تم عرضه على تسع قنوات فضائية

«أسمهان»... مسلسل يرفضه العقل كلما اقترب من الحقيقة ويقتل شخصية المطربة مرة أخرى

تصغير
تكبير
| كتبت لينا هلال |
بعد 64 سنة على غيابها، ما زالت تشغل الناس هي اسمهان التي ولدت في 25/10/1912 وتوفيت في 14/7/1944، شغلتهم بحياتها وبموتها وحيرتهم بعرض مسلسل يحكي قصتها، بين من يعرف عنها القليل ومن لا يعرف ومن يعرف الكثير،وعادت لتثير الجدل من جديد بين معارضين بشدة وبين مؤيدين بتحيز.
اسمهان ظاهرة لن تتكرر عاشت في حقبة كانت الدنيا كلها بين نار الحربين العالميتين الاولى والثانية، استطاعت ان تكون نجمة لا نقاش في قيمتها وموهبتها، لكن الصور اختلفت في القراءة الشخصية لحياتها ولموقعها السياسي فكانت على تماس مع طرفي النزاع في الحرب العالمية الثانية في محاولة منها لحماية ارضها وشعبها كما نقل عنها.
انها ابنة الامير فهد الاطرش اول شاب في جبل الدروز يحمل شهادة جامعية من اسطنبول عاصمة السلطنة العثمانية، وفهد الاطرش المناضل والمقاوم للاحتلال العثماني والفرنسي الذي اجبر على ترك طفلة صغيرة هي آمال لم يسعفه الوقت ليراها مرة ثانية فقد قتل في معركة ضد المحتل الفرنسي قبل زواجها من الامير حسن الاطرش.
«أسمهان» من المسلسلات الاكثر حضورا في شهر رمضان لجهة الدراما والمناخ الفني فعرض المسلسل على تسع قنوات فضائية ولتشوق المشاهد لمعرفة اسرار وخفايا هذه الظاهرة الفنية التي لمعت كالبرق واختفت مخلفة وراءها كنوزا فنية والغازا عجز القيمون على مسلسل «اسمهان» من كشف ولو القليل منها.
بدأ المسلسل عملا واعدا لوجود اسم المخرج التونسي شوقي الماجري الذي اعطى المسلسل على الصعيد البصري مناخات غنية بالتفاصيل الجميلة عن المناطق الجبلية القاسية إلى الحواري المصرية واضفي صدقية على الاماكن والديكورات، خصوصا ان الفرق شاسع بين البيت الجبلي والبيت المصري فغدا المسلسل انجازا دراميا بصريا يحترم عين المشاهد وعقله.
ولعل هذا الاهتمام بالمناخ العام والتفاصيل البصرية ادى إلى نقاط ضعف العمل الذي بدا اقوى من الشخصية نفسها، لن نخوض في اخطاء المسلسل التاريخية واغفاله الكثير من الحقائق والاحداث، وهي لاشك مفاصل اساسية في حياة اسمهان وفريد الاطرش عجز المسلسل عن نقل شخصيتها بتجرد، لقد تعرضت اسمهان لاساءات تجعل العقل والمنطق والذوق والحس المهني يرفض هذا العمل مهما اقترب من الحقيقة، ويدفع للتساؤل لماذا لم «يستر» على اسمهان كما ستر على ام كلثوم؟! فكان التشويه المتعمد والمبتذل فنيا وسياسيا، لا بل وصل إلى حد جعلها من بنات الهوى همها الاول وغايتها الاساسية المال، وقد تم اغفال ثقافتها وتعدد لغاتها وهذه الصفات المثقفة قلما تجتمع في امرأة في ذلك العصر وفي الوسط الفني تحديدا.
من يتحمل مسؤولية التقصير؟
هل هو النص، أم الأداء المتواضع للكثير من الشخصيات الفنية والسياسية والاجتماعية، أم هم آل الاطرش المتكتمين الرافضين لكشف أي شيء عن حياتها؟
ازدواجية التأليف
عمل لم يكتب نصه مؤلف واحد فقد بدأ مع ممدوح الاطرش والذي يعتبر من أشد المتحمسين للعمل، بل هو صاحب فكرة المسلسل، ثم كلف قمر الزمن علوش باعادة صياغة العمل ليتماشى مع رغبات الرقابة في التلفزيون السوري، ثم اسند العمل الى نبيل المالح في شقه السوري والى بسيوني عثمان في شقه المصري، وتشير مقدمة المسلسل الى ان المؤلفين استندوا الى كتاب «اسمهان لعبة الحب والمخابرات» للكاتب سعيد الجزائري الصادر عن دار رياض الريس، بيروت (علما بان الكثير الكثير من افكار النص والحوار اعتمد على ما كتب في الصحافة المصرية وعلى مذكرات محمد التابعي تحديدا) وما اكثر ما كتب عن اسمهان بعد موتها ما دفع فريد الاطرش لرفع دعاوى قضائية تم على اثرها مصادرة الكثير منها من المكتبات المصرية، ليت كُتاب النص اعتمدوا على مصادر موثوقة وموثقة كان من الممكن ان تضفي على العمل البعد الفني لشخصية مثل اسمهان وهناك الكثير منها (أسرار اسمهان، المرأة، الحرب، الغناء) الصادر عن دار المدى وهو كتاب للاميركية من أصل عربي شريفة زهور، اضافة الى كتاب فؤاد الاطرش شقيق اسمهان، المسلسل أغفل جوانب عدة أساسية في حياتها الفنية وتغاضى عنها فكان نصا خاليا من اي حوار فني او ثقافي يعطي بعدا لتلك الحقبة التاريخية الفنية بكل ما فيها، والتي هي مكون أساسي لشخصية اسمهان الفنية والثقافية، وعنصر مهم لابراز تناقضاتها وجنونها وذكائها ونزعتها الى الحرية والتمرد. واكمل العمل التقصير في اظهار صراعاتها الداخلية التي ادت الى اساءة فهمها وهي أصلا شخصية يحيطها الغموض وهذا جزء من جاذبيتها، لكن هذا الغموض في المسلسل يبدو نتاج ثغرات درامية وأدائية اكثر من الحفاظ على رمادية هذه الشخصية، ويجوز ان الرقابة المفروضة على تجسيد حياة اسمهان من قبل العائلة والمجتمع وحتى التاريخ مسؤول عن جزء من هذا النقص واخطر ما في المسلسل انه بقي بعيدا جدا عن اسمهان «الفنانة» التي بدت هامشية في مسلسلها، فلم نر قصة ولادة اي من أغانيها ولم تناقش جملة شعرية واحدة وجرى التعتيم على علاقتها بالملحن المصري محمد القصبجي الذي تبناها فنيا وادى به ذلك لان يصبح عوادا في فرقة ام كلثوم. واظهرها وكأنها مؤدية لالحان السنباطي بل اكثر من ذلك تعمد المسلسل تشويه علاقتها بعبدالوهاب واقتصر دوره في حياتها على ادخالها في عقل محمد التابعي وهمش دور فريد وهو السر الابرز لتخليدها وهو توأم روحها.
خيال جماعي
أسمهان قدرها ان تكون من جديد مادة دسمة لخيال جماعي تغذى بكثير من القصص والروايات بعضها صحيح وبعضها الآخر جاء نتيجة تقاطعات مفخخة فنيا وملكيا.
اسمهان تلك المرأة التي أثارت خلفها الزوابع والتي داست على الكثير من التقاليد والمحظورات حتى داخل طائفة «الموحدون» الدروز وكسرت المحرمات في زواجها من الامير حسن للمرة الثانية. بدت في مسلسلها امرأةعادية تعيش ردود فعل فقط.
لم نر الخيبات التي عاشتها ودخولها مناطق صعبة في معاركها مع الملكة نازلي وتم التعتيم على انفصام الهوية عندها التي دفعتها إلى صعود سلم الشهرة والمجد، وتم تشويه بحثها الدائم عن نفسها بين الأميرة والمطربة والصراع بين منبتها الاجتماعي السوري ومستقرها الفني المصري.
امرأة جميلة
ربما لامس المسلسل اسمهان المرأة الجميلة لكنه لم يحيط بأسطورة شغلت مصر وسورية ولبنان وفلسطين وتعدتهم إلى فضاء اوسع عندما تجرأت ودخلت لعبة المخابرات.
اجتزأ المسلسل الحقبة الأساسية في حياتها التي نقلتها من طفلة إلى أميرة الجبل بزواجها من الأمير حسن الاطرش وبدت بدور ممسوخ يقتصر على بضعة مواقف ويغفل دورها في الحياة الثقافية والاجتماعية السورية من خلال منتداها الثقافي الاسبوعي وعملها على تحسين سبل العيش وتعليم الاطفال.
الحدث الذي يكاد ان يكون فضيحة المسلسل محاولة اجهاض نفسها وهي في شهرها الثامن وتصويرها بامرأة جاهلة ومستهترة. كان من الممكن الاضاءة على هذا الجانب الذي يظهر تطرف شخصيتها وخوفها من الأمومة بشكل يقنع المشاهد ويكشف شعورها بالذنب تجاه ابنتها كاميليا وهو العنصر الأقسى في حياتها.
ونتساءل كيف لعلاقة راقية كعلاقتها بالأمير حسن ان تقنع المشاهد انها لم تجرؤ على نقاش مسألة تخليها عن الغناء.
الفضيحة الثانية في المسلسل الدور المبالغ الذي لعبه شقيقها فؤاد (فراس إبراهيم احد منتجي العمل) في حياتها وبدا كأنه الشخصية الرئيسية بكل تفصيل ممل على حساب دور فريد الفني والشخصي الذي صوره المسلسل شخصية سلبية لا حول له ولا قوة امام فؤاد. وايضا اغفل المسلسل وجود اخوة لأسمهان (أنور الذي توفي طفلا قبل مولدها ووداد التي توفيت وعمرها 10 سنوات، وكان لموتها اثر كبير على فريد واحد اسباب تعلقه بأسمهان وحبه لها).
واللافت في المسلسل عدم ابراز الدور المهم لعلياء المنذر هذه المرأة المنفتحة السابقة لعصرها الثائرة على العادات والتقاليد ابنة البيئة المحافظة الآتية من جبل الدروز في سورية والتي كانت تؤمن بموهبة ولديها. جاء دورها مقتصرا على حماية اسمهان من شقيقها فؤاد. وتم تصويرها وكأنها تقود ابنتها للخطأ وان همها الأول هو المال. وتجرأ المسلسل على تشويه صورتها من خلال علاقتها بفريد غصن «علما ان فريد غصن من مواليد 1912». ربما يدخل هذا الجزء ضمن ارضاء آل الاطرش.
بالغ المسلسل بغياب اسمهان الفنانة وبالغ بإظهار اسمهان المتمردة صاحبة الروح البرية، فخسرنا الاثنين معاً وليتهم تغاضوا ولو قليلا عن ابراز كل السلبيات التي اوحت للمشاهد بخلفية حاقدة فاقدة للموضوعية ادت إلى قتل اسمهان مرة ثانية، والقاتل هذه المرة معلوم وليس مجهولا. وعد البحري الصوت المؤدي لاغاني اسمهان ابدعت بصوتها الذهبي الذي اغنى المسلسل ببعده الاسمهاني المميز لدرجة الالتباس على البعض والظن ان الغناء بصوت اسمهان.
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي