منذ الاعلان عن بدء عمليات تحرير الفلوجة، والتخندق الاعلامي الطائفي في تصاعد مستمر. قد يتفق معي العديد من المتابعين، بأن هذه المواجهة الاعلامية وصلت إلى درجة قد تهدد السلم الاهلي من زوايا عدة. وبلا شك الاحتمال الأخطر هو أن هذا الخطاب الاعلامي - المحفز للنعرة الطائفية - قد يستثير مراهق ويدفعه لقتل أبرياء - على الهوية المذهبية - في الكويت، ثأرا لدماء أبرياء آخرين قتلوا في العراق. لذلك أناشد الجميع العمل من أجل بناء سور ثقافي وسد قانوني يصدان وصول ويلات الصراع الطائفي إلينا.
في الطرف المقابل، هناك عدد من المقالات التي تضمنت مقترحات عملية لتنمية الثقافة المجتمعية وتحصينها أمام العدوى الداعشية، ومنها مقال لزميلي الفاضل الدكتور تركي العازمي بعنوان «التوعية... سلاح ضد الفكر المنحرف»، حيث أكد أهمية مراعاة البعد الثقافي في مساعي إخماد الفتنة الداعشية وتباعاً تفادي جرائمها. وناشد الدكتور العازمي المسؤولين بإعداد وإطلاق برنامج توعوي متكامل ينشر الدين الاسلامي السمح الداعي إلى السلام والمساواة والعدل والمحافظة على أرواح الابرياء.
مقالي هذا يجاور مقال الدكتور تركي على الضفة نفسها من مستنقع الفتنة الطائفية الاقليمية. لذلك لن اطرح - في هذا المقال - وجهة نظري حول من يقف وراء تنظيم «داعش» وإخوانه، ولن أتطرق إلى التحليلات الخيالية أو المبتورة التي طرحها البعض من الكتاب حول تسلسل الاحداث المرتبطة بنشأة وجرائم التنظيمات الإرهابية. وسأكتفي بتقديم مقترحين يفترض أنهما سيحدان من سلبيات الرسائل والخطابات والمقالات التي تخدم «داعش» والمؤسسات الاستخباراتية التي تقف وراءه.
لا شك بأن فهم مباني موقف الآخر في أي قضية، يعتبر من افضل وسائل تخفيف الاحتقان ومنع الاختلاف، من التفاقم إلى الخلاف، لذلك أناشدك أن تتطلع بتجرد على آراء من يخالفك في موقفه من الاحداث الاقليمية، وأدعوك إلى فهم مبررات موقفه قبل السعي إلى هدمها. ومن المنطلق نفسه، أطالبك بمتابعة الاخبار والبرامج السياسية في وسائل الاعلام التي تخدم المحاور «المناوئة» للمحور الذي تنتمي له. وأعلم بأنه ليس هناك محور اعلامي صادق في كل ما يذيعه أو أمين في نشر كل ما يملك من الحقيقة، فلديها كلها محاذير وإن اختلفت في طبيعتها. واحذر من الرسائل التي تصل إليك عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فهي مليئة بالصور والمقاطع المفبركة. فالقاعدة التي اتبعها شخصيا، هي أن وسائل التواصل ليست مصدرا للأخبار، ولا أعتد بأي خبر لا يتم تأكيده من قبل أكثر من محور اعلامي واحد. فلا قيمة لخبر ينشر في 50 قناة فضائية، إن كانت كلها تتبع المحور الاعلامي نفسه.
من المصادر المهمة للأخبار، خصوصاً تلك المتعلقة بالضحايا المدنيين، تقارير وكالات الاغاثة العالمية والمنظمات الاممية المرتبطة بحقوق الانسان. ورغم الحاجز النفسي الناتج من التشكيك المتواصل في أن هذه الوكالات والمنظمات، أدوات بيد الاستعمار والاستكبار، إلا أنها في اعداد تقاريرها تتبع اجراءات واضحة ومعلنة وقابلة للتدقيق والتطوير من أجل المزيد من الحيادية. وهي ترحب بمساهمات المهتمين في اعداد تقاريرها من دون عوائق مرتبطة بالعرق أو الدين. بالنسبة الي، بعض هذه الوكالات والمنظمات الاممية، أوثق من وكالات انباء تدار من قبل جهات استخباراتية.
بالإضافة إلى ما أشرت إليه في شأن صون عواطفي من السقوط في شباك منظمات استخباراتية، وذلك من خلال غربلة الاخبار لمعرفة الغث فيها من السمين، أدعو نفسي قبل غيري إلى التفاعل الانساني - عوضا عن الشيطاني - مع جرائم الحروب في المنطقة. فبدلاً من التفكير في الانتقام ممن يتعاطف مع الجناة أو من يشترك معهم في العرق أو المذهب، أبادر بمواساة ومساندة ونصرة الضحايا من دون الالتفات إلى انتماءاتهم. فقط اراعي شدة الضرر ودرجة الحاجة لدى الضحايا وسعة الامكانات التي امتلكها.
لذلك أثني على مناشدة النائب عبدالله التميمي، لصاحب السمو أمير البلاد الشيخ صباح الأحمد الصباح، لإطلاق مبادرة إنسانية لاستقبال ضحايا فاجعة المجمع التجاري في الكرادة في العاصمة العراقية. فعدد الضحايا كبير ويفوق طاقة المرافق الصحية العراقية المستنزفة، خصوصاً أن جلهم يعاني من درجات مختلفة من الحروق. ولا بد من الاشارة هنا، إلى أن مداواة الضحايا المدنيين، مسألة انسانية صرفة وغير مرتبطة بالموقف السياسي من الاحداث في العراق. بل أن المسألة غير مقيدة بالعراق فقط، ويفترض أن تكون مفتوحة للدول الأخرى في المنطقة، وإن كان الأقربون أولى بالمعروف.
بعيداً عن الصراعات السياسية في المنطقة، علينا أن ننمي الحس والسلوك الانسانيين في ما بين شعوب المنطقة. وعلينا أن نواسي بعضنا البعض في مصائبنا بدرجة تتناسب وشدة المصيبة. علينا أن نعيد ثقافتنا الانسانية الاصيلة التي كانت تشجعنا للتطوع من أجل مساعدة نظرائنا في الخلق، والتي كانت تدفعنا للتسابق في الجهاد دفاعاً عن الوطن تحت امرة الجيش النظامي، والتي كانت تحظر علينا الالتحاق بجماعات مسلحة خارج رغبة الدولة، والتي كانت تحرّم علينا القتل على الهوية. علينا أن نغرس في شبابنا ثقافة الدين الاسلامي كما وصفه الدكتور العازمي... «اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه».
[email protected]