شاعرٌ ترك له بصمة في الشعر من نظم ومحاورة فكان في المحاورة جبلاً شامخاً عرف كيف يفتل معناه وينقض فتل خصمه خاض الكثير من المحاورات مع كبار شعراء نجد والحجاز والخليج من امثال شعراء الكويت مرشد البذال والشاعر صقر النصافي والشاعر سالم بن تويم الدواي ومن شعراء المملكة محمد الجبرتي ورشيد الزلامي وصياف الحربي ومطلق الثبيتي وخلف بن هذال ومستور العصيمي والكثيرين. وله روائع في النظم تميزه بطول البحور والتي أبدع فيها وترك بصمته واضحة جلية في قصائده وكانت له ابتكاراته في الأوزان الشعرية رحمه الله مثل المعوشر وغيرها.

الشاعر أحمد الناصر الشايع عشق الزلفي وعشقته تغنى فيها بشعره وقال:

‎دارنا الزلفي لياجا الوكادي

‎مربع الأجناب والآهليه

‎دارنا اللي يوم وقت الطرادي

‎دونها نارد احياض المنيه

‎كم طردنا من عدو معادي

‎ما يجبيها دام الروح حيه

‎جعل وبل السيل مع كل وادي

‎من حقوق المزنه العقربيه

‎يسقي الزلفي نفود و حمادي

‎والجبل يمشي شعيب وشغيه

واليوم تودعه نخيلها ونسماتها وبحزن كبير تودع قصائده التى تغنى بها بصوته الشجي ونظمها الجلي بالأدب الجم والصور الجميلة.وتنعى القصائد والشعر هذا الرمز الذي له اثر في كل شاعر عرف القصيدة ونظمها وتنعاه الساحة الشعرية بكل ألم وحزن.

رحمك الله يا ابا محمد رحمة واسعة وأسكنك فسيح جناته.

بن سابر: افتقدنا هامتين

من هامات الشعر النبطي

قال الشاعر مشعل بن سابر: افتقدنا هامتين من هامات الشعر النبطي العذب، ومدرستين من اهم المدارس في الوقت الراهن، الشاعر احمد الناصر هو عميد شعراء المحاورة وله لونه الخاص ونهجه المميز وطرقه الفريدة و ألحانه المعروفة، فهو المقاتل الشرس في ميدانها، وله ايضاً في شعر النظم تميّزاً ينفرد بهِ فهو الرقيق المتيم الصادق في شعر الغزل وهو الحكيم المجرب في الحِكمة والحزين في شعر الرثاء، فلا نجد باباً من ابواب الشعر الا ونجد بصمات احمد الشايع على ذلك الباب، ولهذا تجد الكثير من اشعاره يتم ترديدها والاستشهاد والاستدلال بها في الكثير من المواقف والامور الحياتية المختلفة.

كقوله رحمه الله

انا اعرف ناس ماتنقاد بالدنيا ولا تنساق

ولو تعطيك عهد الله وامانة لاتصدقها

تشوف ازوالهم مثل العرب مير الله الرزاق

متى ماهب نسناس الهوى يظهر حقايقها

وقوله ايضاً

هل دمعي على خدي نهار الوداع

يوم قالو فمان الله جاني بلاي

وله ايضاً

لاجزيت بخير ياذاك الشعيب

كل مامريت من عندك بكيت

اذكر اللي قد مضى وانحب نحيب

ليتني باقصاك مابعت وشريت

اما فقيدنا الاخر الشاعر العذب

المغفور له مساعد الرشيدي فهو من المدارس الحديثة المميزة وقد اتخذ لنفسه نهجا خاصا به فحين تقرأ له قصيدة وطنية او عاطفية او في اي مجال اخر فإنك تجد روح وعذوبة مساعد الشريدي بين حروفها

مثل قوله:

تخوفني مشاوير الطريق المظلم المهجور

وليامني ذكرتك قلت طولي يامشاريري

عزاي انك رجاي العذب لو ان الطريق عثور

وصلت او ماوصلت اعرفك ما انته منتظر غيري

وقوله

‏‎عذب السجايا وعوده بأول الكنه

‏‎متى تزين السوالف وأخذ علومه

‏‎وأسامحه عن خطاه الجرح والونه

‏‎وأعاتبه لو يصد شوي والومه

‏‎وأذكره بأول المسفار حتى إنه

‏‎لامن تذكر زمان أول نسى نومه

رحمهما الله وغفر لهما وعظم الله اجر ذويهما والهمهم الصبر والسلوان.

ليه رحت؟

وأخيراً هذا النص الرائع للشاعر عبدالحميد الدوحاني في رثاء الراحل مساعد الرشيدي...

لبه رحت وخابرك قلب سموح

ليه تتركنا دموع وثرثره

ليه تبني للعمى فينا صروح

مو كفى أنا قلوب مبعثره

يعني بغيابك ضمايرنا تبوح

تعتذر للشعر عن هالغشمره

ليه يا (مساعد) رحلت بدون روح

عالأقل يمكن يعاودك الشره

ريشتينك سيف عشقك والجروح

والبحر والليل واللي يسهره

والنخيل اللي على حرفك يلوح

كيف تترك هالنخل دون اثمره

تشبهين البحر و الخيل الجموح

كيف ننطقها بأية حنجره

قول قصرنا وإذا ناوي تروح

هات فكرك والقلم والمحبره

شفت ؟ آلاف القلوب أمست تنوح

مات شاعر سل فينا خنجره
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي