فاصلة / الزنجباري... التكريم المتأخر!
فهد توفيق الهندال
المكتبة الموسيقية في الكويت، مدينة جدا لشخصيات كثيرة، أسست للفنون الشعبية والموسيقية في الكويت، جعلتها شعلة الفن في الخليج، وبوصلة الباحثين عن الشهرة والحضور المختلف.
كان صغيرا، يحب الاستماع لأغاني السفن الكويتية، عندما تصل سواحل زنجبار في الجانب الشرقي الجنوبي للقرن الافريقي، فتعرف على محمد بن سمحان الذي كان على ظهر إحدى السفن، فغادر معه نحو للكويت وهو لم يكن يجيد اللغة العربية. لكن بعد مخالطته للبحارة في السفن تعلّم نطقها تماماً. وفي هذه الرحلة التي جاوزت مدتها تسعة أشهر، تعرف هذا الصبي الصغير خلالها إلى أنواع الغناء البحري الكويتي، غناء الأصوات، العزف على آلة العود على يد محمد بن سمحان.
هذه هي بداية الموسيقار أحمد الزنجباري، الذي لم يكن فنانا عاديا، بل كان عبقريا موسيقيا أحب الكويت وتراثها وفنها الأصيل وعاش على أرضها ومات فيها، وأصبح أستاذ الفن فيها بشهادة الجميع ومعلماً لغالبية الملحنين الذين ظهروا في نهاية الخمسينات وأوائل الستينات، وأحد أبرز مطوّري الأغنية الكويتية وإيصالها إلى المستمع الكويتي والخليجي والعربي.
يذكر المتخصصون في تاريخ الأغنية الكويتية، أنه يسجل له ادخال الهارموني الكونتربوينت والبيانو في الأغنيات الكويتية المطوّرة. فقد أبدع الزنجباري تسعة ألحان خلال مشواره الفني الطويل، ستبقى عبر الأزمان تعبّر عن أصالة الأغنية الكويتية وتراثها الوطني، نظراً إلى طابعها الخاص السهل وبساطتها وشعبيتها، وهي من أهمّ دعائم تطور الفن الموسيقي. كما يعرف عن أحمد الزنجباري أنه كان دقيقاً في عمله إلى درجة أنه يعيد صياغة اللحن مرات. مع الوقت، أصبحت ديوانية أحمد الزنجباري قبلة جلسات طرب يتخللها عزف وغناء ويجتمع فيها عشاق الموسيقى والغناء مع الفنانَين سعود الراشد وبدر سعود العبد الرزاق والمذيع مبارك الميال، وغالباً ما كان يحضرها الفنان الراحل عوض دوخي والدكتور يوسف دوخي وشخصيات مهمة. لدرجة أنه إذا سمر أحمد الزنجباري ليلة من لياليه لم يستطع أحد الحصول على سيارة أجرة من ساحة الصفاة، حتى اعتاد الجميع على اليوم الذي لا يجد فيه سيارات الأجرة في الساحة ليدركوا أن الزنجباري يسمر هذه الليلة. وكانت سمراته ممتعة لا تخلو من الطرب والغناء والصوت الكويتي، واغان كبار الفنانين العرب، محمد عبدالوهاب، ام كلثوم، رياض السنباطي والشيخ زكريا أحمد. لقد نال التراث حظه الكبير من اهتمام الزنجباري عندما قدّم صوت «ألا يا صبا نجد»، للشاعر الأموي عبد الله بن الدمينة وغناها الفنان القدير عوض. ولها قصة طريفة ترويها السيدة رضا غنيمة- عازف قانون التي يحرص الزنجباري على وجودها ضمن فرقته الموسيقية حيث روت القصة:
«في إحدى السنوات حصلت على إجازة ثلاثة أشهر للسفر إلى القاهرة، فسأل عني الزنجباري لأنه كان ينوي تسجيل الأغنية التي اشتهر بها «ألا يا صبا نجد» فلم يجدني وعلم بإجازتي، عندها توقف عن التسجيل حتى حضرت من الإجازة وتم تسجيل الأغنية».
معروف أن الزنجباري أول من استعمل آلات غربية في ألحانه العاطفية، كالبيانو في أغنية «ليالي الوفا»، التي غناها المطرب غريد الشاطئ، ولا ننسى لحنه المتميز لقصيدة للشاعر أحمد العدواني «سلو الكاعب الحسناء» التي غنتها المطربة بديعة صادق زوجة الموسيقار القدير أحمد علي.
أما السامري، فقد أبدع فيه الزنجباري، سواء في سامرية «يا حزين القلب» غناء مجموعة الإذاعة الكويتية، وسامرية «يا للي غيابك طال»، كلمات الشاعر الغنائي بدر الجاسر وغناء الفنان القدير عوض دوخي.
ليختم المشوار مع قصيدة «عهد الهوى»، التي غناها الفنان الكبير مصطفى أحمد الذي قاله عنها:
«أنا فخور، وأعتبر نفسي مطرباً محظوظاً حينما يلتفت لي ملحن مبدع مثل الزنجباري ويقول: «أريد أن أمنح هذا الصوت الشاب من ألحاني»، وتلك لشهادة أعتز بها. قدم لي لحنين هما وسام على صدري ومحطة مهمة في مشواري الفني. إنه فنان متواضع وإنسان هادئ ومرهف الحس وحسن المعشر، ويتعامل مع الناس بعفوية ولا يحب التكلف».
وبعد هذه السيرة الجميلة عن هذا الفنان الكبير، ألا يستحق اطلاق اسمه على صرح ثقافي ومعلم موسيقي مرموق يعبر عن امتنان المجتمع الكويتي والتاريخ لهذه الشخصية الموسيقية والعبقرية المذهلة، نقول ذلك ونحن على اعتاب افتتاح مرافق المركزين الثقافيين، مركز جابر الأحمد الثقافي، ومركز عبد الله السالم الثقافي، ومنا للاخوة المسؤولين.
والعاقبة لمن يعقل ويتدبر.
* كاتب وناقد كويتي
@bo_salem72
كان صغيرا، يحب الاستماع لأغاني السفن الكويتية، عندما تصل سواحل زنجبار في الجانب الشرقي الجنوبي للقرن الافريقي، فتعرف على محمد بن سمحان الذي كان على ظهر إحدى السفن، فغادر معه نحو للكويت وهو لم يكن يجيد اللغة العربية. لكن بعد مخالطته للبحارة في السفن تعلّم نطقها تماماً. وفي هذه الرحلة التي جاوزت مدتها تسعة أشهر، تعرف هذا الصبي الصغير خلالها إلى أنواع الغناء البحري الكويتي، غناء الأصوات، العزف على آلة العود على يد محمد بن سمحان.
هذه هي بداية الموسيقار أحمد الزنجباري، الذي لم يكن فنانا عاديا، بل كان عبقريا موسيقيا أحب الكويت وتراثها وفنها الأصيل وعاش على أرضها ومات فيها، وأصبح أستاذ الفن فيها بشهادة الجميع ومعلماً لغالبية الملحنين الذين ظهروا في نهاية الخمسينات وأوائل الستينات، وأحد أبرز مطوّري الأغنية الكويتية وإيصالها إلى المستمع الكويتي والخليجي والعربي.
يذكر المتخصصون في تاريخ الأغنية الكويتية، أنه يسجل له ادخال الهارموني الكونتربوينت والبيانو في الأغنيات الكويتية المطوّرة. فقد أبدع الزنجباري تسعة ألحان خلال مشواره الفني الطويل، ستبقى عبر الأزمان تعبّر عن أصالة الأغنية الكويتية وتراثها الوطني، نظراً إلى طابعها الخاص السهل وبساطتها وشعبيتها، وهي من أهمّ دعائم تطور الفن الموسيقي. كما يعرف عن أحمد الزنجباري أنه كان دقيقاً في عمله إلى درجة أنه يعيد صياغة اللحن مرات. مع الوقت، أصبحت ديوانية أحمد الزنجباري قبلة جلسات طرب يتخللها عزف وغناء ويجتمع فيها عشاق الموسيقى والغناء مع الفنانَين سعود الراشد وبدر سعود العبد الرزاق والمذيع مبارك الميال، وغالباً ما كان يحضرها الفنان الراحل عوض دوخي والدكتور يوسف دوخي وشخصيات مهمة. لدرجة أنه إذا سمر أحمد الزنجباري ليلة من لياليه لم يستطع أحد الحصول على سيارة أجرة من ساحة الصفاة، حتى اعتاد الجميع على اليوم الذي لا يجد فيه سيارات الأجرة في الساحة ليدركوا أن الزنجباري يسمر هذه الليلة. وكانت سمراته ممتعة لا تخلو من الطرب والغناء والصوت الكويتي، واغان كبار الفنانين العرب، محمد عبدالوهاب، ام كلثوم، رياض السنباطي والشيخ زكريا أحمد. لقد نال التراث حظه الكبير من اهتمام الزنجباري عندما قدّم صوت «ألا يا صبا نجد»، للشاعر الأموي عبد الله بن الدمينة وغناها الفنان القدير عوض. ولها قصة طريفة ترويها السيدة رضا غنيمة- عازف قانون التي يحرص الزنجباري على وجودها ضمن فرقته الموسيقية حيث روت القصة:
«في إحدى السنوات حصلت على إجازة ثلاثة أشهر للسفر إلى القاهرة، فسأل عني الزنجباري لأنه كان ينوي تسجيل الأغنية التي اشتهر بها «ألا يا صبا نجد» فلم يجدني وعلم بإجازتي، عندها توقف عن التسجيل حتى حضرت من الإجازة وتم تسجيل الأغنية».
معروف أن الزنجباري أول من استعمل آلات غربية في ألحانه العاطفية، كالبيانو في أغنية «ليالي الوفا»، التي غناها المطرب غريد الشاطئ، ولا ننسى لحنه المتميز لقصيدة للشاعر أحمد العدواني «سلو الكاعب الحسناء» التي غنتها المطربة بديعة صادق زوجة الموسيقار القدير أحمد علي.
أما السامري، فقد أبدع فيه الزنجباري، سواء في سامرية «يا حزين القلب» غناء مجموعة الإذاعة الكويتية، وسامرية «يا للي غيابك طال»، كلمات الشاعر الغنائي بدر الجاسر وغناء الفنان القدير عوض دوخي.
ليختم المشوار مع قصيدة «عهد الهوى»، التي غناها الفنان الكبير مصطفى أحمد الذي قاله عنها:
«أنا فخور، وأعتبر نفسي مطرباً محظوظاً حينما يلتفت لي ملحن مبدع مثل الزنجباري ويقول: «أريد أن أمنح هذا الصوت الشاب من ألحاني»، وتلك لشهادة أعتز بها. قدم لي لحنين هما وسام على صدري ومحطة مهمة في مشواري الفني. إنه فنان متواضع وإنسان هادئ ومرهف الحس وحسن المعشر، ويتعامل مع الناس بعفوية ولا يحب التكلف».
وبعد هذه السيرة الجميلة عن هذا الفنان الكبير، ألا يستحق اطلاق اسمه على صرح ثقافي ومعلم موسيقي مرموق يعبر عن امتنان المجتمع الكويتي والتاريخ لهذه الشخصية الموسيقية والعبقرية المذهلة، نقول ذلك ونحن على اعتاب افتتاح مرافق المركزين الثقافيين، مركز جابر الأحمد الثقافي، ومركز عبد الله السالم الثقافي، ومنا للاخوة المسؤولين.
والعاقبة لمن يعقل ويتدبر.
* كاتب وناقد كويتي
@bo_salem72