رؤية ورأي

مكافحة الفساد... حرام!

تصغير
تكبير
يعتبر مفهوم «مكافحة الفساد»، من أبرز المصطلحات المشوّهة في الكويت، ولذلك تعاني الدولة من ندرة المشاريع الاصلاحية أو تزييفها ووأدها في مهدها. ورغم معرفتي بأن المنهجية العلمية تتطلب مني البدء بمقدمة تمهيدية تتضمن تعريف الفساد وعرض بعض صوره الشائعة في مجتمعنا، إلا أنني مضطر - في هذا المقال وبسبب قرب موعد الانتخابات - للانتقال مباشرة إلى كشف مواقع الخلل في المفهوم. وفي هذه الحالات نلجأ نحن الأكاديميين إلى الاستعانة بأمثلة واقعية أو افتراضية من أجل تبسيط المبادئ وتوصيل الأفكار.

لو فرضنا أن أكاديميا في الجامعة أو في «التطبيقي» من أسرة محدودة أو متوسطة الدخل، تشرف بعضوية مجلس الأمة قبل سنوات عدة، وتبين لي لاحقا أنه أحد النواب الذين ثبت لدى النيابة تضخم حساباتهم البنكية، وأنه حالياً يمتلك شركات رأسمالها المعلن عشرات الملايين من الدنانير، وأن ثروته اليوم تزيد على 100 مليون دينار كويتي، فماذا يفترض أن يكون موقفي - كمواطن صالح - من هذا النائب المليونير إن ترشح للانتخابات المقبلة؟


للأسف، المجتمع عاجز عن القيام بدوره الطبيعي في هكذا حالات بسبب ما رسخته منظومة الفساد - التي تتضمن تيارات سياسية - من مبادئ مزيفة في ثقافته. فالمواطن الكويتي المحافظ مقيد بثقافة دينية قاصرة وحبيسة «إن بعض الظن إثم»، ولذلك يعتبر الحديث عن شبه فساد ذلك المرشح الاكاديمي يقع بين الغيبة - إن صحت المعلومات - وبين البهتان، وكلاهما محرم شرعاً، ويغفل المواطن عن حرمة بيت مال المسلمين والمال العام. فنحن لا نفرق بين الأمور الشخصية الخاصة بالنائب التي لا يجوز تداولها وبين سوء استغلاله للسلطة وقبح مواقفه السياسية التي يجب رصدهما ومحاسبته عليهما.

تراثنا الديني مليء بالأمثلة على وجوب مراقبة العاملين بإدارة شؤون الناس والإبلاغ عن مخالفاتهم ومحاسبة المفسد منهم، ومن بينها الكتاب الذي أرسله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهما السلام إلى أحد ولاته، حيث جاء فيه «أمّا بعد، فقد بلغني عنك أمر، إن كنت فعلته فقد أسخطت ربّك، وعصيت إمامك...، بلغني أنّك جرّدت الأرض فأخذت ما تحت قدميك، وأكلت ما تحت يديك، فارفع إليّ حسابك، واعلم أنّ حساب الله أعظم من حساب الناس». نعم الإمام عليه السلام لم ينه عن مراقبة المسؤولين ولم يستنكر الابلاغ عن مخالفاتهم، بل إنه أكد لزوم وجود نظام محاسبي لمراقبة ذمتهم المالية وثرواتهم.

خطورة أزمتنا تكمن في أن هذا الخلل الثقافي غير مقتصر على المواطن البسيط، بل يعاني منه من يفترض أن نعول عليه في المبادرات الاصلاحية كأعضاء مجلس الأمة والأكاديميين والمثقفين. فعلى سبيل المثال، استحسن قبل سنوات، قرابة 50 أكاديمياً امتناع ضيف ديوانهم - وهو أحد النواب المخضرمين - عن الخوض في تفاصيل قضية تضخم حسابات بعض زملائه الأعضاء لحين انتهاء تحقيقات النيابة، واعتبروا موقفه ذلك سمواً أخلاقياً لا سقوطاً نيابياً ولا هروباً عن مسؤوليته الدستورية في محاربة الفساد في بيت الرقابة.

الغريب أنه لغاية هذه اللحظة، لم يتبن هذا النائب المخضرم تلك القضية رغم انتهاء التحقيقات وثبوت تضخم حسابات بعض زملائه! والأغرب أنه لم تطالبه الديوانية بتبنيها! تقاعس النشطاء السياسيين والأكاديميين الاصلاحيين بشكل خاص والمجتمع بشكل عام عن مراقبة وتقييم أداء النواب، تسبب في قصر ذاكرة المجتمع السياسية، وتباعاً تجديد عضوية نواب مقصرين وعاجزين عن الاصلاح.

لذلك يجب تنشيط الذاكرة المجتمعية إن أردنا تطوير تشكيلة البرلمان وأدائه. ومن بين الاحداث التي يجب أن تكون حاضرة أمام الناخب وقت الاقتراع المقبل، هو موقف النواب السابقين من قانون مكافحة الفساد.

فقبل ما يزيد على الـ 10 سنوات، تحركت مجاميع شبابية عدة، كانت من بينها مجموعة «شباب ضد الفساد»، وأعدت وثائق يتعهد من خلالها المرشح بأنه سيتبنى مكافحة الفساد إن نجح بالانتخابات. كل وثائق التعهد خلال سنوات عدة كانت تستهدف تعزيز الشفافية والنزاهة داخل البرلمان وخارجه، حيث تضمنت بنداً صريحاً في شأن التعهد بتشريع قانون اطلق عليه «من أين لك هذا»؟ يوجب تقديم الذمة المالية من قبل النواب والقضاة وجميع القياديين إلى جانب فئات وظيفية أخرى.

وقد تعهد ووقع على تلك الوثائق العديد من النواب، ومن بينهم أعضاء تضاعفت ثرواتهم وتجددت عضويتهم مراراً، وهم اليوم مرشحون في الانتخابات المقبلة. هؤلاء لا يستحقون شرف تمثيل الأمة لأنهم فقدوا النزاهة والأمانة اللتين رغب المشرع الكويتي تحققهما في النائب.

هؤلاء النواب تهربوا عن الوفاء بتعهداتهم، وإلا لماذا اللجوء إلى مرسوم ضرورة بالقانون الرقم 24 لسنة 2012 بإنشاء الهيئة العامة لمكافحة الفساد والأحكام الخاصة بالكشف عن الذمة المالية؟ ولماذا لم تشرع المجالس السابقة قانوناً لمكافحة الفساد قبل مرسوم الضرورة؟ ولماذا كل هذا التأخير في اصدار اللائحة التنفيذية لإنشاء الهيئة العامة لمكافحة الفساد؟ ولماذا لم يكشف النواب «الشرفاء» فساد زملائهم تحت قبة عبدالله السالم - حيث الحصانة القصوى - كما كشف المرحوم نبيل الفضل عن بعض الحالات وذكر أسماء المعنيين؟ وإذا تحدث هؤلاء النواب المحصنون عن الفساد، لجأوا إلى الهمز واللمز!... «اللهم أرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه».

[email protected]
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي