عجائب لبنان السبع

مغارة جعيتا... هيكل منحوت صنعته الطبيعة / 24

تصغير
تكبير
| بيروت من جوني طانيوس |
يتميز لبنان بالعديد من المظاهر الحضارية والتراثية، تلك التي يقصدها السائحون، في رحلاتهم المنظمة إليه، هذه المظاهر موجودة منذ سنوات طويلة مضت، وتشير إلى المكانة التاريخية للبنان عبر عصور طويلة مضت.
ورغم ان لبنان عرف من خلال تاريخه الحديث، والذي تبدو فيه الثقافة والفن أكثر حضورا، بالاضافة إلى الأحداث التاريخية المتعاقبة، تلك التي مازال لبنان يعيش تحت وطأتها.
وبعيدا عن الأحداث السياسية سنأخذ القارئ الكريم في منحة تاريخية عبر آثار ومشاهد وأبنية ومغارات لبنان كي يتعرف على الوجه التاريخي الاخر من هذا البلد، وذلك عبر فصول «عجائب لبنان السبع».
تحفة كأنها من عالم الخيال نسجها الخالق على أرض جعيتا الكسروانية شمال العاصمة اللبنانية بيروت، فجعل من تجاويفها وممراتها مقصد السياح والزائرين من حيث ما أتوا وكيفما حلوا.
عجيبة هي وكأن قدرها أن تسمى من عجائب الطبيعة وروائعها... فكانت مغارة جعيتا.
تتنافس مغارة جعيتا، الواقعة في وادي نهر الكلب على بعد نحو 20 كيلومتراً شمال مدينة بيروت والممتدة على مساحة 2130 متراً، مع 77 موقعاً مميزاً من حول العالم لتدخل قائمة أهم عجائب الطبيعة السبع ويشاركها في المنافسة موقع لبناني فريد: محميات الأرز.
الداخل الى مغارة جعيتا تستقبله تجاويف وشعب ضيقة وردهات وهياكل وقاعات من صنع الطبيعة تسربت إليها المياه الكلسية مع مرور الزمن لتشكل عالماً من القباب والمنحوتات والأشكال والتكوينات العجيبة.
دهاليز وممرات عدة تطالع الزائر في مغارة جعيتا لتنقله الى العمق حيث المتعرجات الصخرية والأشكال الهندسية الخلابة المترافقة مع الاضاءة المناسبة وسط سكون مهيب يقطعه، من حين الى آخر، صوت قطرة ماء تنسل من السقف الى النهر الجوفي الذي يمر في الطبقة السفلى من المغارة.
تاريخ المغارة
تعود جذور كلمة «جعيتا» الى اللغة السريانية وتعني هدير الماء والضجيج أو المكان العالي، أما تاريخ مغارة جعيتا، المؤلفة من طبقتين، العلوية والسفلى، فيعود الى ثلاثينات القرن التاسع عشر عندما قام الأميركي وليام طومسون بولوجها الى مسافة نحو خمسين متراً. وبعدما أطلق النار من بندقية الصيد التي كان يحملها، أدرك من خلال الصدى الذي أحدثه صوت العيار الناري أن للمغارة امتداداً جوفياً على جانب كبير من الأهمية. وبعد أعوام، قرر مهندسان من شركة «أشغال مياه بيروت» واثنان من أصدقائهما، من بينهما مدير الكلية الإنجيلية في لبنان آنذاك، استكشاف نبع نهر الكلب. فقام الفريق برحلتين استكشافيتين داخل المغارة والتوغل فيها حتى مسافة نحو 800 متر العام 1873 فيما بلغ مسافة 1060 متراً في العام التالي، غير أن الرحلتين أبقتا مغارة جعيتا 133 عاماً في الإطار الاستكشافي حتى دخلها «النادي اللبناني للتنقيب» عام 1969 وافتتح قسمها العلوي، بعد تأهيله على يد النحات اللبناني غسان كلينك، باحتفالية موسيقية أقيمت داخلها أعدها خصيصاً الموسيقار الفرنسي فرنسوا بايل. وشهدت المغارة العليا بعد فترة مهرجاناً موسيقياً مماثلاً في شهر نوفمبر من العام عينه، عزفت فيه مقطوعات عالمية للموسيقار الالماني كارل هاينز شتوكهاوزن.
أما القسم السفلي من مغارة جعيتا الذي اكتشف في العام 1839 فيطلق عليه اسم «البلورة المائية»، ويتدفق منه نهر جوفي يشكل الجزء المغمور من منابع نهر الكلب ويقفل في فصل الشتاء بسبب ارتفاع منسوب الماء فيه.
ومع اندلاع الحرب اللبنانية في العام 1975 أقفلت مغارة جعيتا لنحو عشرين عاماً بعد تعرضها للدمار والخراب حتى أعيد تأهيلها العام 1995، فأضيف اليها «مسرح الصوت والصورة» الذي يعرض فيلماً مدته 23 دقيقة عن تكوين المغارة ومراحل اكتشافها، فضلاً عن مرافق سياحية ومطاعم ومقاه ودكاكين حرفية وحديقة حيوان، وذلك كي تأتي الزيارة الى المغارة متكاملة.
ولعلّ أبرز ما يميز مغارة جعيتا هو درجات الحرارة الثابتة على مدار العام: 16 درجة مئوية في الطبقة السفلى و22 درجة مئوية في الطبقة العليا، ويستطيع السائح الاختيار بين الصعود في القطار أو عبر «التلفريك» للوصول الى سفح الجبل حيث مدخل المغارة العليا.
ولا بدّ من الاشارة هنا الى أن المحافظة على بيئة المغارة ومحيطها تأتي على رأس اهتمامات ادارة المرفق لتبقى الصخور سليمة وخالية من أي شوائب.
لقب عالمي
ليست المرة الأولى التي تتنافس فيها مغارة جعيتا على لقب عالمي، اذ كانت قد مكنت لبنان من الفوز بجائزة «القمة السياحية» للعام 2002 بعد أن تم اختيارها من بين 27 مشروعاً عالمياً وها هي اليوم مرشحة لدخول قائمة أهم عجائب الطبيعة السبع في العالم.
ويشرح مدير مرفق جعيتا السياحي الدكتور نبيل حداد أنه مع بداية العام 2008 انطلق التصويت على 277 موقعاً طبيعياً عالمياً لاختيار 77 موقعاً من بينها مع نهاية العام. ومن ثم تختار لجنة عالمية 21 موقعاً يجري التنافس بينها عالمياً خلال سنة 2009 وحتى منتصف 2010 لاختيار سبعة مواقع يطلق عليها عندئذ عجائب الدنيا الطبيعية السبع في العالم.
ويؤكد حداد أن المباراة ليست بالأمر السهل إذ إن لبنان ينافس الى جانب دول ضخمة ومهمة لجهة عدد السكان وتحتضن مواقع طبيعية أكثر من خلابة كشلالات نياغرا وغابات الأمازون وقمة افريست، لافتاً الى أن مغارة جعيتا تمكنت حتى اليوم من بلوغ الموقع السادس والأربعين في المنافسة في حين تحتل محميات الأرز الموقع الواحد والسبعين.
أما عن عملية التصويت، فيوضح حداد أنها بسيطة وسهلة ومتاحة لأي شخص عبر الموقع الالكتروني الخاص بالمسابقة، مشيراً الى أن التصويت لمغارة جعيتا كان خجولاً في الأشهر السبع الأولى من السنة بسبب الحوادث الأمنية والأوضاع المتردية في لبنان أما التصويت الفعلي، يتابع حداد، فبدأ في 22 مايو المنصرم، عندما أطلقت الحملة الوطنية للتصويت لمغارة جعيتا برعاية وزارة السياحة اللبنانية.
دعم رسمي
مما لا شك فيه أن مشاركة لبنان في مسابقة عالمية كمسابقة أهم عجائب الطبيعة السبع في العالم تتطلب دعماً رسمياً يوازي أهمية الحدث، هذا ما يؤكده مدير مغارة جعيتا الدكتور نبيل حداد الذي لفت الى أن وزير السياحة اللبناني السابق جو سركيس ووزارة السياحة تبنت فكرة الحملة الوطنية لدعم المغارة وأسست، بالمشاركة مع ادارة المغارة، نواة لمنسقية الوطنية لهذا الغرض.
وكانت وزارة السياحة قد نظمت، بالاشتراك مع ادارة المرفق، جولة للإعلاميين في أرجاء مغارة جعيتا للمشاركة في هذه الحملة الوطنية وشرح أهميتها وكيفية الإعداد والتصويت لها عبر الانترنت لإعادة لبنان إلى موقعه السياحي الفريد في العالم.
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي