الأسرة أولاً

ردود مُدَمِّرة

تصغير
تكبير
قالت وهي تنظر في المرآة: أرى وجهي اليوم شاحباً.

قال: اليوم فقط؟ انظري في المرآة جيداً، وجهك منذ تزوجتك شاحب وأكثر!

قالت وقد صدمها رد زوجها: ماذا تقصد بشاحب وأكثر؟

قال: خلِّيني ساكت!

هذه الردود الجارحة، المؤذية، بل المُدَمّرة، المُدَمِّرة للمشاعر، والمعنويات، والروح، والطاقة، ينبغي أن تتوقف.

إن ردّ الزوج السابق هذا على زوجته كان قاتلاً، قتل فيها كل إحساس جميل، كل تفاؤل كان يمكن أن تبدأ به يومها، كل حب في قلبها تجاه زوجها.

فالزوجة، حين اشتكت إلى زوجها شحوب وجهها، كانت تلتمس عنده مواساة لها، واقتراباً منها، وثناءً عليها، وتخفيفاً عنها، لكنه لم يفعل شيئاً من هذا، بل أثبت ما قالته، وزاد فيه حين جعل شحوبها ليس طارئاً اليوم فقط، بل لازماً فيها منذ أن صارت زوجته، وأن وجهها ليس شاحباً فحسب؛ بل أكثر من ذلك، كأنه يريد أن يقول: وإنه قبيح كذلك!

كان على زوجها أن يواسيها بكلام جميل، كأن يقول: ليس شحوباً، إنه مسحة حزن رقيق يزيدك جمالاً وتألقاً.

أو يقول: لأنك لا ترحمين نفسك، ولا تأخذين قسطاً كافياً من النوم، دعيني أعصر لك بعض الفاكهة.

أو يقول: أنتِ جميلة في عينيّ على أي حال، وسيزول هذا الشحوب فور أن تحصلي على كفايتك من الراحة والطعام.

ولو عدنا إلى حبيبنا النبي (صلى الله عليه وسلم)، لوجدنا كثيراً من تلك المواساة الحانية الراقية حين ينفي عن أصحابه رضوان الله عليهم ما يرون أنفسهم عليه من ضعف أو نقص، ويصفهم بصفات إيجابية تمحو إحساسهم بالضعف أو النقص.

فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رجلاً من أهل البادية يقال له زاهر بن حرام كان يُهدي إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) الهدية، فيُجهِّزه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إذا أراد أن يخرج. قال أنس: فأتاه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وهو يبيع متاعه؛ فاحتضنه من خلفه والرجل لا يبصره فقال: أرسلني، مَنْ هذا؟! فالتفت إليه؛ فلما عرف أنه النبي (صلى الله عليه وسلم) جعل يُلزق ظهره بصدره، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (من يشتري هذا العبد؟)، فقال زاهر: تجدني يا رسول الله كاسداً.

قال (صلى الله عليه وسلم): (لكنك عند الله لست بكاسد)، أو قال (صلى الله عليه وسلم): (بل أنت عند الله غالٍ).

فما أجمل نَفْيه (صلى الله عليه وسلم) ما اتهم زاهر به نفسه من أنه كاسد، أي ليس فيه ما يجعله مرغوباً في شرائه لو كان عبداً، وذلك بأنه (صلى الله عليه وسلم) وزنه بميزان الله سبحانه فقال: (لكنك عند الله لست بكاسد)، وفي الرواية الأخرى (بل أنت عند الله غالٍ)، وميزان الله هو الميزان الحق، فلا قيمة لموازين البشر عند المسلم إذا خالفت ميزان الله سبحانه.

وهكذا ينبغي أن يكون كل من الزوجين لصاحبه، مواسياً له، قريباً منه، حريصاً عليه، شفيقاً به، مدافعاً عنه، مُغَيِّراً ما يتهم به نفسه من نقص أو قصور ليجعله شيئاً إيجابياً وحَسَناً.
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي