خواطر تقرع الأجراس / رسائل العشق الإلكترونية

تصغير
تكبير
الإلكترونيات قتلت الإنسانيات! ومن أشهر المقتولين ساعي البريد، الشخصية الإنسانية الحميمة إلى قلوب عشاق المدينة القديمة، والقرية العتيقة. كان يحمل في حقيبتَه الجلدية المُجعَّدة أسرارَ العشاق، وأشواقَ المغتربين في ما وراء البحار، أو في أعماق الأدغال الإفريقية.

ومن القصائد الجميلة التي صورت هذا الإنسان الحميم قصيدة ساعي البريد للشاعر المهجري اللبناني شفيق المعلوف:

ساعي البريد وما ينفك منطلقاً

وكلُّ باب عليه غيرُ موصودِ

يسعى بأكداس أوراقٍ مغلَّفةٍ

تفوح منهنّ أطيابُ المواعيدِ

خلف النوافذ أجفانٌ مُشوَّقة

إليه، تخفق من وجْدٍ وتسهيدِ

كم قبلة من فم العشاق يحملها

على يديه ويهديها إلى الغيدِ

ولا ينسى الأمَّ: أعظمَ ملتاع من هجرة الأحباب، فيخاطب الساعي:

كم وجهِ أمِّ عجوزٍ إنْ برزتَ له

لم تُبْقِ من أثر فيه لتجعيدِ

تُلقي إليها كتاباً إن يُصِبْ يدَها

شدَّتْه باليد بين النّحر والجيدِ

كانت الرسائل الورقية، مضمَّخةٌ بعبير الأنامل التي خطّتها، ومطيَّبة بأريج الأنفاس التي زفرتْها، وموشّاة بأطياف الحروف التي تحمل روح كاتبها حين رسمَ الخطُّ بكل انحناءاته وتموجّاته، وظلالاته، صورةَ الحبيب وهو يبثُّ لواعجه. وهيهات، هيهات أن ترقى الرسائل الإلكترونية إلى سدرة منتهى هذا العالم السري!

تلك ظاهرة إنسانية باتت من مباحث علم النفس في الجامعات الغربية، لا شطحات رومانسية. حقيقة يقررها علم الخط«الغرافولوجي»؛ Graphology لاستبطان أسرار بصمة الشخصية الإنسانية. فاللغة، المنطوقة والمكتوبة، صورة لما في الدماغ من أفكار وتصورات وأسرار. الدماغ، عبر المركز اللغوي، يعطي الأوامر للأنامل بالكتابة. فالدماغ، إذاً، هو الذي يكتب. هو فكر، عقل، مفاهيم، بصمة نفسية، وشخصية، وما اليد التي تكتب سوى عبد مأمور ينفِّذ. للحيوان مخ؛ كتلة هلامية رخوة خاوية من السرالأعظم:التفكير الحي، والخيال الا بتكاري، ثم اللغة المنطوقة المتطورة، حتى مرحلة الكتابة الإبداعية: كتابة اليد على الورق، لا طباعة لوحة المفاتيح الصمّاء التي لا سرَّ لطابعها فيها، ويتساوى فيها الرجل والمرأة والطفل. فكل الأجناس، والأعمار والمستويات، تطبع بأصابع بلا بصمات. وكل الخطاطين الإلكترونيين لا تحمل لوحاتهم التجارية، مهما أبدعت في هندساتها، بصمةَ شخصياتهم، ولا شفرة نفسسياتهم.

تأملوا بعض قصائد نزار قباني مخطوطةً بأنامله الشاعرة، وبعض كتابات مي زيادة، منقوشةً بريشتها الأنيقة الساحرة، كما عرضها فاروق سعد في كتابه: باقات من حدائق مي، واستبطنوا هندسة الحروف، وإشعاعات المعاني الباطنة، تدركوا عندها سرَّ جمال الكتابة الإبداعية باليد البشرية. ثم قارنوها مع خطوط رسائل جبران لمي زيادة، المجموعة في كتاب: الشعلة الزرقاء، بتحقيق سلمى الحفّار الكزبري، حيث ستشعرون من عنفوان الخط بهبوب«العواصف»، وثورة«الأرواح المتمردة»، وحطام«الأجنحة المتكسرة».

وخبر وفاة جدة المتنبي، فرحاً بعد حزن، لدى قراءة رسالته لها بعد غياب طال، يعكس أثر الخط البشري في النفوس.

أتاها كتابي بعد يأس وترحةٍ

فماتت سروراً بي فمتُّ بها غمّا

تَعَجَّبُ من لفظي وخطي كأنّما

ترى بحروف السطر أغربةً عُصما

وتلثمه حتى أصار مدادُه

محاجَرَ عينيها وأنيابها سُحما

عشاق اليوم لا يُقبِّلون رسائل العشق الإلكترونية عبر شاشة الحاسوب، فطعمها بارد، وبصمتها شوهاء. والقيمة الإنسانية في المخطوطات النادرة في مكتبات العالم تفتقدها آلاف الكتب وهي مطبوعة على الأقراص الإلكترونية، الخرساء... حتى لو نطقت !

* شاعر وناقد سوري
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي