pdf
رئيس التحرير وليد جاسم الجاسم

معالجة نفسية

التلقائية أم التصنع؟

راجعتني في مركز الاستشارات سيدة ثلاثينية تشكو من سوء علاقاتها الاجتماعية مع الآخرين، وعدم استمرار صداقاتها لفترة طويلة. حين طلبت منها أمثلة على هذه العلاقات المتوترة من نقطة بداية الخلاف الى نهايتها التي تسيء إلى العلاقة، تبين أنها لا تتقن إدارة مشاعرها تجاه الآخرين وتجاه المواقف التي تحدث معهم، بل تتصرف كما تملي عليها مشاعرها من دون تأطيرها أو زخرفتها. وحين سألتها عن السبب أجابت: أنا انسانه تلقائية لا أحب التصنع والنفاق الاجتماعي.

في الواقع مفهوم التلقائية من المفاهيم الجديدة المستوردة، وحالها كحال أخواتها تأتينا من دون تفاصيلها وقوانينها وشروطها وأماكن استخدامها ومحل حظرها. هي جديدة لأن أخلاق التعاملات الاجتماعية لدينا كانت تأمر بعكس التلقائية. فالمداراة مثلاً والتي يوجد فيها مئات الأحاديث والتوصيات الأخلاقية هي عكس التلقائية تماماً، حيث ان التلقائية، كما فهمها الناس، تعني أن تظهر للاخرين ما تشعر به في هذه اللحظة وكما تجربه. مثلاً إذا كنت غاضباً من شخص يجب أن تبين غضبك ولا تجامله. وإذا كنت حزيناً من تصرف شخص يجب أن تبين حزنك من تصرفه أو من الموقف الذي حصل لكما، ولا تكتم حزنك. بينما الحديث النبوي الشريف يصرح العكس تماماً: «المؤمن بِشره في وجهه وحزنه في قلبه».

إذاً ما هو الصحيح، التلقائية أم التصنع وما هو رأي علم النفس العلمي وليس التجاري تجاه هذا الموضوع؟

في الحقيقة أول مشكلة تواجه هذه القضية وقضايا أخلاقية ثنائية أخرى، هي أن الأخلاقيات، سواء العقائدية الدينية أو السلوكية في علم النفس (والذي لم أجد تناقضاً بين المدرسة الدينية والمدرسة النفسية العلمية) ليست ثنائية إلاّ في مواضيع محدودة جداً.

ففي الأخلاق أو في علم النفس لا توجد أوامر بأنك، إما تكون تلقائياً تماماً او إذا لم تكن تلقائياً فأنت منافق. كما لا يوجد اعتقاد بأن التصنع يساوي تماماً النفاق ولذلك هو مرفوض تماماً. بل السلوك يكون حكيماً وسوياً إذا كان في الوقت المناسب ومع الشخص المناسب وبالمقدار المناسب. وهذا بالضبط ما يسمى بالذكاء الوجداني أو الانفعالي والذي يؤيد التلقائية كصفة تميز الشخص الذي يتمتع بالذكاء الوجداني على المستوى الفردي، ومن جهة أخرى يعتبر التعاطف وفهم مشاعر الآخرين والتعامل الصحيح مع مشاعرهم بغض النظر عمّا تشعر به ركنا أساسيامن أركان الذكاء الوجداني. فمثلاً إذا كنت مسروراً من سماعك لخبر يسرك لكن جاءك صديقك أو شريكك في الحياة وهو عكسك حزين جداً من موقف حصل له، فالذكاء الوجداني يجعلك تكتم سرورك وتتعاطف مع حزن الطرف الآخر وتظهر له أنك تفهم مشاعره.

فالشخص الذي يتمتع بالذكاء الوجداني العالي لديه وعي وإدراك لمشاعره، أي أن له القدرة على تمييز مشاعر الخوف من مشاعر الغضب من مشاعر الإحباط لديه، ولكن في الوقت نفسه لديه القدرة على ضبط هذه المشاعر وعدم بيانها في الوقت غير المناسب أو في المقدار المدمر للعلاقات الاجتماعية.

إذاً متى تكون التلقائية في السلوك مطلوبة، ومع من؟

في البداية يجب أن نعلم تعريف التلقائية في السلوك، حيث تعني السلوك الناتج عن الدافع أو الرغبة الداخلية الطبيعية من دون جهد أو سبق إصرار أو تخطيط مسبق.

إذاً هي في المشاعر الإيجابية جميلة جداً كابتسامة الطفل وضحكاته الطبيعية أو كشعور الانسان بالبهجة من رؤية مشاهد الطبيعة و«قدرته» على انعكاس هذه البهجة القلبية في سلوكه من دون تصنع أو تخطيط أو إصرار.

وكذلك في العلاقات الإنسانية «قدرة» الشخص في انعكاس مشاعره الايجابية من حب ومودة وتقدير تجاه الآخر من دون تصنع بالطبع يقوي العلاقة ويشد من وثاقها ويزيد من اطمئنان الطرف الآخر بها.

لكن التلقائية تشمل المشاعر والدوافع السلبية والإيجابية كلاهما... فكما تشمل الحب تشمل الكراهية أيضاً. وكما أن التلقائية في الحب توطد العلاقة بين الطرفين، التلقائية في الكراهية ستهدمها إذا كانت بين أشخاص يجب علينا أن نعيش معهم، مثل أم لا تشعر تجاه أبنائها بالدرجة نفسها من الحب... فلو مارست حبها بتلقائية يشعر معها الابن المحبوب بحبها والاخر بدرجة أقل من الحب، ستسبب لأبنائها مشاكل نفسية تستمر معهم مدى الحياة.

في النهاية ما يتم تداوله من تسويق للتلقائية في شكل مطلق، سواء في النصوص العربية أو الاجنبية غالباً، ليس عبارات علمية ناتجة عن دراسات في علم النفس، بل غالباً هي متداولة في علم النفس التجاري أو ما يُسمى بتطوير الذات. وهي في شكلها المطلق غير مطلوبة في علم النفس بل هي من أعراض بعض الاضطرابات النفسية. بل يجب ألاّ ننظر إلى هذه الصفات بشكل ثنائي إحداها هو الخير المطلق والثاني هو الشر المطلق، بل ننظر لكل سلوك في ظرفه الخاص ونمارسه حسب الظروف المناسبة وهكذا نكون أقرب إلى النضج النفسي والاجتماعي والعاطفي.

mosawi.75@gmail.com
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي