علي محمد الفيروز / إطلالة / الجوع يدق ناقوس الخطر عالمياً

تصغير
تكبير
تضغط أزمة الغذاء العالمية على الكثير من الدول الصناعية الكبرى للتحرك من أجل تجنب حدوث انتكاسات للتقدم الذي حققته هذه الدول منذ الأعوام الماضية، اذ اننا لاحظنا ذلك من خلال ظهور حالات من الفقر والجوع في بعض بلدان العالم، والتي تتقدمها أفريقيا، فهي محط اهتمام «مجموعة الثماني» التي تدعو حالياً الى زيادة المساعدات العاجلة. ولكن ليس بالطريقة الحالية التي تتعامل مع التزاماتها المالية، خصوصاً انها أمام عجز يبلغ 40 مليار دولار! وفي حين أن هناك توقعات لليابان على انها سوف تضغط على الدول بشكل أقوى للتعامل مع تلك الأزمة بطريقة أفضل من خلال القمة المرتقبة لديها الا انه من الملاحظ ان المساعدات التي يتم الاتفاق عليها لا ترتقي الى المستوى الجيد وسط تنامي ظهور حالات الفقر والمرض والجوع في أفريقيا، رغم إلغاء نحو 60 مليار دولار من الديون المطلوبة، فمعدلات الفقر لاتزال مستمرة مع ازدياد معدلات الوفيات بين الرضع والاطفال وكبار السن، الأمر الذي جعل معظم منظمات الاغاثة في العالم تستنجد وتحذر من ارتفاع اسعار الغذاء، خصوصاً في الدول التي تقع في قارة افريقيا كالصومال التي شهدت فيها زيادة في اسعار الغذاء مع حدوث حالات جفاف، مما يؤدي الى مواجهة خطر اسمه «المجاعة» وحدوث المزيد من الصراعات والانتهاكات.
هذا وقد سبق أن صرحت رئيسة مؤسسة تنمية المجتمع السيدة جراكا ماشيل بأن انعكاسات عدم تحرك «الدول الثماني» لأزمة افريقيا ستكون آثارها وخيمة، مضيفة: «ان اسعار الغذاء لا يمكن قياسها بسعر القمح او الارز بل علينا أن نقيس ذلك بنسبة عدد الوفيات من الرضع والاطفال الصغار في بقاع افريقيا»! نرى ان هناك احصائية تفيد بأن يروى نحو 7 في المئة من المياه للأراضي الافريقية بينما يروى نحو 58 في المئة للأراضي الآسيوية، وهي بالطبع تعتبر نسبة ضئيلة لافريقيا مع المقارنة، كما ان بعض منظمات الاغاثة أدركت من خلال التمحيص ان الدول الافريقية مقصرة في وعودها التي قطعتها على نفسها، خصوصاً في ما يتعلق بالتمويل الزراعي وعدم التقصير في استثمار الزراعة عن طريق «الري»، في الوقت الذي لا يجوز فيه توجيه أصابع الاتهام الى «مجموعة الثماني الكبار» فقط. ونستطيع القول بأن افريقيا لديها الامكانات والقدرات التي تجعلها قادرة على اطعام العالم كله وليس على اطعام ذاتها فقط، ولكنها تحتاج الى وسيلة انقاذ من الحكومات الافريقية، فالحكومات الافريقية مطالبة بالوفاء لتعهداتها التي قطعتها على نفسها أمام منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو) على تخصيص نسبة 10 في المئة من ميزانيتها للأنشطة الزراعية، فهل تم ذلك؟
يبدو أن أزمة الزراعة والمياه في العالم تتسارع بشكل أكبر، بينما نلاحظ أن الصين والهند تتكيفان مع استثماراتهما الزراعية بشكل أوسع من خلال التنويع في المصادر الغذائية وتكريس خطة المنافسة على أراضيها الصالحة للزراعة وتوفير أكبر نسبة من المياه العذبة لري الأراضي الزراعية، وها هي الصين الآن تحاول شق طريقها داخل الأراضي الافريقية فاختارت جمهورية الكونغو الديموقراطية التي تتمتع بموارد طبيعية خلابة، وقد اختارت الصين هذا الاستثمار الزراعي في افريقيا من دون النظر الى الوعود الجوفاء التي يطلقها زعماء مجموعة الثماني في المحافل الدولية! ولكن على أي حال تبقى خطورة تصاعد اسعار الغذاء في العالم مشكلة تتعلق في مصير غالبية الدول. ويرجع هذا الأمر الى اسباب عدة، من ضمنها: ضعف الامدادات الزراعية التي تؤثر تأثيراً مباشراً على المحاصيل ولا تغطي نسبة الاحتياجات. وهناك تقارير دولية تفيد بأن العالم بحاجة الى اطعام نحو ستة مليارات نسمة، فكيف ستكون الحال عندما يرتفع تعداد سكان العالم الى تسعة مليارات نسمة بحلول عام 2050 مثلاً؟ ان الكثير من بلدان العالم تعيد توجيه الأراضي بعيداً عن الانتاج الغذائي وتهتم في زراعة نباتات لتغطي احتياجاتها من جانب توفير «الطاقة» فقط من دون ان تستعد جيداً لمواجهة أزمة الغذاء المرتقبة، وان استمرت على هذا المسلك فسوف تناضل البشرية في سبيل سد احتياجاتها من المواد الغذائية عن طريق الهجرة الجماعية أو كما يُسمى «الحرب من أجل الغذاء»؟
ومن الملاحظ ان ظروف الطبيعة تتغير على الأرض مع مرور الزمن، فبعض أنهار العالم قد جفت بسبب العوامل الجوية والأرضية، وقد لاحظنا ذلك على «النهر الأصفر» في الصين، وعلى نهر «ريو غراندي» في المكسيك، وكذلك في بعض الأنهار الواقعة في ولاية البنجاب بالهند، ناهيك عن تناقص خزانات المياه الجوفية بين الدول الآسيوية التي تعتمد على المياه بشكل أساسي في الزراعة والشرب. فنحن أمام ظاهرة نقص المياه في العالم، ولا نجد ما يبحث عن فرض قيود على صرف المياه التي تستخدم للحاجات المتعددة أو البحث عن كيفية التقنين. والسؤال هنا: كيف لنا أن نضع حداً لأزمة الزراعة والمياه في العالم، ونحن أمام ظاهرة تُسمى «صرعة الوقود الحيوي»!
ويفيد البنك الدولي عن تنامي أعداد الفقراء في العالم وبنسبة أكبر من التقديرات السابقة اذ ان هناك مليار شخص يعيشون دون حد الفقر. ومن المتوقع ان تفرض الأرقام التي بينتها لتحديد نسبة الفقر ضغوطاً كبيراً على الدول الكبرى المانحة للمساعدات لزيادة تكثيف جهودها الى مكافحة الفقر، رغم شفافية البيانات التي تشير الى ان العالم يسير وفق الخطة المدرسة لبرنامج هدف الأمم المتحدة الذي يقضي الى تقليص عدد الفقراء في العالم الى النصف بحلول عام 2015، ومن المحتمل ان تلعب الصين دوراً ايجابياً مع أهداف الأمم المتحدة في ما يتعلق بمكافحة ظاهرة الفقر، اذ انخفض مستوى الفقر فيها الى 18 في المئة عام 2005 بعدما كانت دول شرق آسيا وجنوب آسيا تحتوي على أفقر مناطق العالم من البشر. أما الهند فقد ارتفع عدد الفقراء بنسبة أكبر عن السابق ليصل الى 455 مليوناً عام 2005 حسب التقارير الدولية، كما أن البنك الدولي قد أشار الى احتمال مواجهة مئة مليون نسمة الى صفوف الفقراء بسبب الارتفاع الملحوظ بالمواد الغذائية والطاقة في العالم، ويقول السيد روبرت زوليك، رئيس البنك الدولي، بأنه يتوقع بقاء أسعار الغذاء فوق مستوياتها حتى عام 2012، وسوف تعادلها ايضاً اسعار الطاقة، محذراً العالم بأن اسعار الغذاء والوقود في «منطقة خطر»! وقال: «نحن بحاجة الى توفير عشرة مليارات دولار وايجاد موارد اضافية لتوفيرها على أكثر الناس فقراً في العالم، وكلما زادت اسعار النفط والغذاء واجهنا زيادة في (التضخم)»!
أين سيأخذنا العالم مستقبلاً؟ الله أعلم... ولكل حادث حديث.
علي محمد الفيروز
كاتب وناشط سياسي
[email protected]
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي