أطفال حكموا العالم
محمد الفاتح... سلطان شاب على عرش القسطنطينية / 28
محمد الفاتح
ضريح محمد الفاتح
| القاهرة - من نعمات مجدي |
«هل حكم أطفال أو صغار؟» وهل تقلدوا زمام الأمور ومقاليد الحكم في بلدانهم؟
سؤال قد تكون الاجابة عليه لـ «الوهلة الأولى» لا، أو لا نعرف أو قد لكن من ومتى وأين؟
ونحن نقلب في أوراق قديمة جدا أو قديمة فقط، أو حتى حديثة، كانت المفاجآت تتوالى تباعا حيث اتضح أن الكثير من هؤلاء بالفعل حكموا وصالوا وجالوا وأيضا أخطأوا وارتكبوا مخالفات أثرت على شعوبهم.
ونحن نقلب في أوراق مختلفة أتضح أن كثيرا من المجتمعات «شمالية وجنوبية شرقية وغربية» حكمت من خلال أطفال وفتيان وشبان صغار.
وجدنا هذا في الممالك القديمة «مصر والعراق» ووجدناه في العصر الإسلامي ووجدناه في أوروبا وآسيا وغيرهما.
عثرنا على ما يؤكد أن طفلا في السابعة «حكم» وأن أكبر منه بسنوات قليلة قاد بلده وأن من هم في العشرين «كثر» تقلدوا زمام الأمور.
الأمر مع غرابته لا يخلو حتما من الطرائف والعجائب والمواقف الساخنة والمعارك المشتعلة حتى إن هذه الأمور حفرت في ذاكرة الشعوب أو في مجلدات تراثية.
«الراي» قلبت كثيرا في أوراق تراثية وقديمة ومتوسطة وحديثة واقتربت من حكايات غريبة وعجيبة مع أطفال وصغار وشبان حكموا وفي السطور التالية تفاصيل كثيرة.
شاءت الأقدار... أن يكون السلطان العثماني محمد الفاتح هو صاحب البشارة التي بشر بها النبي «صلى الله عليه وسلم» في حديثه: «لتفتحن القسطنطينية فلنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش».
هو السلطان محمد الثاني الذي انتظره المسلمون «8» قرون ونصف قرن... حتى فتحت القسطنطينية على يديه بعد محاولات جادة منذ عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه «32 هـ ـ 652م»،وازدادت إصرارا في عهد معاوية بن أبي سفيان «رضي الله عنه» في مرتين عامي 666 و679م واشتعلت طموحا في عهد سليمان بن عبدالملك الخليفة الأموي سنة «719م».
ولكن هذه المحاولات لم يكتب لها النجاح إلا في عهدي السلطان محمد الثاني والسابع في سلسلة حكام آل عثمان والذي لقب بالفاتح وأبي الخيرات.
نشأته
ولد السلطان محمد الفاتح في «27 من رجب 835 هـ ـ الموافق 30 من مارس 1432م»... ونشأ في كنف أبيه السلطان «مراد الثاني»... سابع سلاطين الدولة العثمانية الذي تعهده بالرعاية والتعليم ليكون جديرا بالسلطنة والنهوض بمسؤوليتها.
فأتم حفظ القرآن وقرأ الحديث وتعلم الفقه، ودرس الرياضيات والفلك وأمور الحرب وإلى جانب ذلك تعلم العربية والفارسية واللاتينية واشترك مع أبيه السلطان مراد في حروبه وغزواته وهو في السابعة من عمره.
ثم عهد إليه أبوه بإمارة مغنيسيا وهو صغير السن لا يتعدى 15 عاما ليتدرب على شؤون الدولة وتسيير أمورها... تحت إشراف مجموعة من كبار علماء عصره مثل الشيخ «آق شمس الدين» و«المُلا الكوراني» وهو ما أثر في تكوين شخصية الأمير الصغير وبناء اتجاهاته الفكرية والثقافية بناء إسلاميا صحيحا.
وقد نجح الشيخ «آق شمس الدين» في أن يبث في روح الأمير محمد الفاتح حب الجهاد والتطلع إلى معالي الأمور وأن يلمح له بأنه المقصود ببشارة النبي «صلى الله عليه وسلم» فشب طامح النفس عالي الهمة وافر الثقافة رهيف الحس والشعور، أديبا شاعرا فضلا عن إلمامه بشؤون الحرب والسياسة.
وفاة الأب
تولى محمد الفاتح حكم الدولة العثمانية بعد وفاة أبيه وكان ذلك في 5 من المحرم 855 هـ ـ الموافق 7 من فبراير 1451م وكان عمره آنذاك 22 سنة.
ولقد امتاز السلطان محمد الفاتح وهو طفل بشخصية فذة جمعت بين القوة والعدل، كما أنه فاق أقرانه منذ حداثته في كثير من العلوم التي كان يتلقاها في مدرسة الأمراء وخاصة معرفته لكثير من لغات عصره وميله الشديد لدراسة كتب التاريخ ما ساعده فيما بعد على إبراز شخصيته في الإدارة وميادين القتال.
حتى إنه اشتهر أخيرا في التاريخ بلقب محمد الفاتح لفتحه القسطنطينية... وبالرغم من صغر سن السلطان محمد الثاني إلا أنه كان يعي الأمور بشكل عقلاني وكأنه خبير محنك في الحروب العسكرية فاهتم كثيرا بالأمور المالية وعمل على تحديد موارد الدولة وطرق الصرف منها بشكل يمنع الإسراف والبذخ أو الترف.
وكذلك ركز على تطوير كتائب الجيش وأعاد تنظيمها ووضع سجلات خاصة بالجند وزاد من مرتباتهم وأمدهم بأحدث الأسلحة المتوافرة في ذلك العصر.
فتح القسطنطينية
تعد القسطنطينية من أهم المدن العالمية... التي تأسست العام 330 م... على يد الإمبراطور البيزنطي قسطنطين الأول وقد كان لها موقع عالمي فريد حتى قيل عنها «لو كانت الدنيا مملكة واحدة لكانت القسطنطينية أصلح المدن لتكون عاصمة لها».
ومنذ تأسيسها اتخذها البيزنطيون عاصمة لهم وهي من أكبر المدن في العالم ومن أهمها، وعندما دخل المسلمون في جهاد مع الدولة البيزنطية وكان لهذه المدينة مكانتها الخاصة من ذلك الصراع،
سلاجقة الروم
وفي مطلع القرن الثامن الهجري ـ الرابع عشر الميلادي ـ خلف العثمانيون سلاجقة الروم وتجددت المحاولات الإسلامية لفتح القسطنطينية، وكانت البداية حين جرت محاولة لفتحها في أيام السلطان بايزيد «الصاعقة» الذي تمكنت قواته من محاصرتها بقوة سنة «796 هـ ـ 1393م».
وأخذ السلطان بايزيد يسحب قواته ويفك الحصار عن القسطنطينية لمواجهة المغول بنفسه ومعه بقية القوات العثمانية حيث دارت بين الطرفين معركة أنقرة الشهيرة والتي أسرفيها بايزيد الصاعقة ثم مات بعد ذلك في الأسر سنة 1402م وكان نتيجة ذلك أن تفككت الدولة العثمانية موقتا، وتوقف التفكير في فتح القسطنطينية إلى حين.
وما إن استقرت الأحوال في الدولة... حتى عادت روح الجهاد من جديد ففي أيام السلطان مراد الثاني الذي تولى الحكم في الفترة من «1421 هـ إلى 1451م» جرت عدة محاولات لفتح القسطنطينية وتمكنت جيوش العثمانيين في أيامه من محاصرتها أكثر من مرة.
وكان الإمبراطور البيزنطي أثناء تلك المحاولات يعمل على إيقاع الفتنة في صفوف العثمانيين بدعم الخارجين على السلطات بهذه الطريقة نجح في إشغاله عن هدفه الذي حرص عليه، فلم يتمكن العثمانيون من تحقيق ما كانوا يطمحون إليه إلا في زمن ابنه محمد الفاتح.
كان محمد الفاتح يمارس الأعمال السلطانية في حياة أبيه ومنذ تلك الفترة وهو يعايش صراع الدولة البيزنطية في الظروف المختلفة، كما كان على اطلاع تام بالمحاولات العثمانية السابقة لفتح القسطنطينية بل ويعلم بما سبقها لفتح القسطنطينية بل ويعلم بما سبقها من محاولات متكررة في العصور الإسلامية المختلفة.
وبالتالي فمنذ أن تولى السلطة العثمانية سنة «855 هـ الموافق 1451م» كان يتطلع إلى فتح القسطنطينية ويفكر في فتحها، ولقد ساهمت تربية العلماء على تنشئته على حب الإسلام والإيمان والعمل بالقرآن والسنة ولذلك نشأ على حب الالتزام بالشريعة الإسلامية واتصف منذ طفولته بالتقى والروع، ومحبا للعلم والعلماء ومشجعا على نشر العلوم.
لقد تأثر محمد الفاتح بالعلماء الربانيين منذ طفولته ومن أهم العالم الرباني «أحمد بن إسماعيل الكوراني» المشهود له بالفضيلة التامة، وكان مدرسة في عهد السلطان «مراد الثاني» والد الفاتح.
وفي ذلك الوقت كان محمد الثاني الفاتح أميرا في بلدة «مغنيسيا» وقد أرسل إليه والده عددا من المعلمين ولم يمتثل لأمرهم، ولم يقرأ شيئا حتى إنه لم يختم القرآن الكريم، فطلب السلطان المذكور رجلا له مهابة وحدة، فذكروا له المولى «الكوراني» فجعله معلما لولده وأعطاه قضيبا يضربه به إذا خالف أمره.
فذهب إليه فدخل عليه والقضيب بيده فقال «أرسلني والدك للتعليم والضرب إذا خالفت أمري» فضحك السلطان محمد خان من ذلك الكلام فضربه المولى الكوراني في ذلك المجلس ضربا شديدا... حتى خاف منه السلطان محمد خان، وختم القرآن في مدة يسيرة.
الإعداد للفتح
بذل السلطان محمد الثاني جهودا كثيرة للتخطيط والترتيب لفتح القسطنطينية وتقوية الجيش العثماني بالقوى البشرية حتى وصل تعداده إلى قرابة ربع مليون مجاهد وهذا العدد يعتبر كبيرا جدا مقارنة بجيوش الدول في تلك الفترة.
كما عني عناية خاصة بتدريب تلك الجموع على فنون القتال المختلفة وبمختلف أنواع الأسلحة التي تؤهلهم للعملية الجهادية المنتظرة، كما اعتنى الفاتح بإعدادهم إعدادا معنويا قويا وغرس فيهم روح الجهاد الذي تعلمه منذ طفولته وتذكيرهم بثناء الرسول «صلى الله عليه وسلم» على الجيش الذي يفتح القسطنطينية وعسى أن يكونوا هم الجيش المقصود بذلك ما أعطاهم قوة معنوية وشجاعة منقطعة النظير.
كما كان لانتشار العلماء بين الجنود أثر كبير في تقوية عزائم الجنود وربطهم بالجهاد الحقيقي... وقد اعتنى السلطان محمد الفاتح بإقامة قلعة «روملي حصار» في الجانب الأوروبي على مضيق البسفور في أضيق نقطة منه مقابل القاعة التي أسست في عهد السلطان بايزيد في البر الآسيوي.
وقد حاول الإمبراطور البيزنطي إثناء السلطان الفاتح عن بناء القلعة مقابل التزامات مالية تعهد بها إلا أن الفاتح أصر على البناء لما يعلمه من أهمية عسكرية لهذا الموقع حتى اكتملت قلعة عالية وصل ارتفاعها إلى 82 مترا وأصبحت القلعتان متقابلتين ولا يفصل بينهما سوى 660 مترا تتحكمان في عبور السفن من شرقي البسفور إلى غربيه وتستطيع النيران بمدافعهما منع أي سفينة من الوصول إلى القسطنطينية من المناطق التي تقع شرقها مثل مملكة طرابزون وغيرها من الأماكن التي تستطيع دعم المدينة عند الحاجة.
وقد اهتم السلطان محمد الفاتح بجمع الأسلحة اللازمة لفتح القسطنطينية من خلال الاستعانة بمهندس مجري يدعى «أوربان» كان بارعا في صناعة المدافع فأحسن استقباله ووفر له جميع الإمكانيات المادية والبشرية.
وقد تمكن أوربان من تصميم وتنفيذ العديد من المدافع الضخمة كان على رأسها المدفع السلطاني المشهور والذي ذكر أن وزنه يصل إلى مئات الأطنان وأنه يحتاج إلى مئات الثيران القوية لتحريكه وقد أشرف السلطان بنفسه على صناعة هذه المدافع وتجريبها.
بالرغم من أن الفاتح كان صغيرا... إلا أنه كان يمتلك الخبرة والحنكة فلم يتشبث برأيه فقبل هجومه على القسطنطينية قام بعقد معاهدات مع أعدائه المختلفين ليتفرغ لعدو واحد، فعقد معاهدة مع «إمارة غلطة» المجاورة للقسطنطينية من الشرق ويفصل بينهما مضيق القرن الذهبي.
كما عقد معاهدات مع المجر والبندقية وهما من «الإمارات الأوروبية» المجاورة ولكن هذه المعاهدات لم تصمد... حينما بدأ الهجوم الفعلي على القسطنطينية حيث وصلت قوات من تلك المدن وغيرها للمشاركة في الدفاع عن القسطنطينية مشاركة لبني عقيدتهم من النصارى متناسين عهودهم ومواثيقهم مع المسلمين.
وفي هذه الأثناء التي كان السلطان يعد العدة فيها للفتح استمات الإمبراطور البيزنطي في محاولته ليثنيه عن هدفه بتقديم الأموال والهدايا المختلفة إليه وبمحاولة رشوة بعض مستشاريه ليؤثروا على قراره ولكن السلطان كان عازما على تنفيذ مخططه ولم تثنه هذه الأمور عن هدفه ولما رأى الامبراطور البيزنطي شدة عزيمة السلطان على تنفيذ هدفه عمد إلى طلب المساعدات من مختلف الدول والمدن الأوروبية وعلى رأسها البابا زعيم المذهب الكاثوليكي في الوقت الذي كانت فيه كنائس الدولة البيزنطية وعلى رأسها القسطنطينية تابعة للكنيسة الأرثوذكية وكان بينهما عداء شديد.
وقد اضطر الإمبراطور لمجاملة البابا بأن يتقرب إليه ويظهر له استعداده للعمل على توفير الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية... لتصبح خاضعة له في الوقت الذي لم يكن الأرثوذكس يرغبون في ذلك.
وقد قام البابا بناء على ذلك بإرسال مندوب عنه إلى القسطنطينية وخطب في كنيسة أيا صوفيا ودعا للبابا وأعلن توحيد الكنيستين ما أغضب جمهور الأرثوذكس في المدينة وجعلهم يقومون بحركة مضادة لهذ ا العمل الإمبراطوري الكاثوليكي المشترك حتى قال بعض زعماء الأرثوذكس «إنني أفضل أن أشاهد في ديار البيزنط عمائم الترم على أن أشاهد القبعة اللاتينية».
لحظة الهجوم
كانت القسطنطينية محاطة بالمياه البحرية من «3» جبهات «مضيق البسفور ـ بحر مرمرة ـ القرن الذهبي» الذي كان محميا بسلسلة ضخمة جدا تتحكم في دخول السفن إليه، بالإضافة إلى ذلك فإن خطين من الأسوار كانت تحيط بها من الناحية البرية من شاطئ بحر مرمرة إلى القرن الذهبي يتخللها نهر ليكوس وكان بين السورين فضاء يبلغ عرضه 60 قدما ويرتفع السور الداخلي منها 40 قدما أما السور الخارجي فيبلغ ارتفاعه قرابة 25 قدما وبذلك فإن المدينة من الناحية العسكرية تعد من أفضل مدن العالم تحصينا لما عليها من الأسوار والقلاع والحصون.
إضافة إلى التحصينات الطبيعية وبالتالي فإنه يصعب اختراقها ولذلك فقد استعصت على عشرات المحاولات العسكرية لاقتحامها ومنها إحدى عشرة محاولة إسلامية سابقة كان السلطان الفاتح يكمل استعدادات القسطنطينية ويعرف أخبارها ويجهز الخرائط اللازمة لحصارها.
كما كان يقوم بنفسه بزيارات استطلاعية يشاهد فيها استحكامات القسطنطينية لكي تكون صالحة لجر المدافع العملاقة خلالها إلى القسطنطينية.
وقد تحركت المدافع من أدرنة إلى قرب القسطنطينية مدة شهرين حيث تمت حمايتها بقسم من الجيش حتى وصلت الأجناد العثمانية يقودها الفاتح بنفسه إلى مشارف القسطنطينية في يوم الخميس 26 ربيع الأول «857 هـ الموافق 1453م» فجمع الجند وكانوا قرابة 250 ألف جندي.
فخطب فيهم خطبة قوية حثهم فيها على الجهاد وطلب النصر أو الشهادة وذكرهم فيها بالتضحية وصدق القتال عند اللقاء وقرأ عليهم الآيات القرآنية التي تحث على ذلك كما ذكر لهم بعض الأحاديث النبوية التي تبشر بفتح القسطنطينية وفضل الجيش الفاتح لها وأجره وما في فتحها من عز للإسلام والمسلمين وقد بادر الجيش بالتهليل والتكبير.
وفي اليوم التالي... قام السلطان بتوزيع جيشه البري أمام الأسوار الخارجية للمدينة مشكلا ثلاثة أقسام رئيسية تمكنت من إحكام الحصار البري حول مختلف الجهات.
وفي هذه الأثناء أقام السلطان محمد الفاتح خطة من خلال وضع جيوش احتياطية خلف الجيوش الرئيسية وعمل على نصب المدفع أمام الأسوار ومن أهمها المدفع السلطاني العملاق الذي أقيم أمام باب طب قابي.
وحرص على وضع فرق للمراقبة في مختلف المواقع المرتفعة والقريبة من المدينة وفي نفس الوقت انتشرت السفن العثمانية في المياه المحيطة بالمدينة إلا أنها لم تستطع الوصول إلى القرن الذهبي بسبب وجود السلسلة الضخمة التي منعت أي سفينة من دخوله بل وتدمير كل سفينة تحاول الاقتراب واستطاع الأسطول العثماني أن تستولى على جزر الأمراء في بحر مرمرة.
حاول البيزنطيون أن يبذلوا قصارى جهدهم للدفاع عن القسطنطينية ووزعوا الجنود على الأسوار وأحكموا التحصينات وأحكم الجيش العثماني قبضته على المدينة ولم يخل الأمر من وقوع قتال بين العثمانيين المهاجمين والبيزنطنيين المدافعين منذ الأيام الأولى للحصار.
كانت المدفعية العثمانية تطلق مدافعها من مواقع مختلفة نحو المدينة وكان لقذائفها ولصوتها الرهيب دور كبير في إيقاع الرعب في قلوب البيزنطيين وقد تمكنت من تحطيم بعض الأسوار حول المدينة ولكن المدافعين كانوا سرعان ما يعيدون بناء الأسوار وترميمها.
ولم تنقطع المساعدات المسيحية من أوروبا ووصلت إمدادات من جنوب مسكونة من خمس سفن كان يقودها القائد الجنوبي جوستنيان يرافقه 700 مقاتل متطوع من دول أوروبية متعددة استطاعت سفنهم أن تصل إلى العاصمة البيزنطية العتيقة بعد مواجهة بحرية مع السفن العثمانية المحاصرة للمدينة.
وكان لوصول هذه القوة أثر كبير في رفع معنويات البيزنطيين وقد عين قائدها جوستنيان قائدا للقوات المدافعة عن المدينة.
مفاوضات الفاتح وقسطنطين
استبسل العثمانيون المهاجمون على المدينة، وعلى رأسهم محمد الفاتح وصمد البيزنطيون بقيادة قسطنطين صمودا بطوليا في الدفاع، وحاول الإمبراطور البيزنطي أن يخلص مدينته وشعبه بكل ما يستطيع من حيلة فقدم عروضا مختلفة للسلطان ليغريه بالانسحاب مقابل الأموال أو الطاعة أو غير ذلك من العروض التي قدمها.
ولكن الفاتح رد بالمقابل مطالبا بتسليم المدينة كاملة وأنه في هذه الحالة لن يتعرض أحد من أهلها ولا كنائسها للأذى.
وكان مضمون الرسالة: «فليسلم لي إمبراطوركم مدينة القسطنطينية وأقسم بأن جيشي لن يتعرض لأحد في نفسه وماله وعرضه ومن شاء بقي في المدينة وعاش فيها في أمن وسلام... ومن شاء رحل عنها حيث أراد في أمن وسلام أيضا».
كان الحصار لايزال ناقصا ببقاء «مضيق القرن الذهبي» في ايدي البحرية البيزنطية ومع ذلك فإن الهجوم العثماني كان مستمرا دون هوادة حيث أظهر جنود الإنكشارية شجاعة فائقة وبسالة نادرة فكانوا يقدمون على الموت دون خوف في أعقاب كل قصف مدفعي وفي يوم 18 أبريل تمكنت المدافع العثمانية من فتح ثغرة في الأسوار البيزنطية عند «وادي ليكوس» في الجزء الغربي من الأسوار.
فاندفع إليها الجنود العثمانيون بكل بسالة محاولين اقتحام المدينة من الثغرة، كما حاولوا اقتحام الأسوار الأخرى بالسلالم التي تسلقوا عليها ولكن المدافعين عن المدينة بقيادة جوستنيان استماتوا في الدفاع عن الثغرة والأسوار.
واشتد القتال بين الطرفين وكانت الثغرة ضيقة وكثرت السهام والنبال والمقذوفات على الجنود المسلمين، ومع ضيق المكان وشدة مقاومة الأعداء وحلول الظلام أصدر الفاتح أوامره للمهاجمين بالانسحاب بعد أن أثاروا الرعب في قلوب أعدائهم متحينين فرصة أخرى للهجوم.
ما بعد «الفتح»
بعد إتمام هذا الفتح الذي حققه محمد الثاني وهو لايزال شابا لم يتجاوز الخامسة والعشرين... وكان هذا من آيات نبوغه العسكري المبكر اتجه إلى استكمال الفتوحات في بلاد البلقان، ففتح بلاد الصرب سنة «863 هـ ـ 1459 م» وبلاد المورة «1460م» وبلاد الأفلاق والبغدان «رومانيا» ـ 1462 م ـ وألبانيا بين عامي «1463 ـ 1479» وبلاد البوسنة والهرسك بين عامي «1463 ـ 1465» ودخل في حرب شرسة مع المجر سنة 1476م كما اتجهت أنظاره إلى آسيا الصغرى ففتح طرابزون سنة «866 هـ ـ 1461م».
وكان الفاتح منذ أن كان صغيرا... يحلم بأن يكون إمبراطورا على روما وأن يجمع فخارا جديدا إلى جانب فتحه القسطنطينية عاصمة الدولة البيزنطية ولكي يحقق هذا الأمل الطموح كان عليه أن يفتح إيطاليا... فأعد لذلك عدته وجهز أسطولا عظيما تمكن من إنزال قواته وعدد كبير من مدافعه بالقرب من مدينة «أوترانت» ونجحت تلك القوات في الاستيلاء على قلعتها وذلك في جمادى الأولى «885 هـ ـ يوليو 1480م»... ولذلك بقية.
«هل حكم أطفال أو صغار؟» وهل تقلدوا زمام الأمور ومقاليد الحكم في بلدانهم؟
سؤال قد تكون الاجابة عليه لـ «الوهلة الأولى» لا، أو لا نعرف أو قد لكن من ومتى وأين؟
ونحن نقلب في أوراق قديمة جدا أو قديمة فقط، أو حتى حديثة، كانت المفاجآت تتوالى تباعا حيث اتضح أن الكثير من هؤلاء بالفعل حكموا وصالوا وجالوا وأيضا أخطأوا وارتكبوا مخالفات أثرت على شعوبهم.
ونحن نقلب في أوراق مختلفة أتضح أن كثيرا من المجتمعات «شمالية وجنوبية شرقية وغربية» حكمت من خلال أطفال وفتيان وشبان صغار.
وجدنا هذا في الممالك القديمة «مصر والعراق» ووجدناه في العصر الإسلامي ووجدناه في أوروبا وآسيا وغيرهما.
عثرنا على ما يؤكد أن طفلا في السابعة «حكم» وأن أكبر منه بسنوات قليلة قاد بلده وأن من هم في العشرين «كثر» تقلدوا زمام الأمور.
الأمر مع غرابته لا يخلو حتما من الطرائف والعجائب والمواقف الساخنة والمعارك المشتعلة حتى إن هذه الأمور حفرت في ذاكرة الشعوب أو في مجلدات تراثية.
«الراي» قلبت كثيرا في أوراق تراثية وقديمة ومتوسطة وحديثة واقتربت من حكايات غريبة وعجيبة مع أطفال وصغار وشبان حكموا وفي السطور التالية تفاصيل كثيرة.
شاءت الأقدار... أن يكون السلطان العثماني محمد الفاتح هو صاحب البشارة التي بشر بها النبي «صلى الله عليه وسلم» في حديثه: «لتفتحن القسطنطينية فلنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش».
هو السلطان محمد الثاني الذي انتظره المسلمون «8» قرون ونصف قرن... حتى فتحت القسطنطينية على يديه بعد محاولات جادة منذ عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه «32 هـ ـ 652م»،وازدادت إصرارا في عهد معاوية بن أبي سفيان «رضي الله عنه» في مرتين عامي 666 و679م واشتعلت طموحا في عهد سليمان بن عبدالملك الخليفة الأموي سنة «719م».
ولكن هذه المحاولات لم يكتب لها النجاح إلا في عهدي السلطان محمد الثاني والسابع في سلسلة حكام آل عثمان والذي لقب بالفاتح وأبي الخيرات.
نشأته
ولد السلطان محمد الفاتح في «27 من رجب 835 هـ ـ الموافق 30 من مارس 1432م»... ونشأ في كنف أبيه السلطان «مراد الثاني»... سابع سلاطين الدولة العثمانية الذي تعهده بالرعاية والتعليم ليكون جديرا بالسلطنة والنهوض بمسؤوليتها.
فأتم حفظ القرآن وقرأ الحديث وتعلم الفقه، ودرس الرياضيات والفلك وأمور الحرب وإلى جانب ذلك تعلم العربية والفارسية واللاتينية واشترك مع أبيه السلطان مراد في حروبه وغزواته وهو في السابعة من عمره.
ثم عهد إليه أبوه بإمارة مغنيسيا وهو صغير السن لا يتعدى 15 عاما ليتدرب على شؤون الدولة وتسيير أمورها... تحت إشراف مجموعة من كبار علماء عصره مثل الشيخ «آق شمس الدين» و«المُلا الكوراني» وهو ما أثر في تكوين شخصية الأمير الصغير وبناء اتجاهاته الفكرية والثقافية بناء إسلاميا صحيحا.
وقد نجح الشيخ «آق شمس الدين» في أن يبث في روح الأمير محمد الفاتح حب الجهاد والتطلع إلى معالي الأمور وأن يلمح له بأنه المقصود ببشارة النبي «صلى الله عليه وسلم» فشب طامح النفس عالي الهمة وافر الثقافة رهيف الحس والشعور، أديبا شاعرا فضلا عن إلمامه بشؤون الحرب والسياسة.
وفاة الأب
تولى محمد الفاتح حكم الدولة العثمانية بعد وفاة أبيه وكان ذلك في 5 من المحرم 855 هـ ـ الموافق 7 من فبراير 1451م وكان عمره آنذاك 22 سنة.
ولقد امتاز السلطان محمد الفاتح وهو طفل بشخصية فذة جمعت بين القوة والعدل، كما أنه فاق أقرانه منذ حداثته في كثير من العلوم التي كان يتلقاها في مدرسة الأمراء وخاصة معرفته لكثير من لغات عصره وميله الشديد لدراسة كتب التاريخ ما ساعده فيما بعد على إبراز شخصيته في الإدارة وميادين القتال.
حتى إنه اشتهر أخيرا في التاريخ بلقب محمد الفاتح لفتحه القسطنطينية... وبالرغم من صغر سن السلطان محمد الثاني إلا أنه كان يعي الأمور بشكل عقلاني وكأنه خبير محنك في الحروب العسكرية فاهتم كثيرا بالأمور المالية وعمل على تحديد موارد الدولة وطرق الصرف منها بشكل يمنع الإسراف والبذخ أو الترف.
وكذلك ركز على تطوير كتائب الجيش وأعاد تنظيمها ووضع سجلات خاصة بالجند وزاد من مرتباتهم وأمدهم بأحدث الأسلحة المتوافرة في ذلك العصر.
فتح القسطنطينية
تعد القسطنطينية من أهم المدن العالمية... التي تأسست العام 330 م... على يد الإمبراطور البيزنطي قسطنطين الأول وقد كان لها موقع عالمي فريد حتى قيل عنها «لو كانت الدنيا مملكة واحدة لكانت القسطنطينية أصلح المدن لتكون عاصمة لها».
ومنذ تأسيسها اتخذها البيزنطيون عاصمة لهم وهي من أكبر المدن في العالم ومن أهمها، وعندما دخل المسلمون في جهاد مع الدولة البيزنطية وكان لهذه المدينة مكانتها الخاصة من ذلك الصراع،
سلاجقة الروم
وفي مطلع القرن الثامن الهجري ـ الرابع عشر الميلادي ـ خلف العثمانيون سلاجقة الروم وتجددت المحاولات الإسلامية لفتح القسطنطينية، وكانت البداية حين جرت محاولة لفتحها في أيام السلطان بايزيد «الصاعقة» الذي تمكنت قواته من محاصرتها بقوة سنة «796 هـ ـ 1393م».
وأخذ السلطان بايزيد يسحب قواته ويفك الحصار عن القسطنطينية لمواجهة المغول بنفسه ومعه بقية القوات العثمانية حيث دارت بين الطرفين معركة أنقرة الشهيرة والتي أسرفيها بايزيد الصاعقة ثم مات بعد ذلك في الأسر سنة 1402م وكان نتيجة ذلك أن تفككت الدولة العثمانية موقتا، وتوقف التفكير في فتح القسطنطينية إلى حين.
وما إن استقرت الأحوال في الدولة... حتى عادت روح الجهاد من جديد ففي أيام السلطان مراد الثاني الذي تولى الحكم في الفترة من «1421 هـ إلى 1451م» جرت عدة محاولات لفتح القسطنطينية وتمكنت جيوش العثمانيين في أيامه من محاصرتها أكثر من مرة.
وكان الإمبراطور البيزنطي أثناء تلك المحاولات يعمل على إيقاع الفتنة في صفوف العثمانيين بدعم الخارجين على السلطات بهذه الطريقة نجح في إشغاله عن هدفه الذي حرص عليه، فلم يتمكن العثمانيون من تحقيق ما كانوا يطمحون إليه إلا في زمن ابنه محمد الفاتح.
كان محمد الفاتح يمارس الأعمال السلطانية في حياة أبيه ومنذ تلك الفترة وهو يعايش صراع الدولة البيزنطية في الظروف المختلفة، كما كان على اطلاع تام بالمحاولات العثمانية السابقة لفتح القسطنطينية بل ويعلم بما سبقها لفتح القسطنطينية بل ويعلم بما سبقها من محاولات متكررة في العصور الإسلامية المختلفة.
وبالتالي فمنذ أن تولى السلطة العثمانية سنة «855 هـ الموافق 1451م» كان يتطلع إلى فتح القسطنطينية ويفكر في فتحها، ولقد ساهمت تربية العلماء على تنشئته على حب الإسلام والإيمان والعمل بالقرآن والسنة ولذلك نشأ على حب الالتزام بالشريعة الإسلامية واتصف منذ طفولته بالتقى والروع، ومحبا للعلم والعلماء ومشجعا على نشر العلوم.
لقد تأثر محمد الفاتح بالعلماء الربانيين منذ طفولته ومن أهم العالم الرباني «أحمد بن إسماعيل الكوراني» المشهود له بالفضيلة التامة، وكان مدرسة في عهد السلطان «مراد الثاني» والد الفاتح.
وفي ذلك الوقت كان محمد الثاني الفاتح أميرا في بلدة «مغنيسيا» وقد أرسل إليه والده عددا من المعلمين ولم يمتثل لأمرهم، ولم يقرأ شيئا حتى إنه لم يختم القرآن الكريم، فطلب السلطان المذكور رجلا له مهابة وحدة، فذكروا له المولى «الكوراني» فجعله معلما لولده وأعطاه قضيبا يضربه به إذا خالف أمره.
فذهب إليه فدخل عليه والقضيب بيده فقال «أرسلني والدك للتعليم والضرب إذا خالفت أمري» فضحك السلطان محمد خان من ذلك الكلام فضربه المولى الكوراني في ذلك المجلس ضربا شديدا... حتى خاف منه السلطان محمد خان، وختم القرآن في مدة يسيرة.
الإعداد للفتح
بذل السلطان محمد الثاني جهودا كثيرة للتخطيط والترتيب لفتح القسطنطينية وتقوية الجيش العثماني بالقوى البشرية حتى وصل تعداده إلى قرابة ربع مليون مجاهد وهذا العدد يعتبر كبيرا جدا مقارنة بجيوش الدول في تلك الفترة.
كما عني عناية خاصة بتدريب تلك الجموع على فنون القتال المختلفة وبمختلف أنواع الأسلحة التي تؤهلهم للعملية الجهادية المنتظرة، كما اعتنى الفاتح بإعدادهم إعدادا معنويا قويا وغرس فيهم روح الجهاد الذي تعلمه منذ طفولته وتذكيرهم بثناء الرسول «صلى الله عليه وسلم» على الجيش الذي يفتح القسطنطينية وعسى أن يكونوا هم الجيش المقصود بذلك ما أعطاهم قوة معنوية وشجاعة منقطعة النظير.
كما كان لانتشار العلماء بين الجنود أثر كبير في تقوية عزائم الجنود وربطهم بالجهاد الحقيقي... وقد اعتنى السلطان محمد الفاتح بإقامة قلعة «روملي حصار» في الجانب الأوروبي على مضيق البسفور في أضيق نقطة منه مقابل القاعة التي أسست في عهد السلطان بايزيد في البر الآسيوي.
وقد حاول الإمبراطور البيزنطي إثناء السلطان الفاتح عن بناء القلعة مقابل التزامات مالية تعهد بها إلا أن الفاتح أصر على البناء لما يعلمه من أهمية عسكرية لهذا الموقع حتى اكتملت قلعة عالية وصل ارتفاعها إلى 82 مترا وأصبحت القلعتان متقابلتين ولا يفصل بينهما سوى 660 مترا تتحكمان في عبور السفن من شرقي البسفور إلى غربيه وتستطيع النيران بمدافعهما منع أي سفينة من الوصول إلى القسطنطينية من المناطق التي تقع شرقها مثل مملكة طرابزون وغيرها من الأماكن التي تستطيع دعم المدينة عند الحاجة.
وقد اهتم السلطان محمد الفاتح بجمع الأسلحة اللازمة لفتح القسطنطينية من خلال الاستعانة بمهندس مجري يدعى «أوربان» كان بارعا في صناعة المدافع فأحسن استقباله ووفر له جميع الإمكانيات المادية والبشرية.
وقد تمكن أوربان من تصميم وتنفيذ العديد من المدافع الضخمة كان على رأسها المدفع السلطاني المشهور والذي ذكر أن وزنه يصل إلى مئات الأطنان وأنه يحتاج إلى مئات الثيران القوية لتحريكه وقد أشرف السلطان بنفسه على صناعة هذه المدافع وتجريبها.
بالرغم من أن الفاتح كان صغيرا... إلا أنه كان يمتلك الخبرة والحنكة فلم يتشبث برأيه فقبل هجومه على القسطنطينية قام بعقد معاهدات مع أعدائه المختلفين ليتفرغ لعدو واحد، فعقد معاهدة مع «إمارة غلطة» المجاورة للقسطنطينية من الشرق ويفصل بينهما مضيق القرن الذهبي.
كما عقد معاهدات مع المجر والبندقية وهما من «الإمارات الأوروبية» المجاورة ولكن هذه المعاهدات لم تصمد... حينما بدأ الهجوم الفعلي على القسطنطينية حيث وصلت قوات من تلك المدن وغيرها للمشاركة في الدفاع عن القسطنطينية مشاركة لبني عقيدتهم من النصارى متناسين عهودهم ومواثيقهم مع المسلمين.
وفي هذه الأثناء التي كان السلطان يعد العدة فيها للفتح استمات الإمبراطور البيزنطي في محاولته ليثنيه عن هدفه بتقديم الأموال والهدايا المختلفة إليه وبمحاولة رشوة بعض مستشاريه ليؤثروا على قراره ولكن السلطان كان عازما على تنفيذ مخططه ولم تثنه هذه الأمور عن هدفه ولما رأى الامبراطور البيزنطي شدة عزيمة السلطان على تنفيذ هدفه عمد إلى طلب المساعدات من مختلف الدول والمدن الأوروبية وعلى رأسها البابا زعيم المذهب الكاثوليكي في الوقت الذي كانت فيه كنائس الدولة البيزنطية وعلى رأسها القسطنطينية تابعة للكنيسة الأرثوذكية وكان بينهما عداء شديد.
وقد اضطر الإمبراطور لمجاملة البابا بأن يتقرب إليه ويظهر له استعداده للعمل على توفير الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية... لتصبح خاضعة له في الوقت الذي لم يكن الأرثوذكس يرغبون في ذلك.
وقد قام البابا بناء على ذلك بإرسال مندوب عنه إلى القسطنطينية وخطب في كنيسة أيا صوفيا ودعا للبابا وأعلن توحيد الكنيستين ما أغضب جمهور الأرثوذكس في المدينة وجعلهم يقومون بحركة مضادة لهذ ا العمل الإمبراطوري الكاثوليكي المشترك حتى قال بعض زعماء الأرثوذكس «إنني أفضل أن أشاهد في ديار البيزنط عمائم الترم على أن أشاهد القبعة اللاتينية».
لحظة الهجوم
كانت القسطنطينية محاطة بالمياه البحرية من «3» جبهات «مضيق البسفور ـ بحر مرمرة ـ القرن الذهبي» الذي كان محميا بسلسلة ضخمة جدا تتحكم في دخول السفن إليه، بالإضافة إلى ذلك فإن خطين من الأسوار كانت تحيط بها من الناحية البرية من شاطئ بحر مرمرة إلى القرن الذهبي يتخللها نهر ليكوس وكان بين السورين فضاء يبلغ عرضه 60 قدما ويرتفع السور الداخلي منها 40 قدما أما السور الخارجي فيبلغ ارتفاعه قرابة 25 قدما وبذلك فإن المدينة من الناحية العسكرية تعد من أفضل مدن العالم تحصينا لما عليها من الأسوار والقلاع والحصون.
إضافة إلى التحصينات الطبيعية وبالتالي فإنه يصعب اختراقها ولذلك فقد استعصت على عشرات المحاولات العسكرية لاقتحامها ومنها إحدى عشرة محاولة إسلامية سابقة كان السلطان الفاتح يكمل استعدادات القسطنطينية ويعرف أخبارها ويجهز الخرائط اللازمة لحصارها.
كما كان يقوم بنفسه بزيارات استطلاعية يشاهد فيها استحكامات القسطنطينية لكي تكون صالحة لجر المدافع العملاقة خلالها إلى القسطنطينية.
وقد تحركت المدافع من أدرنة إلى قرب القسطنطينية مدة شهرين حيث تمت حمايتها بقسم من الجيش حتى وصلت الأجناد العثمانية يقودها الفاتح بنفسه إلى مشارف القسطنطينية في يوم الخميس 26 ربيع الأول «857 هـ الموافق 1453م» فجمع الجند وكانوا قرابة 250 ألف جندي.
فخطب فيهم خطبة قوية حثهم فيها على الجهاد وطلب النصر أو الشهادة وذكرهم فيها بالتضحية وصدق القتال عند اللقاء وقرأ عليهم الآيات القرآنية التي تحث على ذلك كما ذكر لهم بعض الأحاديث النبوية التي تبشر بفتح القسطنطينية وفضل الجيش الفاتح لها وأجره وما في فتحها من عز للإسلام والمسلمين وقد بادر الجيش بالتهليل والتكبير.
وفي اليوم التالي... قام السلطان بتوزيع جيشه البري أمام الأسوار الخارجية للمدينة مشكلا ثلاثة أقسام رئيسية تمكنت من إحكام الحصار البري حول مختلف الجهات.
وفي هذه الأثناء أقام السلطان محمد الفاتح خطة من خلال وضع جيوش احتياطية خلف الجيوش الرئيسية وعمل على نصب المدفع أمام الأسوار ومن أهمها المدفع السلطاني العملاق الذي أقيم أمام باب طب قابي.
وحرص على وضع فرق للمراقبة في مختلف المواقع المرتفعة والقريبة من المدينة وفي نفس الوقت انتشرت السفن العثمانية في المياه المحيطة بالمدينة إلا أنها لم تستطع الوصول إلى القرن الذهبي بسبب وجود السلسلة الضخمة التي منعت أي سفينة من دخوله بل وتدمير كل سفينة تحاول الاقتراب واستطاع الأسطول العثماني أن تستولى على جزر الأمراء في بحر مرمرة.
حاول البيزنطيون أن يبذلوا قصارى جهدهم للدفاع عن القسطنطينية ووزعوا الجنود على الأسوار وأحكموا التحصينات وأحكم الجيش العثماني قبضته على المدينة ولم يخل الأمر من وقوع قتال بين العثمانيين المهاجمين والبيزنطنيين المدافعين منذ الأيام الأولى للحصار.
كانت المدفعية العثمانية تطلق مدافعها من مواقع مختلفة نحو المدينة وكان لقذائفها ولصوتها الرهيب دور كبير في إيقاع الرعب في قلوب البيزنطيين وقد تمكنت من تحطيم بعض الأسوار حول المدينة ولكن المدافعين كانوا سرعان ما يعيدون بناء الأسوار وترميمها.
ولم تنقطع المساعدات المسيحية من أوروبا ووصلت إمدادات من جنوب مسكونة من خمس سفن كان يقودها القائد الجنوبي جوستنيان يرافقه 700 مقاتل متطوع من دول أوروبية متعددة استطاعت سفنهم أن تصل إلى العاصمة البيزنطية العتيقة بعد مواجهة بحرية مع السفن العثمانية المحاصرة للمدينة.
وكان لوصول هذه القوة أثر كبير في رفع معنويات البيزنطيين وقد عين قائدها جوستنيان قائدا للقوات المدافعة عن المدينة.
مفاوضات الفاتح وقسطنطين
استبسل العثمانيون المهاجمون على المدينة، وعلى رأسهم محمد الفاتح وصمد البيزنطيون بقيادة قسطنطين صمودا بطوليا في الدفاع، وحاول الإمبراطور البيزنطي أن يخلص مدينته وشعبه بكل ما يستطيع من حيلة فقدم عروضا مختلفة للسلطان ليغريه بالانسحاب مقابل الأموال أو الطاعة أو غير ذلك من العروض التي قدمها.
ولكن الفاتح رد بالمقابل مطالبا بتسليم المدينة كاملة وأنه في هذه الحالة لن يتعرض أحد من أهلها ولا كنائسها للأذى.
وكان مضمون الرسالة: «فليسلم لي إمبراطوركم مدينة القسطنطينية وأقسم بأن جيشي لن يتعرض لأحد في نفسه وماله وعرضه ومن شاء بقي في المدينة وعاش فيها في أمن وسلام... ومن شاء رحل عنها حيث أراد في أمن وسلام أيضا».
كان الحصار لايزال ناقصا ببقاء «مضيق القرن الذهبي» في ايدي البحرية البيزنطية ومع ذلك فإن الهجوم العثماني كان مستمرا دون هوادة حيث أظهر جنود الإنكشارية شجاعة فائقة وبسالة نادرة فكانوا يقدمون على الموت دون خوف في أعقاب كل قصف مدفعي وفي يوم 18 أبريل تمكنت المدافع العثمانية من فتح ثغرة في الأسوار البيزنطية عند «وادي ليكوس» في الجزء الغربي من الأسوار.
فاندفع إليها الجنود العثمانيون بكل بسالة محاولين اقتحام المدينة من الثغرة، كما حاولوا اقتحام الأسوار الأخرى بالسلالم التي تسلقوا عليها ولكن المدافعين عن المدينة بقيادة جوستنيان استماتوا في الدفاع عن الثغرة والأسوار.
واشتد القتال بين الطرفين وكانت الثغرة ضيقة وكثرت السهام والنبال والمقذوفات على الجنود المسلمين، ومع ضيق المكان وشدة مقاومة الأعداء وحلول الظلام أصدر الفاتح أوامره للمهاجمين بالانسحاب بعد أن أثاروا الرعب في قلوب أعدائهم متحينين فرصة أخرى للهجوم.
ما بعد «الفتح»
بعد إتمام هذا الفتح الذي حققه محمد الثاني وهو لايزال شابا لم يتجاوز الخامسة والعشرين... وكان هذا من آيات نبوغه العسكري المبكر اتجه إلى استكمال الفتوحات في بلاد البلقان، ففتح بلاد الصرب سنة «863 هـ ـ 1459 م» وبلاد المورة «1460م» وبلاد الأفلاق والبغدان «رومانيا» ـ 1462 م ـ وألبانيا بين عامي «1463 ـ 1479» وبلاد البوسنة والهرسك بين عامي «1463 ـ 1465» ودخل في حرب شرسة مع المجر سنة 1476م كما اتجهت أنظاره إلى آسيا الصغرى ففتح طرابزون سنة «866 هـ ـ 1461م».
وكان الفاتح منذ أن كان صغيرا... يحلم بأن يكون إمبراطورا على روما وأن يجمع فخارا جديدا إلى جانب فتحه القسطنطينية عاصمة الدولة البيزنطية ولكي يحقق هذا الأمل الطموح كان عليه أن يفتح إيطاليا... فأعد لذلك عدته وجهز أسطولا عظيما تمكن من إنزال قواته وعدد كبير من مدافعه بالقرب من مدينة «أوترانت» ونجحت تلك القوات في الاستيلاء على قلعتها وذلك في جمادى الأولى «885 هـ ـ يوليو 1480م»... ولذلك بقية.