حكـاية فستـــان

نجوى سنو: «الطَرق البعلبكي» أقصر الطرق الى قلب المرأة الشرقية / 22

تصغير
تكبير
| بيروت - من هلا داغر |
مع كل فكرة تنشأ قصة وحكاية. منها ينطلق مصمم الأزياء من الخيال لينقل إلى الواقع فستاناً يثير جدلاً ويجذب أنظاراً ويستحوذ على الاعجاب. وفي العادة تكون لفساتينه مكانة خاصة، لكن لأحدها معزة في القلب والروح، كما لكل أم معزة مميزة لأحد الأبناء ولو لم تعلن عنها أمام الإخوة الآخرين.
هل هي المواصفات أم الموديل أم الفكرة أم الثمن أم الهدف منه أم الإبداع؟ قد يكون المصمم اختاره لكل هذه الأسباب مجتمعة، وقد يكون لأحدها. نترك كل مصمم يحكي، بلسانه، عن فستانه، ويكشف لنا أسباب هذه المكانة الخاصة له في قلبه من بين مجموعات من الفساتين قدمها خلال مسيرته. نترك كل مصمم «يقصّ» حكاية فستانه.
إذا كان بطل «حكاية فستان» لدى مصممي الأزياء هو فستان ما، فإن بطل «الحكاية» لدى محترف «أصيلة» هو تطريز «الطَرق البعلبكي» الذي يجمّل الفستان ويحوك حكايته بخيوطه الفضية أو الذهبية المطرزة باحترافية عالية بواسطة أنامل وضعت لآلات التطريز حتى «الحاسوبية» منها «بحصة» كما يقال في «اللبناني».
لهذا الأسلوب في التطريز حكاية ترويها السيدة نجوى سنو صاحبة محترف «أصيلة» الذي هدف منذ بداية تأسيسه إلى إحياء التراث والتمسك به وتطويره. من هنا طرحت عباءات «أصيلة» نفسها بقوة في السوق اللبنانية والعربية وأبدع محترفوها أفكاراً تجسدت في أزياء تفتن العيون وتنتزع الإعجاب.
تقول سنو أنها اختارت فستاناً مطرزاً لأنه مزين بالـ «طَرق البعلبكي». وسمي «البعلبكي» نسبة إلى مدينة بعلبك حيث النساء والصبايا الماهرات في هذا النوع من التطريز. «الطَرق عزيز على قلبنا. له تاريخ لأنه حرفة قديمة في بعلبك تعود إلى مئات السنين في لبنان لا بل في الشرق قاطبة. في مصر وفي تونس يشتغلون الطَرق ولكن بشكل مختلف. بعض كتب التاريخ تذكر الطَرق البعلبكي. حتى حين نشتري خيط الطَرق من أي منطقة في العالم، يطلقون عليه خيط الطَرق البعلبكي. وقديماً كان هذا الخيط من الذهب المدقوق أو الفضة المدقوقة. وهو سريع الكسر أثناء العمل. لذلك تنفذ بنات بعلبك قطباً تشبه الفراشة ويقطعن الخيط، ثم يقمن بطرقه لجعله مسطحاً. إنه عمل دقيق جداً ينفذ قطبة قطبة. كل رسمة تتطلب مئات ومئات القطب لتنفيذها تماماً مثل أي تطريز آخر ناعم».
وتوضح أن «الرسوم عادة تكون هندسية الشكل شرقية. ويتم تطريز الطَرق تلقائياً على القماش من دون رسم. وهذا النوع من التطريز يمكن تنفيذه على معظم أنواع الأقمشة الراقية مثل الحرير والتول والكتان والشعر النجفي. القماش التقليدي المستعمل في الطَرق هو الحرير الفوال إلا أننا طورنا العمل به وأدخلناه إلى أنواع الأقمشة التي ذكرتها وخصوصاً الشعر النجفي».
وتشير سنو إلى أن «اهتمام محترف «أصيلة» منذ البداية كان إحياء التراث الشرقي لا سيما الطَرق البعلبكي لأنه قريب من عاداتنا. كانت العروس ترتدي فستان الطَرق الأسود المطروق بالخيط الذهبي أو الفضي والذي تبدأ جدتها بتنفيذه منذ ولادتها تقريباً لشدة ما يتطلب من عمل دقيق. أحببنا إعادة إحياء هذا الجو التراثي خصوصاً أنه كاد يختفي ويصبح مندثراً لأن القطع المطرزة به لم تجد طريقها إلى التسويق إذ ان أهم عوامل نجاح الشغل الحرفي هو التسويق. فالنساء ماهرات جداً في هذه الحرفة. كل منزل في بعلبك لا يخلو من سيدة أو شابة تمتهن هذه الحرفة بمهارة فائقة. وكذلك لا يخلو أي بيت من قطعة مطرزة بالطَرق تكون رائعة وتستأهل أن تعرض في أهم المعارض. من هنا أنشأنا محترف «أصيلة» لأننا نهدف فعلاً إلى العودة للأصالة».
الفستان الذي اختارته سنو أسود مطرز بالخيط الفضي ويشتد تطريزه عند الكمين والياقة الممتدة على الصدر. وهو من قماش الفوال الحرير. أما ارتفاع ثمنه، فله مبرراته كما توضح. «فتطريز الطرق يدوي، وثمن الخيط مرتفع، والقماش أيضاً باهظ الثمن. لا يمكن اعتماد التطريز بخيط فضي أو ذهبي وبأنامل سيدات محترفات على قماش خفيف بنوعيته، مع الأخذ في الاعتبار أيضاً الوقت الطويل الذي يستغرقه».
وتكشف أن محترف «أصيلة» عمد إلى إنتاج خيط طَرق في فرنسا أعرض من الخيط الرفيع المستعمل قديماً لأنه يعطي وقعاً أفضل. «ولأن المعمل أغلق في فرنسا، نقلناه إلى سورية وأصبح اليوم تطريز الطَرق ينفذ بهذا الخيط. لقد أوجدنا تراثاً منه. لذلك الناس يجهلون مصدر هذا الخيط وطريقة العمل به. إنها مسيرة طويلة لجأنا إليها من الألف إلى الياء، وقد حان الوقت لإظهارها. إنها عمل حرفي تراثي يستحق التقدير والتسويق».
الطَرق البعلبكي يمكن أن يزين الفساتين والشالات والعباءات والتنانير والسترات بأشكال عصرية شرقية. على ذلك تضيف نجوى سنو «أنه يستحيل تنفيذ «الطَرق البعلبكي» بواسطة الآلات. إنه يدوي مئة في المئة. أما القماش الأسهل للتطريز به هو التول لأنه رقيق، والإبرة المستعملة عريضة والخيط عريض لذلك قد يمزق القماش. إلا أن النساء المحترفات ماهرات وصبورات إلى درجة يسهل عليهن التعامل معه مهما كان نوع القماش».
الفستان الذي اختارته سنو واسع وجميل ويناسب كل السيدات لا سيما الأميرات والسيدات الراقيات والنجمات. «الملكة نور زوجة العاهل الاردني الراحل الملك حسين ارتدت فستاناً وعباءة مطرزين بالطرق البعلبكي، وكذلك السيدة منى الهراوي زوجة الرئيس الراحل الياس الهراوي والسيدة نازك الحريري، ومغنية الأوبرا الاميركية جون أندرسون التي أعجبت جداً بفساتين الطَرق حين غنت في مهرجانات بعلبك واشترت أحدها، وارتدته بعدها حين غنت في البيت الأبيض».
وتشير سنو أخيراً إلى أن «المرأة العربية شغوفة جداً بهذه التطريزات لأنها من روحها ومن تراثها الشرقي والعربي، لكن ما يدعو إلى الاستغراب هو أن المرأة الغربية المثقفة تبدي إعجاباً هائلاً بتطريز الطَرق، وأكبر دليل على ذلك هو مغنية الأوبرا جون أندرسون».
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي