ضوء

التربية والموسيقى (3)

تصغير
تكبير
ردا على من يفتي بتحريم تعليم الموسيقى في المدارس، أختم بهذا المقال الأخير عن علاقة التربية بالموسيقى.

كثير من المفكرين والفلاسفة المسلمين انتبهوا منذ القدم إلى أهمية الموسيقى ودورها الذي لا بديل عنه في إنماء طاقات الطفل المختلفة، فقد أوصى العالم الفيلسوف ابن سينا، بالاستماع إلى الموسيقى لأنها تسكن الأوجاع. وحدد مسكنات الأوجاع بثلاثة: المشي الطويل، والغناء الطيب، والانشغال بما يُفرح الإنسان.


كما توصل العالم الطبيب أبو بكر الرازي إلى فوائد الموسيقى قبل نحو ألف سنة، إذ لاحظ أن بعض المرضى المصابين بأمراض مزمنة تسبب لهم آلاماً مبرحة، يتناسون آلامهم عند سماع الألحان الهادئة الجميلة، فأدرك أن الموسيقى لها أثر في تخفيف الآلام، وفي شفاء بعض الأمراض. وبعد تجارب عدة توصل إلى أن الموسيقى الجميلة لها أثر حاسم في شفاء بعض الأمراض، وصار يعتمد عليها بوصفها أسلوباً من أساليب العلاج الطبي.

ولا يخفى على أحد دور الموسيقى في الفلسفة الإسلامية وبالأخص في التصوف، فالموسيقى لدى المتصوفة شيء أساسي، لتحقيق الغاية الروحية، وارتباط الإيقاع بحركات الرقص في الأذكار، ورمزها لحركة الكواكب والأفلاك والأرواح الممتلئة بالعشق الإلهي.

ولقد توصلت دراسة أُجريت بتكليف من الحكومة البريطانية قامت بها سوزان هلام، إلى أن تعلُّم العزف على آلة موسيقية مفيد لتهذيب سلوك الإنسان وتقوية الذاكرة ورفع مستوى الذكاء.

واكتشفت الدراسة أن تعلم العزف على آلة موسيقية يزيد حجم النصف الأيسر من المخ ويقوي الذاكرة بنسبة تقرب من 20 في المئة، حيث وجدت الدراسة أن دروس الموسيقى تزيد معامل الذكاء. كما توصلت أبحاث عدة أُجريت في أميركا، إلى أن العزف على آلة موسيقية من شأنه أن يهذب سلوك الفرد.

وتشير العديد من الأبحاث إلى أن جميع الأطفال يولدون مع استعداد فطري وقدرة على استقبال الموسيقى. ويؤكد علماء النفس أن الموسيقى تؤثر إيجابياً على الكائنات الحية كلها، حيث كشفت الدراسات التي أجريت على الحيوانات التي تعرضت للضوضاء وللموسيقى الصاخبة، أن بنية الدماغ لديها تغيرت بشكل سلبي، وأن الأبقار التي تعرضت للموسيقى الهادئة صارت تدر الحليب بغزارة، كما أثبتت أن نبات اللبلاب ينمو وينتعش بشكل أفضل في المنازل التي تُعزف فيها الموسيقى الهادئة.

والموسيقى مفيدة بالطبع للإنسان، لتقليل التوتر والضغوط النفسية، سواء للرجل أو المرأة أو الطفل، وهي تقوي أواصر العلاقة بين الأم وطفلها.

ولقد أثبتت بعض الدراسات دور الموسيقى في تنمية ذكاء الأطفال، فمثلا تعلم العزف على البيانو يمكن أن يعزز قدرة الأطفال من سن الثالثة إلى الخامسة على فهم الفراغ الثلاثي الأبعاد.

وتقول الدكتورة لبانة: «يبدو أن الأطفال الرضع قادرين على التمييز بين اللحن والكلام، حتى وإن لم يصلوا إلى مرحلة تمكنهم من فهم أي شيء عن الموسيقى». وتضيف: «على الأم أن تقوم بالغناء لطفلها، ولا تقلق في شأن صوتها، فالصغير لن ينتقد أسلوبها في الغناء، بل سيحب ما تبذله الأم من جهد من أجل إسعاده، وعليها ألا تتقيد بالغناء في مواعيد النوم فقط، بل عليها أن تردد له الأغاني أثناء ملاعبته، والطفل عادة يحب أن يطرق على طبل أو بيانو، فهو يؤلف موسيقاه الخاصة به».

يقول الشاعر علي الشرقاوي من البحرين، والذي له الكثير من المساهمات في مجال مسرح الطفل وأغاني الأطفال: «الجنين يسمع الموسيقى ويميز بين ذبذبات نبضات قلبه وقلب أمه، إن الموسيقى الصوتية المتمثلة في الأغنية عند الطفل الرضيع هي ليست كلمات بل أنغام، والمهم بالنسبة إليه الاستمرار في الإيقاع الصوتي حتى لو كانت الكلمات غامضة، لكن ما إن يفهم الطفل المعاني، تتحول الكلمات إلى قيم وأفكار وسلوك، وتصبح للكلمة قيمة قصوى في توجيه الطفل وغرس المفاهيم الإيجابية من خلال الأغنية. إن أصل الكون موسيقى، حتى الطقوس والتسابيح الدينية في جميع الأديان موسيقى، حركة الكواكب موسيقى، حركة المد والجزر والشمس والأرض والقمر موسيقى، وانتقال الأفكار موسيقى، الكون كله آلة موسيقية». إن الموسيقى وبحكم طبيعتها متعددة الجوانب؛ الذهنية والشعورية والاجتماعية والروحية، وتستطيع أن تلعب دور في نمو الأطفال بشكل يحقق لهم حياة أفضل ووعيًا أعمق لأنفسهم وللعالم من حولهم.

إن الموسيقى هي فعلا لغة عالمية تتخطى الحواجز والحدود لتلامس أعطاف القلب وثنايا الروح، إنها لغة أسمى من الحكمة وأعمق من الفلسفة، وللموسيقى أهمية عظمى في حياتنا اليومية رغم أن الكثير من الناس لا يدركون أهميتها القصوى في عالم الطفل.

ويكفينا دليلاً على أثر الموسيقى، إن في القرآن العظيم لا توجد آية قرانية تحرم الموسيقى فحسب، بل إن كل كلمة وآية من آيات القران الكريم تحمل في ثناياها موسيقى داخلية تحرك أوتار القلب، وتتغلغل في كل خلية من خلايا الجسد، لتسكن وتتمكن في أعماق الروح.

[email protected]
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي