أكد سمو أمير البلاد الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح - حفظه الله - أن «التنمية المستدامة هي هدفنا الأول وغايتنا الأسمى في الحاضر والمستقبل، وهي التحدي الدائم الذي يقرر مصير بلدنا ومجتمعنا». وحدد سموه خلال كلمته في افتتاح دور الانعقاد العادي الأول للفصل التشريعي 15 لمجلس الأمة، أربعة محاور لتحقيق التنمية المستدامة: تعزيز الأمن والإصلاح المالي الاقتصادي ومواجهة آفة الفساد وترسيخ التعددية.
«إن أولوية قضايا الأمن والإصلاح المالي الاقتصادي ومواجهة آفة الفساد بلا هوادة لا يعني أبدا نسيان أو إغفال ما يعانيه وطننا من علل وما يوهن مجتمعنا من أمراض مزمنة مما يستدعي وضع برامج وخطط علمية مدروسة بعيدة المدى لعلاجها والقضاء عليها وإنقاذ الوطن والمجتمع من شرورها وفي مقدمة ذلك ضرورة تطوير وزيادة الاهتمام برعاية الشباب والاستماع إليهم ومشاركتهم وتربيتهم على الاعتدال وتحصينهم ضد التطرف والفكر المنحرف وتثقيفهم على قبول الاختلاف والرأي الآخر وتعدد وجهات النظر وتعزيز روح التعاون والعمل الجماعي ويجب فتح أبواب المستقبل أمام الشباب وإيجاد فرص عمل حقيقية لعشرات الآلاف الذين يدخلون سوق العمل كل عام».
وحيث إن المخاطب في كلمة سموه، هو الوزير والنائب والمواطن، لذلك سأستثمر تلك التوجيهات السامية في مخاطبة المعنيين بالمحاور الأربعة. وأبدأ بمحور ترسيخ التعددية، فأدعو الوزراء المسؤولين عن هذا المحور، وهم الشيخ سلمان الحمود الصباح وزير الاعلام ووزير دولة لشؤون الشباب والدكتور محمد الفارس وزير التربية ووزير التعليم العالي والسيد محمد الجبري وزير الاوقاف والشؤون الإسلامية، إلى تبني خطة مشتركة بين الجهات التابعة لهم، على أن تكون هذه الخطة طويلة الأمد ولكن بأهداف مرحلية محددة ضمن برنامج زمني واضح قابل للقياس من خلال مؤشرات معتمدة دوليا. فالتجارب السابقة أثبتت فشل الحكومة في المواجهة الشاملة لآفة التطرف وعلة الفكر المنحرف وغيرها من الامراض المزمنة التي يعاني منها وطننا كما أشار سموه في كلمته.
وأما محور الأمن الداخلي والخارجي، فالمعنيون بالدرجة الأولى، هم سمو الشيخ سالم العلي الصباح رئيس الحرس الوطني والشيخ محمد الخالد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع والفريق متقاعد الشيخ خالد الجراح نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية. لن أقيم الأداء العسكري لتلك الجهات لأنني لست مؤهلا لذلك، ولكنني سأشير إلى نقطتين جوهريتين. الأولى إيجابية - تستحق الشكر والثناء - مرتبطة بالجهود المضنية التي بذلتها - وما زالت - الجهات الأمنية لحفظ الأمن في دور العبادة من مساجد وحسينيات. وأما الثانية معيبة مرتبطة بالتمييز الفئوي في أعداد المقبولين في كليات الضباط في الجهات الثلاث، وبذلك تتطلب المصارحة والتقويم.
لست ممن يطالب بالمحاصصة بين شرائح المجتمع لأنني من أشد معارضيها لمعرفتي بمخاطرها على النسيج الوطني، ولكنني الوقت ذاته من أشد المطالبين بمراقبة أداء كل الجهات العامة وقياس كفاءتها وفق معايير وطنية أكاديمية. فمن غير المعقول أن تكون نسبة المقبولين في جميع كليات الضباط من أبناء بعض الشرائح المجتمعية دون نسبتها الفعلية في المجتمع - بدرجة فاضحة - على مدى ما يقارب الـ 40 سنة! التعددية التي طالبنا سمو الأمير بترسيخها ليست شعارا نتغنى به، بل ممارسة يجب أن تلتزم بها الجهات الحكومية قبل غيرها. فوحدتنا الوطنية كما وصفها سموه في كلمته «من اهم نعم الله وأفضاله على هذا البلد الطيب وأهله وهي السور المنيع الذي يحمي مجتمعنا»، لذلك يجب أن «نعمل جميعا على التمسك بها ونحرص على دعمها وصيانتها» ونتصدى لجميع صور التمييز الفئوي التي تشق الصف الوطني.
وأما محور الإصلاح المالي الاقتصادي، فلا بد من ربطه بمحور مكافحة الفساد. فالمواطن الكويتي لم ولا ولن يتردد في تقديم التضحيات من أجل الكويت، وأجيالنا الحالية - كما صرح سموه - لا تقل عن آبائنا وأجدادنا حبا للكويت ووفاء لها واستعدادا للتضحية من أجلها. ولكن هذه التضحيات يجب ألا تكون لمصلحة قوى الفساد. ولذلك لابد من طفرة شاملة وعهد جديد في مكافحة الفساد ووقف الهدر في الجهات الحكومية. وهذا بدوره يتطلب ثورة برلمانية في الجانب الرقابي بالتعاون مع الجهات المعنية كديوان المحاسبة.
لذلك أناشد أعضاء لجنة الشؤون المالية والاقتصادية، ربط وثيقة الاصلاح الاقتصادي بشرط تطبيق الإصلاح الرقابي على مصروفات الحكومة. كما أناشد أعضاء لجنة الميزانيات والحساب الختامي، وأخص بالذكر النائب رياض العدساني لموقفه المشهود في المجلس السابق من فضيحة الايداعات المليونية، تطوير منهجية عمل اللجنة لتتمكن من وقف الهدر المزمن في الجهات الحكومية. كما أناشد جميع أعضاء لجنة حماية الاموال العامة تغيير فلسفة عمل اللجنة لتتضمن ملاحقة المفسدين إلى جانب مساعيها لمنع السرقات المليونية والصفقات المشبوهة.
إيجابيات مكافحة الفساد سوف لن تقتصر على ما ستصونه من أموال ولن تختزل في قدرتها في اقناع المواطنين على المساهمة في مشاريع الاصلاح الاقتصادي المنصفة، بل إنها ستضاعف من فرص الاستثمار وستعزز من احتمالات تحقيق رؤية سمو الامير في شأن تحويل الكويت إلى مركز مالي عالمي... «اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه».
[email protected]