قبل تحرير الكويت بيومين وتحديداً في 24 فبراير العام،1991 وقعت معركة بين المقاومة الكويتية وبين قوات النظام العراقي في ما عرف لاحقا بـ «معركة بيت القرين». أبطال هذه الملحمة الذين رابطوا في بيت القرين، كانوا 19 شابا ينتمون إلى «مجموعة المسيلة» (قوة الكويت) وكانت عدتهم، السلاح الذاتي، في مقابل جحافل من الجيش العراقي مدججين بالأسلحة الثقيلة والدبابات. ورغم التفوق الكبير للقوات الغازية، إلا أن المعركة استمرت 10 ساعات وانتهت باستشهاد 12 باسلاً.
رغم أن المقاومة الكويتية كانت تتضمن العديد من المجموعات المسلحة التي أبهرت العالم بانجازاتها على الصعيدين القتالي والاستخباراتي، إلا أن «ملحمة القرين» امتلكت مقومات اكثر للخلود في ضمير الكويت. من ابرزها: استشهاد عدد من المقاومين المقاتلين، وقتل جميع من تم أسرهم، واستخدام القوة المفرطة من قبل الغزاة، وشجاعة وصمود اعضاء المقاومة، فضلا عن أن رجال المجموعة كانوا من الاطياف المتنوعة في المجتمع.
لذلك أمر سمو الامير الراحل الشيخ جابر الاحمد الصباح، بأن يرمم البيت ويكلف المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، برعايته ليكون صرحا للأجيال القادمة ، لتتعلم من التضحيات التي قدمها ابناء الكويت ومنارة لهم في الطريق نحو الوحدة الوطنية. وبعد مرور ربع قرن، أثبتت الأيام بعد نظر الأمير الراحل، فما زلنا نوظف ذلك الصرح المنارة لتعزيز لحمتنا الوطنية كلما سعى البعض إلى تمزيقها. استعنت بهذه المقدمة الطويلة، من أجل اقناع بعض الكتاب غير الواعين لأهمية تخليد ضحايا الارهاب من خلال صروح تذكارية.
في شهر رمضان الماضي، غزت قوى الارهاب مسجد الامام الصادق عليه السلام وقتلت 27 وجرحت 227 صائماً ساجداً في بيت الله، فأدمعت عيون شعب بمختلف شرائحه. وما هي إلا دقائق بعد التفجير، وإذا بالكويت أميراً وحكومة وشعبا، يتداعون للضحايا في موقع الغدر والخيانة وفي المستشفيات والمرافق الصحية وفي المقبرة ومسجد الدولة وأخيرا في ترميم المسجد، ليكون نبراساً للتمسك بوحدتنا الوطنية والتصدي للإرهاب.
ثم في الذكرى الأولى للفاجعة، نجد سمو الأمير الشيخ صباح الاحمد الصباح، يفاجئ الجميع بالتواجد في المسجد ليصلي فيه، في يوم اعادة افتتاحه. كما عرض تلفزيون الكويت تقريراً عن الذكرى بمشاركة الشيخين الدكتورين محمد الطبطبائي وهاني شعبان، فضلا عن العديد من البرامج الوثائقية التي اعدت لهذه الذكرى الأليمة، منها على سبيل المثال، ما أنتجته قنوات فضائية، إلى جانب الافلام الوثائقية التي انتجتها مؤسسات اعلامية، بالإضافة إلى فيلم وثائقي أنتجته إدارة المسجد من اعداد وإخراج الفنان عبدالعزيز المسلم. لا شك بأن صلاة سمو الأمير أصبحت صرحا لتكاتفنا الوطني أمام الارهاب وكذلك هي تلك الافلام الوثائقية. فشكراً من القلب لسموه، ولكل من شارك في انتاج صرح لنبذ التطرف كالوثائقيات.
المشترك في تلك الافلام، أنها تهدف إلى ترسيخ ثقافة مجتمعية تنبذ التطرف عبر إبراز قبح جرائمه، وتحصن النسيج الوطني من خلال عرض نماذج جميلة للحمتنا الوطنية مع أهلنا ضحايا التفجير الآثم. في مقابل تلك الافلام الوثائقية، نجد فيلم «القرية» ينفرد في تعزيز ثقافة التعايش من خلال مشروع خيري زرع بذوره أحد الضحايا الناجين من التفجير بمعية أحد معارفه، في بستان أحد شهداء الفاجعة وبساتين جيرانه، التي ارتوت بدماء جميع شهداء وجرحى ذلك الغدر الارهابي.
فور الانتهاء من مراسم عزاء الشهداء، ومن بينهم والده، بادر هشام الفيلي وبمشاركة صديقه داوود الناصر في جمع مساعدات مالية لأسرة الشهيد الهندي سيد رضوان حسين. مبادرتهما نبيلة بأهدافها ولشدة فقر المستفيدين منها، وجميلة بتفاني المبادرين في جمع المساهمات على مدى ساعات طويلة من شهر رمضان، وفي كثرة المتبرعين وتسابقهم للإعانة.
وما هي إلا أيام معدودة، وإذا بالمشروع يكبر ليشمل قرية الشهيد رضوان ثم قرى مجاورة عدة، فما كان لله ينمو. كيف لا ينمو والفيلي يقول «هو صار مثل التحدي مع النفس، ما دام احنا بدينه بمشروع الخير، لازم نوصل إن شاء الله ونتوسع أكثر وأكثر، مو بس في الهند بل في الدول الثانية الفقيرة. ونساعد الفقراء، مو بس شيعة وسنة، بل جميع الطوائف». أقول للفيلي والناصر: «كنتما اقوى من التفجير الغاشم، فأنعشتما نفوسا اكثر من تلك التي لاقت ربها في بيته».
لا بد من كلمة شكر وتقدير لمن ساهم في انتاج «القرية»، تفتح لي باب مناشدتهم بإعادة منتجة الفيلم لاستبدال المقاطع التي يظهر فيها نواب أو مرشحون، مع كامل الاحترام لهم. لأن المشاريع الانسانية والشعائر الدينية يجب أن تنزه عن «شبهة» التوظيف الانتخابي لتكون شاملة وجامعة، وقبل ذلك لتكون مقبولة عند الله. لذلك أنتهز هذه الفرصة لمطالبة القنوات الفضائية بتجنب عرض رسائل انتخابية في الفترات الدينية كالدقائق الاخيرة قبيل أذان المغرب في شهر رمضان... «اللهم أرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه».
[email protected]