رؤى

مزرعة الحيوان... منهج الانتقادية الساخرة

تصغير
تكبير
السُخرية والهجاء السياسي عنُصر وركن أساسي في بناء الروايات التي تُعالجُ حالة الانحراف السياسي وجنون الديكتاتورية، وهذا الأُسلوب قد رافق نشوء فن الراوية مُنذُ دون كيشوت لسرفانتس واتبعَ أثرهُ الآخرون في مقاربتهم لأشكال الحكم السياسي والأفكار التي تروج لصيغ من الأيدولوجيا الشمولية، هنا تلعب تقنية السخرية دورا في غاية الأهمية لتفادي الوقوع في المباشرية، والقوالب التقريرية إذ انَّ الرواية قد سبقت غيرها من فنون أدبية أُخرى في النبش عن المُعضلات الكامنة في سلوك العمل السياسي كونَ الرواية قادرةً على قول ما لايُمكنُ غيرها الافصاح عنه على حد تعبير هيرمان بروخ.قد اتخذَ الكاتب الإنكيلزي جورج أوريل من الرواية مَنصةً لانتقاد الأنظمة الكليانية والتيارات التي تُحْكَمُ قبضتها على مفاصل المجتمع باسم الثورة وتضييق مساحة الحريات مبررة فعلتها تلك بصناعة الأعداء الوهميين،إذ حدد صاحبُ «1984» هدفه وراء الكتابة بأن يجعل من الموضوعات السياسية فناً دون أنْ يأتيَ ذلك على حساب البُعد الجمالي.

إذ يعترضُ أوريل مبدأ الفصل بين مواقف الكاتب السياسية وأعماله الأدبية، وهذا الأمرُ يبدو بكل وضوح في باكورة أعماله الروائية «مزرعة الحيوان»، حيثُ تبنى الكاتبُ أسلوباً ساخراً لكن غنياً في المضمون لعملية التمويه والتزييف التي تنتهجها الأنظمة الكليانية وهي تدوس على المبادئ والشعارات عندما لاتخدم نزعتها التسلطية وذلك ما يسفرُ عن غياب القيم في ظل السلطة القمعية.

تتناول «مزرعة الحيوان» الصادرة من المركزالثقافي العربي 2015. ثورة الحيوانات على الإجحاف الذي يلحق بها إذ تتطلع للتحرر من سلطة كائن ليس من جنسها.وفي إطار هذا المسعى تغير الحيوانات اسم المزرعة وهي من أملاك السيد «جونز» من مزرعة القصر إلى مزرعة الحيوانات وتختار علما مزيناً بصورة حفر وقرن.

حُلم النصر

تدخلُ تقنية الحلم في بنية السرد الروائي وهي تعتبر صنواً لتقنية الاستباق فبدلاً من أن يتكفل الكاتبُ بالإشارة إلى ما سيلي ضمن سياق تتابع الأحداث يلجأُ إلى تقنية الحلم على لسان احدى شخصيات الرواية وفي هذا الأُسلوب مزيد من التشويق والقدرة على شَد المتلقي إلى أجواء العمل،هنا يفوضُ جورج أوريل العجوز ميجور وهو خنزير عرف بذكائه بين الحيوانات برواية ما رأه في المنام، بالاستناد إلى مادة الحلم فقد توقع ميجور بأن الأرض ستخلو من الإنسان وستصبح الحيوانات أحراراً واسياداً لنفسها ويتذكر الأُغنية التي غنتها له أمه في صغره «حيوانات إنكلترا»، إذ ستكون هذه الأغنية نشيداً لمزرعة الحيوان عقب انتصار الثورة، بعد غياب ميجور يشرع ثلاثة من الرفاق «نابليون، سنونول، سكويلر» وهم من جنس الخنازير بسن تشريعات مزرعتهم التي ستتحول إلى الجمهورية حسب توقع ميجور،هنا تختصر الفلسفة الحيوانية في سبع وصايا علقت على الحائط.

ويكشف مضمون الوصايا على معاداة الإنسان وضرورة التنكُر لكل ما يمت إلى الكائن الإنساني بصلة،في الملبس والمشرب والمأكل. كما تم ترديد شعار نعم لذوات القوائم الأربع لا لذوات الرجلين في أرجاء المزرعة،لايقع المتلقي في شرك الفهم السطحي وهو يتابع تطورات الرواية بل يَتَنبه لأهمية إكساء ما يتضمنه العمل من دلالة علاماتية تؤولُ وفقاً لسياقات واقعية وسياسية، بجانب ذلك يدرك ضرورة عدم التوقف على المعنى الظاهري لمضمون العمل ويستنكه ما وراء القناع الحيواني كما تتمثل في ذهنه طبيعة الصراعات القائمة بين رفقاء الثورة وهم في سدة الحكم.

زمن الصراع

شأن كل ثورة عندما تستتب الأوضاع لصالح الثوار يحتدُ الصراع بين رفقاء الأمس فإن مزرعة الحيوان لا تخرج من هذه القاعدة طالما يريدُ الكاتب إسقاط ما يجرى في هذا العالم التخييلي على الواقع البشري، لذلك ما تنتصر الحيوانات على جونز وأصدقائه حتى تدب الخلافات بين نابليون وسنوبول فالأخير يقترح إنشاء طاحونة توفرُ خدمات كثيرة للمزرعة غير أن نابليون يعترض على هذا المشروع ويؤكد على مبدأ العمل المتواصل إلى أن يطردَ سنوبول ومن ثم يتبنى مشروعه متهما إياه بالتآمر مع صاحب المزرعة «جونز»، ويفتح له ملف الخيانة على رغم اصابته الجروح في معركة الحظيرة، ومن ثُمَّ يخالفُ نابليون المبادئ الحيوانية ويبداُ باستخدام أغراض السيد جونز مع محظيته،كما يُعينه سكويلر في تعديل كل القوانين وتضليل الحيوانات الأخرى.

ويقنعها بقصور الذاكرة هنا يكمن ذكاء أوريل في الكشف عن الأدوات التي يوظفها الحاكم المُستبد لتشويه الذاكرة وإيقاع الإنسان في دوار الشك والريبة حتى من ذاته، كلما كان يشي تصرف حيوانات المزرعة عن الاعتراض لسياسة نابليون يأتي سكويلر لتذكيرها بزمن ماقبل الثورة وتعاظم المعاناة في عهد السيد جونز وهذا جانب آخر من سياسة الأنظمة الديكتاتورية التي لا تنفك تُذكرُ مواطنيها بفضائلها وما قدمته لهم غير أن ذلك ليس إلا ذر الرماد في الأعين.لأنَّ من وضعوا آمالهم في الثورة سرعان ما يدركون عدم تحسن حالتهم ولا يلمسون فرقا كبيراً في ظل النظام الجديد غير أن ترديد الشعارات واللجوء إلى صناعة الأعداء الوهمية هي توقف قدرة التأمل لدى الإنسان، وهذا ما يريدُ أوريل إبلاغه من خلال روايته الساخرة، إذ يسود شعار نابليون لا يُخطئ في المزرعة، يستدير أوريل لتقديم نموذج الكائن المخلص ومصيره البائس وذلك ما تجده في الحصان بوكسر وهو يتفانى في العمل من اجل إعادة إنشاء الطاحونة بحيثُ تضعف رئتاه ومن ثُم كون تمكافئته بنقله إلى المذبحة ينبه الحمار بنيامين إلى هذا الأمر غير أن سكويلر يعالج الموضوع بدهائه وينقل للحيوانات أسف نابليون بفراق الحصان بوسكر.

تغبية الجماهير

يلتفت اوريل في «مزرعة الحيوان» الى قيام المحاولات التي يقوم بها الديكتاتور لتعطيل الوعي لدى المواطن فهو من جانب يحذرهم ما يعتبره عدواً ويبرم الصفقات مع هذا العدو من جانب آخر وعندما يخطأُ فالجماهيرُ هم يتحملون وزره وذلك مايقدمهُ مؤلف «الصعود إلى الهواء الطلق» في ما يقيمه نابليون من تحالفات مع فرديرك ويرفع شعار الموت لـ «بيلنغتون» الحليف السابق هكذا تسير العملية السياسية بهذه الوتيرة داخل فضاءات يهمين عليها حكم فردي، في ختام روايته يرسم جورج أوريل مشهدا كاريكاتيرياً عبر عرض صور للخنازير التي تمشي على قائمتين بدلاً من أربع القوائم وبذلك يطوى الدستور والمبادئ الحيوانية ويصبح زمن الثورة صورة مماثلة لما قبلها. يحقُ ان نتسائلَ لماذا يتوارى أوريل وراء القناع الحيواني في كتابة روايته ربما تجدُ في رغبة الكاتب للتجريب جواباً أو أن أوريل من خلال هذا الأسلوب الذي له نموذج في مورث الأدب العربي والعالمي إضفاء طابع عمومي لعمله لكن السُخرية تأتي في مقدمة الأسباب وراء اختيار أوريل لهذا الأسلوب لأنَّ السخرية- حسب قول حنا أرندت- تنسف الحكم المتسلط.
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي