خواطر تقرع الأجراس
المعجم التاريخي مشروع أمة
معظم اللغات العالمية الحية وضعت، مع الاستمرارية، معجماً تاريخياً للغتها؛ يرصد جذور اللفظة عبر مراحل تطورها واستعمالهاعبر العصور، بدءاً من مخترع اللغة: الإنسان، مروراً بتبدُّل دلالاتها عبر التداول اللغوي، من مفاهيم، ومصطلحات في العلوم المختصة، وفي الآداب بفنونها المختلفة، وفي الأساطير، والأديان بعقائدها ومذاهبها المتباينة، وفي النقوش والآثار من أي حضارة امتزجت بها عبر التلاقح الحضاري. ولم يخجل واضعو تلك المعاجم من الألفاظ التي نسميها نحن «دخيلة- أي لقيطة» فوضعوها في متون لغتهم كأصل صار منها، مع الإشارة إلى أصولها من اللغات العالمية... وقارئ المعاجم الأجنبية الكبرى يعرف هذا.
ومن كبار المستشرقين المنصفين المولعين بتراثنا ولغتنا عبد الكريم جرمانوس الذي قال عنه العقاد: إنه يعادل عشرة باحثين علماء مختصين. ومنهم فِشِر الألماني الذي له الفضل في وضع اللبِنة الأولى للمعجم التاريخي للغة العربية منذ أكثر من مئة سنة بتكليف من مجمع القاهرة (!)، فقد كان عضواً في «مجمع فؤاد الأول» للغة العربية «مجمع اللغة العربية اليوم» فأصدر جزءاً واحداً عبر عقود لكنه رحل إلى ألمانيا بسبب الحرب العالمية الثانية ومات هناك... ومات معه المعجم التاريخي للغتنا. وتابع المجمع العمل بمجهودات بطيئة وغير كاملة حتى اليوم.
والمعجم التاريخي للغة «الإيتيمولوجيا»، هو رحلة موسوعية شاقة تحتاج إلى هيئات علمية، ليس مجرد معجم لغوي. إنه بصمة شخصية الأمة، يعكس هويتها الحضارية، وطبيعة عقلها، وتفكيرها، وميولها النفسية والاجتماعية، وعاداتها وتقاليدها... ببساطة هو روح الأمة عبر التاريخ حتى زمن وضع آخر جزء منه الذي لا يعف التوقف. لأنه «مشروع أمة» كما قال الدكتور عزمي بشارة عن مشروع وضع المعجم التاريخي للغة العربية بإشراف المركز العربي للدراسات والسياسات. وقد صدر كتاب مهم عن منشورات المركز «والمقر قطر» وطبع في بيروت 2014 وشارك فيه نخبة مختصة من كل الدول العربية: علماء محض، وعلماء لغة، واجتماع، وتاريخ وفلسفة... ومختصون في البرمجيات الإلكترونية والحواسيب.
والمعجم التاريخي الشامل، سيلاحق جذور الكلمة العربية وتطور دلالاتها منذ أقدم النصوص المعروفة في جميع المصادر الدينية واللغوية والأدبية وفي الآثار والمدونات التاريخية، وفي عقائد وأساطير وأديان ونصوص الأمم التي كانت من جذور واحدة «سامية»: آشورية، بابلية، كلدانية، سريانية... ثم وضع معاجم فرعية مختصة ومنفصلة. وأعجبني الاعتراف بتبنّي «الدخيل- اللقيط»!
ولدت الفكرة قَطَرياً 2011، وفي هذا العام 2016 عُقِد في قطرملتقى جائزة الأمير الشيخ حمد للترجمة والتفاهم الدولي. وقطر ترعى وضع المعجم التاريخي للغة العربية. وسيستغرق العمل بحسب خطة خمسية 15 سنة.
والغريب أن هناك مشروعاً لوضع معجم مماثل في الشارقة! بالمنهج نفسه، والمدة نفسها، مع مشاركة مختصين من كل الدول العربية والهيئات والمراكز العلمية المختصة بهذا الشأن. ولا أدري لماذا هذا التبعثر أو البعثرة، للجهود والمال والوقت؟
هذا المشروع مشروع قومي. ويخشى أن تبدأ الخلافات بين الباحثين من كل قطر؛ فقد قال نزار قباني يوماً: كيف يتفق العرب على قضاياهم الكبرى وهم يختلفون في رسم الهمزة؟
وكمثال؛ فبعضهم يسمي هذا العلم: علم التأصيل، وعلم التأثيل، وعلم الإثالة، وعلم التجذير، وعلم تاريخ الألفاظ.
الله يستر! نتمنى ألا يقول أدونيس: أكتب بلغة ميتة. وأنسي الحاج: أفكر بلغة ميتة!
* شاعر وناقد سوري
ومن كبار المستشرقين المنصفين المولعين بتراثنا ولغتنا عبد الكريم جرمانوس الذي قال عنه العقاد: إنه يعادل عشرة باحثين علماء مختصين. ومنهم فِشِر الألماني الذي له الفضل في وضع اللبِنة الأولى للمعجم التاريخي للغة العربية منذ أكثر من مئة سنة بتكليف من مجمع القاهرة (!)، فقد كان عضواً في «مجمع فؤاد الأول» للغة العربية «مجمع اللغة العربية اليوم» فأصدر جزءاً واحداً عبر عقود لكنه رحل إلى ألمانيا بسبب الحرب العالمية الثانية ومات هناك... ومات معه المعجم التاريخي للغتنا. وتابع المجمع العمل بمجهودات بطيئة وغير كاملة حتى اليوم.
والمعجم التاريخي للغة «الإيتيمولوجيا»، هو رحلة موسوعية شاقة تحتاج إلى هيئات علمية، ليس مجرد معجم لغوي. إنه بصمة شخصية الأمة، يعكس هويتها الحضارية، وطبيعة عقلها، وتفكيرها، وميولها النفسية والاجتماعية، وعاداتها وتقاليدها... ببساطة هو روح الأمة عبر التاريخ حتى زمن وضع آخر جزء منه الذي لا يعف التوقف. لأنه «مشروع أمة» كما قال الدكتور عزمي بشارة عن مشروع وضع المعجم التاريخي للغة العربية بإشراف المركز العربي للدراسات والسياسات. وقد صدر كتاب مهم عن منشورات المركز «والمقر قطر» وطبع في بيروت 2014 وشارك فيه نخبة مختصة من كل الدول العربية: علماء محض، وعلماء لغة، واجتماع، وتاريخ وفلسفة... ومختصون في البرمجيات الإلكترونية والحواسيب.
والمعجم التاريخي الشامل، سيلاحق جذور الكلمة العربية وتطور دلالاتها منذ أقدم النصوص المعروفة في جميع المصادر الدينية واللغوية والأدبية وفي الآثار والمدونات التاريخية، وفي عقائد وأساطير وأديان ونصوص الأمم التي كانت من جذور واحدة «سامية»: آشورية، بابلية، كلدانية، سريانية... ثم وضع معاجم فرعية مختصة ومنفصلة. وأعجبني الاعتراف بتبنّي «الدخيل- اللقيط»!
ولدت الفكرة قَطَرياً 2011، وفي هذا العام 2016 عُقِد في قطرملتقى جائزة الأمير الشيخ حمد للترجمة والتفاهم الدولي. وقطر ترعى وضع المعجم التاريخي للغة العربية. وسيستغرق العمل بحسب خطة خمسية 15 سنة.
والغريب أن هناك مشروعاً لوضع معجم مماثل في الشارقة! بالمنهج نفسه، والمدة نفسها، مع مشاركة مختصين من كل الدول العربية والهيئات والمراكز العلمية المختصة بهذا الشأن. ولا أدري لماذا هذا التبعثر أو البعثرة، للجهود والمال والوقت؟
هذا المشروع مشروع قومي. ويخشى أن تبدأ الخلافات بين الباحثين من كل قطر؛ فقد قال نزار قباني يوماً: كيف يتفق العرب على قضاياهم الكبرى وهم يختلفون في رسم الهمزة؟
وكمثال؛ فبعضهم يسمي هذا العلم: علم التأصيل، وعلم التأثيل، وعلم الإثالة، وعلم التجذير، وعلم تاريخ الألفاظ.
الله يستر! نتمنى ألا يقول أدونيس: أكتب بلغة ميتة. وأنسي الحاج: أفكر بلغة ميتة!
* شاعر وناقد سوري