العلاج يكمن في المنهج الإسلامي القويم ودعوته إلى «الترشيد»
ولا تسرفوا...
لو ان كل متهور في قيادة سيارته فكر في ما قد يؤدي اليه هذا السلوك غير المسؤول لما اقدم عليه
عندما عزلنا الإسلام عن نظام حياتنا ولم نقم وزناً لنظامه ولم نطالب بتحكيمه فقدنا الرشاد والسداد في تسيير أمورنا
قضية «الإسراف» عجزت معظم المجتمعات البشرية عن مواجهتها ... لأنهم بحثوا عن حلول لها في غير مكانها الصحيح
لماذا لا نتعامل مع المال على أنه نعمة عظيمة تحتاج إلى تقدير وشُكر المُنعِم بإنفاقها باعتدال وفي ما أحلّه الله
الإفراط في السرعة والتهاون في حق الطريق وعدم الاكتراث بأرواح الناس... أخطر أنواع الإسراف على الإطلاق
نحن بحاجة إلى وعي إسلامي ونشر ثقافة إسلامية معاصرة لترشيد استهلاك الطاقة بدافع ذاتي مبعثه الشعور بالمسؤولية
قضية «الإسراف» عجزت معظم المجتمعات البشرية عن مواجهتها ... لأنهم بحثوا عن حلول لها في غير مكانها الصحيح
لماذا لا نتعامل مع المال على أنه نعمة عظيمة تحتاج إلى تقدير وشُكر المُنعِم بإنفاقها باعتدال وفي ما أحلّه الله
الإفراط في السرعة والتهاون في حق الطريق وعدم الاكتراث بأرواح الناس... أخطر أنواع الإسراف على الإطلاق
نحن بحاجة إلى وعي إسلامي ونشر ثقافة إسلامية معاصرة لترشيد استهلاك الطاقة بدافع ذاتي مبعثه الشعور بالمسؤولية
يُعرف النظام الاسلامي بأنه مجموعة الاحكام والقواعد التي شرعها الله سبحانه وتعالى لتنظيم اعمال الناس المتعددة. ولهذا النظام خصائص يتميز بها عن غيره من النظم بمختلف انواعها واشكالها، فهو نظام رباني، اي ان مصدره من وحي الله تعالى الى خاتم رسله وانبيائه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وهذه الخاصية لها مزايا عدة منها: خلوه من التناقض والجهل والهوى والتحيز والظلم، والرضا بالانقياد له والخضوع والاذعان لتعاليمه وأوامره ونواهيه.
أما الخاصية الثانية، فهي الشمول، وهو مايعني ان النظام الاسلامي يعالج وينظم جميع شؤون الحياة، فهو الضابط للسلوك في مختلف الميادين.
وتأتي الخاصية الثالثة التي يتميز بها النظام الاسلامي ممثلة في التوازن الذي ينعدم فيما سواه، فكما هو متوازن في تكليف المسلم بأداء العبادات والشعائر التعبدية، نراه متوازنا في التشريع الاقتصادي حينما تلتقي الفردية والجماعية في صورة رائعة تتوازن فيها مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة دون ان تطغى احداهما على الاخرى كما في الانظمة الوضعية.
هذه مقدمة لابد منها لتكون مدخلا لقضية اصبحت تشغل مجتمعاتنا العربية والاسلامية بشكل عام لما لها من آثار سلبية كبيرة ومتنوعة لانها قضية متشعبة وتتصل بحياة الناس بشكل مباشر وهي قضية «الاسراف»، التي عجزت معظم المجتمعات البشرية عن مواجهتها أو الحد منها او كبح جماحها لانهم تعاملوا معها بشيء من التهاون والاستهتار واللا مبالاة، او لانهم بحثوا عن حلول لها في غير مكانها الصحيح، وكان الاولى بهم ان يتجهوا الى منهجهم ونظامهم الاسلامي القويم ليجدوا علاج «الاسراف» وسلبياته تكمن في دعوة الاسلام الى «الترشيد» والاعتدال في الانفاق.
الإنفاق اللا معقول
الكثيرون منا ينفقون أموالا طائلة في شراء واقتناء اشياء لا يستفيدون منها تحت تأثير الاستجابة لفنون الاعلانات التجارية او لمجرد المباهاة والمفاخرة على الآخرين او لمجرد التقليد وأسباب كثيرة الكل يعرفها... لقد اندفع الى الشراء دون ان يسأل نفسه: لماذا يشتري هذه الاشياء؟ وهل هو في حاجة حقا؟ وماذا لو لم يشترها؟
وهل فكر وهو في حالة الهوس الانفاقي ان هناك من لم يجد ما يسد رمقه؟ هل تأمل حال فئات فقيرة من حوله لا تجد مأوى محترما تعيش فيه، فضلا عن حاجات المأكل والمشرب والملبس ومصاريف الصحة والتعليم؟ ألم يشعر بازدراء لقضية الانفاق اللامعقول، ويجد في نفسه رضا بحاله مقارنة مع غيره من هؤلاء؟
لماذا لا يتعامل مع المال على انه نعمة عظيمة من الله سبحانه وتعالى تحتاج الى تقدير وشكر المنعم بإنفاقها باعتدال وفي ما احله الله، ألم يعلم ان الاسلام نهى عن الاسراف والتبذير وذم الطغيان والترف في الانفاق؟
الإفراط في السرعة
ننتقل الى مثال آخر للاسراف، وهو الاسراف في ازهاق الارواح وتدمير المملتكات... انه الاسراف في قيادة السيارات والافراط في السرعة والتهاون في حق الطريق وعدم الاكتراث بأرواح الناس... وهذا النوع من الاسراف يعد الاخطر على الاطلاق لأن عواقبه وخيمة ومفجعة لأسر ضحايا حوادث السير والسرعة الزائدة عن الحد، وكذلك للمجتمع الذي يجب ان يكون له وقفة حازمة في مواجهة هذا الخطر الذي يهدد استقراره، ووقفة المجتمع لابد ان تكون تضامنية بين مؤسساته الرسمية والشعبية لترسيخ الوعي لدى افراده للحد من خطورة هذه الظاهرة التي تتفاقم يوما بعد يوم بسبب الاسراف والتهور في القيادة، ولو ان كل متهور في قيادة سيارته فكر في ما قد يؤدي اليه هذا السلوك غير المسؤول لما اقدم عليه، ولو فكر مرة في ان الاسلام يحرم على اتباعه تعريض الناس للخطر وإلحاق الاذى بهم كما امرنا الا نلقي بأيدينا الى التهلكة، وان نمتنع عن كل ما فيه ضرر او اذى لنا او لغيرنا، لو فكر في دمعة ام ثكلى فقدت ابنها... او زوجة فقدت زوجها... او اخ فقد اخاه... او ابن فقد اباه او امه... بسبب افراطه في السرعة وقيادة سيارته بتهور ولا مبالاة... لو فكر انه قد يحول انسانا من صحيح الى معاق او مشلول او طريح الفراش بقية حياته بسبب سلوكه هذا... ما اقدم عليه... ولأقلع عن اسرافه في السرعة وعاد الى رشده واعتداله وتوازنه... وليتنا نفعل!
أزمة المياه
أما النوع الثالث من الاسراف والذي يسبب ازمة حقيقية يشتكي العالم اجمع منها، وأصبحت تتصدر اولويات هموم سكان العالم خصوصا ان الخبراء يؤكدون انه بحلول العام (2025) ستعاني (48) دولة من نقص حاد في المياه ولن يجد نصف سكان الارض ما يكفيهم من المياه النظيفة وان الفقراء هم اول من سيعانون من نقص المياه وقد صدر منذ سنوات تقرير عن البنك الدولي حول ازمة المياه جاء فيه: ان (80) دولة في العالم تضم (40 في المئة) من سكانه مهددة بنقص المياه وان (80 في المئة) من امراض مواطني العالم الثالث سببها المياه الملوثة وان عشرة ملايين شخص يموتون سنويا بالاسباب نفسها وان هنالك مليار شخص من الدول النامية يعانون من نقص مياه الشرب.
والماء نعمة من اعظم النعم التي خص الله سبحانه وتعالى بها جميع الاحياء على وجه الارض، قال تعالى: «وجعلنا من الماء كل شيء حي» (الأنبياء 30). ولقد نشأت الحياة منذ بدء الخليقة الى ان تقوم الساعة مرتبطة بالماء عصب الحياة، وأهم مكون من مكوناتها، ولهذا ارتبط استقرار الانسان على وجه الارض وازدهار حضارته بالماء، وارتبطت الحضارات القديمة بمواقع مائية، وعرف بعضها بالمسمى المائي، مثل: حضارة ما بين النهرين، وحضارة وادي النيل، ودبت الحياة في مكة المكرمة بعد ان تفجر بئر زمزم استجابة لدعوة أبي الانبياء ابراهيم عليه السلام.
وقد اقام الاسلام منهجه في هذا الصدد على الامر بالتوسط والاعتدال في كل تصرفات الانسان، وأقام بناءه كله على الوسطية والتوازن والقصد.
فالاسراف يعتبر سببا من اسباب تدهور البيئة واستنزاف مواردها، ما يؤدي الى اهلاك الحرث والنسل وتدمير البيئة.
ترشيد الطاقة
نأتي الى موضوع الساعة والشغل الشاغل للمجتمع الكويتي بهيئاته ومؤسساته وأفراده، وهو زيادة معدلات استهلاك الكهرباء ووصول الاحمال الى الخط الاحمر، ناهيك عن ان انقطاع الكهرباء له اضرار عدة تتراوح وتتباين ما بين عدم القدرة على مواجهة حرارة الجو والرطوبة التي تسجل اعلى معدلات لها في هذه الايام، وما بين المرضى والذين يعانون ازمات صحية مزمنة، او تعريض الاسر والمطاعم وشركات التجهيزات الغذائية وأمثالها الى خسارة كبيرة بسبب انقطاع الكهرباء... والحديث عن اضرار انقطاع الكهرباء لا ينتهي... لكن في المقابل فإن الاسراف في استهلاك الكهرباء يؤدي الى كوارث اقتصادية وإنسانية وبيئية ولو اننا جميعا امتلكنا الوعي الكامل بمدى اهمية ترشيد استهلاك الكهرباء لجنبنا انفسنا ومجتمعنا كثيرا من هذه الكوارث.
على صعيد آخر، قد يؤدي الاسراف في استهلاك الكهرباء وعدم ترشيدها إلى وفاة مريض في غرفة العمليات، او مريض في العناية المركزة، عندما تنقطع الكهرباء فجأة عن الاجهزة الطبية المساعدة لابقاء المريض في حالة صحية ثابتة حتى الانتهاء من ازمته الصحية او العملية الجراحية التي تجرى له.
رؤية إسلامية
نعود إلى ما بدأنا به حديثنا لنبين بشكل عام كيف تعامل الاسلام مع قضية الاسراف والتبذير، وبداية يجب ان نوضح ان المنهج الاسلامي يرتبط بالغاية الاساسية من خلق الانسان وهي عبادة الله وعمارة الارض، وفي هذا المنهج فان الانسان هو سيد في الكون وليس سيدا للكون، ومن ثم ليس له ان يفصل ما يشاء، وعليه ان يراعي حقوق الآخرين.. ومن هنا جاءت رؤية الاسلام لقضية الاسراف ودعوته إلى الاعتدال والترشيد.
يقول الله تعالى: «وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً (26) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً» (الاسراء: 26-27).
وفي حديث المغيرة رضي الله عنه قال: سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله كره لكم ثلاثاً: قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال». رواه البخاري.
فالله سبحانه وتعالى ينهانا في كتابه العزيز عن الاسراف والتبذير وتجاوز الحد في الانفاق، وفي الوقت نفسه يدعونا إلى التوسط والاعتدال وهما ابرز خصائص الشريعة الاسلامية. قال الله تعالى: «ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسوراً».
وقال تعالى في صفات عباد الرحمن: (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً).
هذا هو ديننا، ينهانا عن الاسراف والتبذير، ويأمرنا بالاقتصاد والتوسط والاعتدال في الامور كلها، ولكن من المؤسف ان تغيب هذه الوسطية عن حياة كثير من الناس، فكم هم هؤلاء الذين تورطوا في الاسراف والتبذير؟ وكأنهم لم يقرأوا قول الله تعالى في كتابه الحكيم: (يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين).
أما الخاصية الثانية، فهي الشمول، وهو مايعني ان النظام الاسلامي يعالج وينظم جميع شؤون الحياة، فهو الضابط للسلوك في مختلف الميادين.
وتأتي الخاصية الثالثة التي يتميز بها النظام الاسلامي ممثلة في التوازن الذي ينعدم فيما سواه، فكما هو متوازن في تكليف المسلم بأداء العبادات والشعائر التعبدية، نراه متوازنا في التشريع الاقتصادي حينما تلتقي الفردية والجماعية في صورة رائعة تتوازن فيها مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة دون ان تطغى احداهما على الاخرى كما في الانظمة الوضعية.
هذه مقدمة لابد منها لتكون مدخلا لقضية اصبحت تشغل مجتمعاتنا العربية والاسلامية بشكل عام لما لها من آثار سلبية كبيرة ومتنوعة لانها قضية متشعبة وتتصل بحياة الناس بشكل مباشر وهي قضية «الاسراف»، التي عجزت معظم المجتمعات البشرية عن مواجهتها أو الحد منها او كبح جماحها لانهم تعاملوا معها بشيء من التهاون والاستهتار واللا مبالاة، او لانهم بحثوا عن حلول لها في غير مكانها الصحيح، وكان الاولى بهم ان يتجهوا الى منهجهم ونظامهم الاسلامي القويم ليجدوا علاج «الاسراف» وسلبياته تكمن في دعوة الاسلام الى «الترشيد» والاعتدال في الانفاق.
الإنفاق اللا معقول
الكثيرون منا ينفقون أموالا طائلة في شراء واقتناء اشياء لا يستفيدون منها تحت تأثير الاستجابة لفنون الاعلانات التجارية او لمجرد المباهاة والمفاخرة على الآخرين او لمجرد التقليد وأسباب كثيرة الكل يعرفها... لقد اندفع الى الشراء دون ان يسأل نفسه: لماذا يشتري هذه الاشياء؟ وهل هو في حاجة حقا؟ وماذا لو لم يشترها؟
وهل فكر وهو في حالة الهوس الانفاقي ان هناك من لم يجد ما يسد رمقه؟ هل تأمل حال فئات فقيرة من حوله لا تجد مأوى محترما تعيش فيه، فضلا عن حاجات المأكل والمشرب والملبس ومصاريف الصحة والتعليم؟ ألم يشعر بازدراء لقضية الانفاق اللامعقول، ويجد في نفسه رضا بحاله مقارنة مع غيره من هؤلاء؟
لماذا لا يتعامل مع المال على انه نعمة عظيمة من الله سبحانه وتعالى تحتاج الى تقدير وشكر المنعم بإنفاقها باعتدال وفي ما احله الله، ألم يعلم ان الاسلام نهى عن الاسراف والتبذير وذم الطغيان والترف في الانفاق؟
الإفراط في السرعة
ننتقل الى مثال آخر للاسراف، وهو الاسراف في ازهاق الارواح وتدمير المملتكات... انه الاسراف في قيادة السيارات والافراط في السرعة والتهاون في حق الطريق وعدم الاكتراث بأرواح الناس... وهذا النوع من الاسراف يعد الاخطر على الاطلاق لأن عواقبه وخيمة ومفجعة لأسر ضحايا حوادث السير والسرعة الزائدة عن الحد، وكذلك للمجتمع الذي يجب ان يكون له وقفة حازمة في مواجهة هذا الخطر الذي يهدد استقراره، ووقفة المجتمع لابد ان تكون تضامنية بين مؤسساته الرسمية والشعبية لترسيخ الوعي لدى افراده للحد من خطورة هذه الظاهرة التي تتفاقم يوما بعد يوم بسبب الاسراف والتهور في القيادة، ولو ان كل متهور في قيادة سيارته فكر في ما قد يؤدي اليه هذا السلوك غير المسؤول لما اقدم عليه، ولو فكر مرة في ان الاسلام يحرم على اتباعه تعريض الناس للخطر وإلحاق الاذى بهم كما امرنا الا نلقي بأيدينا الى التهلكة، وان نمتنع عن كل ما فيه ضرر او اذى لنا او لغيرنا، لو فكر في دمعة ام ثكلى فقدت ابنها... او زوجة فقدت زوجها... او اخ فقد اخاه... او ابن فقد اباه او امه... بسبب افراطه في السرعة وقيادة سيارته بتهور ولا مبالاة... لو فكر انه قد يحول انسانا من صحيح الى معاق او مشلول او طريح الفراش بقية حياته بسبب سلوكه هذا... ما اقدم عليه... ولأقلع عن اسرافه في السرعة وعاد الى رشده واعتداله وتوازنه... وليتنا نفعل!
أزمة المياه
أما النوع الثالث من الاسراف والذي يسبب ازمة حقيقية يشتكي العالم اجمع منها، وأصبحت تتصدر اولويات هموم سكان العالم خصوصا ان الخبراء يؤكدون انه بحلول العام (2025) ستعاني (48) دولة من نقص حاد في المياه ولن يجد نصف سكان الارض ما يكفيهم من المياه النظيفة وان الفقراء هم اول من سيعانون من نقص المياه وقد صدر منذ سنوات تقرير عن البنك الدولي حول ازمة المياه جاء فيه: ان (80) دولة في العالم تضم (40 في المئة) من سكانه مهددة بنقص المياه وان (80 في المئة) من امراض مواطني العالم الثالث سببها المياه الملوثة وان عشرة ملايين شخص يموتون سنويا بالاسباب نفسها وان هنالك مليار شخص من الدول النامية يعانون من نقص مياه الشرب.
والماء نعمة من اعظم النعم التي خص الله سبحانه وتعالى بها جميع الاحياء على وجه الارض، قال تعالى: «وجعلنا من الماء كل شيء حي» (الأنبياء 30). ولقد نشأت الحياة منذ بدء الخليقة الى ان تقوم الساعة مرتبطة بالماء عصب الحياة، وأهم مكون من مكوناتها، ولهذا ارتبط استقرار الانسان على وجه الارض وازدهار حضارته بالماء، وارتبطت الحضارات القديمة بمواقع مائية، وعرف بعضها بالمسمى المائي، مثل: حضارة ما بين النهرين، وحضارة وادي النيل، ودبت الحياة في مكة المكرمة بعد ان تفجر بئر زمزم استجابة لدعوة أبي الانبياء ابراهيم عليه السلام.
وقد اقام الاسلام منهجه في هذا الصدد على الامر بالتوسط والاعتدال في كل تصرفات الانسان، وأقام بناءه كله على الوسطية والتوازن والقصد.
فالاسراف يعتبر سببا من اسباب تدهور البيئة واستنزاف مواردها، ما يؤدي الى اهلاك الحرث والنسل وتدمير البيئة.
ترشيد الطاقة
نأتي الى موضوع الساعة والشغل الشاغل للمجتمع الكويتي بهيئاته ومؤسساته وأفراده، وهو زيادة معدلات استهلاك الكهرباء ووصول الاحمال الى الخط الاحمر، ناهيك عن ان انقطاع الكهرباء له اضرار عدة تتراوح وتتباين ما بين عدم القدرة على مواجهة حرارة الجو والرطوبة التي تسجل اعلى معدلات لها في هذه الايام، وما بين المرضى والذين يعانون ازمات صحية مزمنة، او تعريض الاسر والمطاعم وشركات التجهيزات الغذائية وأمثالها الى خسارة كبيرة بسبب انقطاع الكهرباء... والحديث عن اضرار انقطاع الكهرباء لا ينتهي... لكن في المقابل فإن الاسراف في استهلاك الكهرباء يؤدي الى كوارث اقتصادية وإنسانية وبيئية ولو اننا جميعا امتلكنا الوعي الكامل بمدى اهمية ترشيد استهلاك الكهرباء لجنبنا انفسنا ومجتمعنا كثيرا من هذه الكوارث.
على صعيد آخر، قد يؤدي الاسراف في استهلاك الكهرباء وعدم ترشيدها إلى وفاة مريض في غرفة العمليات، او مريض في العناية المركزة، عندما تنقطع الكهرباء فجأة عن الاجهزة الطبية المساعدة لابقاء المريض في حالة صحية ثابتة حتى الانتهاء من ازمته الصحية او العملية الجراحية التي تجرى له.
رؤية إسلامية
نعود إلى ما بدأنا به حديثنا لنبين بشكل عام كيف تعامل الاسلام مع قضية الاسراف والتبذير، وبداية يجب ان نوضح ان المنهج الاسلامي يرتبط بالغاية الاساسية من خلق الانسان وهي عبادة الله وعمارة الارض، وفي هذا المنهج فان الانسان هو سيد في الكون وليس سيدا للكون، ومن ثم ليس له ان يفصل ما يشاء، وعليه ان يراعي حقوق الآخرين.. ومن هنا جاءت رؤية الاسلام لقضية الاسراف ودعوته إلى الاعتدال والترشيد.
يقول الله تعالى: «وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً (26) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً» (الاسراء: 26-27).
وفي حديث المغيرة رضي الله عنه قال: سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله كره لكم ثلاثاً: قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال». رواه البخاري.
فالله سبحانه وتعالى ينهانا في كتابه العزيز عن الاسراف والتبذير وتجاوز الحد في الانفاق، وفي الوقت نفسه يدعونا إلى التوسط والاعتدال وهما ابرز خصائص الشريعة الاسلامية. قال الله تعالى: «ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسوراً».
وقال تعالى في صفات عباد الرحمن: (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً).
هذا هو ديننا، ينهانا عن الاسراف والتبذير، ويأمرنا بالاقتصاد والتوسط والاعتدال في الامور كلها، ولكن من المؤسف ان تغيب هذه الوسطية عن حياة كثير من الناس، فكم هم هؤلاء الذين تورطوا في الاسراف والتبذير؟ وكأنهم لم يقرأوا قول الله تعالى في كتابه الحكيم: (يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين).