الأجوبة المفيدة عن أسئلة العقيدة

تصغير
تكبير
زاوية نعرض من خلالها لكل ما يعن لقراء «الراي» الأعزاء من أمور تتعلق بالعقيدة الاسلامية، وتحتاج الى توضيح وبيان، يجيب عنها الأستاذ الدكتور وليد محمد عبدالله العلي، امام وخطيب المسجد الكبير، والعميد المساعد بكلية الشريعة والدراسات الاسلامية جامعة الكويت. وللتواصل أرسلوا بأسئلتكم عبر إيميل الجريدة ([email protected]) أو فاكس رقم: (24815921)

القول على الله بغير علم من أعظم الحرمات (2 من 2)

الواجب على من تصدر للفتوى أن يتدثر بآداب الافتاء الشرعية، وأن يتسربل بأخلاق الاجابة المرعية، فمن ذلك:

أن يتحلى بالتمهل، وأن يتخلى عن التعجل، كما قال مالك بن أنس رحمه الله تعالى: (العجلة في الفتوى: نوع من الجهل والخرق. التأني من الله، والعجلة من الشيطان) رواه البيهقي.

كما يجب على المُفتي أن يعلم أن المستفتين: جعلوه سفيراً بينهم وبين رب العالمين، كما قال ابن المنكدر رحمه الله تعالى: (العالم بين الله وبين خلقه، فلينظر كيف يدخل بينهم) رواه البيهقي.

وليحذر المُفتي كل الحذر من الحيلة في التخلص من السؤال، والقول بلا علم على الكبير المتعال، كما قال القاضي ابن خلدة رحمه الله تعالى: (يا ربيعة، أراك تفتي الناس، فإذا جاءك الرجل يسألك: فلا يكن همك أن تتخلص مما سألك عنه) رواه البيهقي.

وعلى المُفتي قبل أن يفتي في مسألة فتلحقه الملامة، أن يسأل ربه تبارك وتعالى السلامة، فكان سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى لا يكاد يفتي في سؤال، إلا تضرع لذي الجلال، وقال: (اللهم سلمني، وسلم مني) رواه البيهقي.

وعلى المُفتي أن يعلم أن العلم أبواب، فلا يكن علمه بباب منه فاتحاً لباب القول بلا علم على العزيز الوهاب، كما قال سحنون بن سعيد رحمه الله تعالى: (أجسر الناس على الفتيا: أقلهم علماً، يكون عند الرجل الباب الواحد من العلم، يظن أن الحق كله فيه) رواه ابن عبدالبر.

وليعلم أن الفتوى بغير ورع وتخوف: نوع من الحماقة والتكلف، كما قال محمد بن سيرين رحمه الله تعالى: (سمعت حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما يقول: إنما يفتي الناس أحد ثلاثة: من يعلم ما نسخ من القرآن، أو أمير لا يجد بداً، أو أحمق متكلف.

قال ابن سيرين: فلست بواحد من هذين، ولا أحب أن أكون الثالث) رواه ابن عبدالبر.

ألا وإن من أعظم العدوان والآثام، أن يترتب على فتوى المُفتي للأنام: ارتكاب المنكرات الحرام، كما قال سحنون بن سعيد رحمه الله تعالى: (إنا لله، ما أشقى المفتي والحاكم، ها أنا ذا يتعلم مني ما تضرب به الرقاب، وتوطأ به الفروج، وتؤخذ به الحقوق، أما كنت عن هذا غنياً) رواه ابن عبدالبر.

وكان السلف الصالح الذين ألزمهم الله تعالى كلمة التقوى: يكرهون التسرع في الفتوى، ويود كل واحد منهم أن يكفاها، فإذا رأى أنها قد تعينت عليه بذل اجتهاده في معرفة فتواها، كما قال عبدالرحمن بن أبي ليلى رحمه الله تعالى: (أدركت عشرين ومئة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، فما كان منهم محدث إلا ود أن أخاه كفاه الحديث، ولا مفت إلا ود أن أخاه كفاه الفتيا) رواه البيهقي.

ومتى ما أعرض المُفتي عما تقدم من وصايا أئمة السلف: فقد أوقع نفسه في التهلكة والتلف، كما قال سحنون بن سعيد رحمه الله تعالى: (ما وجدت من باع آخرته بدنيا غيره: إلا المُفتي).

وإن الكذب على المصطفى المختار، وعدم التثبت فيما ينقل عنه من الأخبار: موجب لدخول النار، لأنه متضمن للقول بلا علم على الواحد القهار، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من كذب عليَّ متعمداً: فليتبوأ مقعده من النار) رواه البخاري ومسلم.

لأن كل ما أضيف الى الرسول: فهو مضاف الى المرسل، فكل من كذب على الرسول صلى الله عليه وسلم متعمداً أو جاهلاً: فقد كذب على مرسله تبارك وتعالى، (فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً ليضل الناس بغير علم إن الله لا يهدي القوم الظالمين).

فالواجب على المسلم، إذا سئل عما لا يعلم: أن يقول: الله أعلم.

فعن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: سمع النبي صلى الله عليه وسلم قوماً يتدارؤون، فقال: (إنما هلك من كان قبلكم بهذا، ضربوا كتاب الله بعضه ببعض، وإنما نزل كتاب الله يصدق بعضه بعضاً، فلا تكذبوا بعضه ببعض، فما علمتم منه فقولوا، وما جهلتم فكلوه إلى عالمه) رواه أحمد.

وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه لأصحابه: (احفظوا عني خمساً، فلو ركبتم الإبل في طلبهن لأنضيتموهن قبل أن تدركوهن: لا يرجو عبد إلا ربه، ولا يخاف إلا ذنبه، ولا يستحي جاهل أن يسأل عما لا يعلم، ولا يستحي عالم إذا سئل عما لا يعلم- أن يقول: الله أعلم، والصبر من الايمان بمنزلة الرأس من الجسد، ولا إيمان لمن لا صبر له) رواه الأصفهاني في حيلة الأولياء وطبقات الأصفياء.

وقال زيد بن أسلم رحمه الله تعالى: (خرجنا مع عبدالله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما نمشي، فلحقنا أعرابي فقال: أنت عبدالله بن عمر؟ فقال عبدالله: نعم. فقال الأعرابي: سألت عنك فدللت عليك، فأخبرني: أترث العمة؟ فقال عبدالله: لا أدري؟{ فقال الأعرابي: أنت لا تدري؟ فقال عبدالله: نعم، اذهب الى العلماء بالمدينة فاسألهم. فلما أدبر الأعرابي: قبل عبدالله يديه، وقال نعما قال أبو عبدالرحمن، سئل عما لا يدري، فقال: لا أدري) رواه البيهقي.

وقال مالك بن أنس رحمه الله تعالى: (من فقه العالم أن يقول: لا أعلم، فإنه عسى أن يتهيأ له الخير).

وقال مالك بن أنس رحمه الله تعالى: (سمعت بن هرمز يقول: ينبغي للعالم أن يورث جلساءه من بعده: لا أدري، حتى يكون ذلك أصلاً في أيديهم يفزعون إليه) رواه البيهقي.

قال الشعبي: (لا أدري: نصف العلم) رواه البيهقي.

فطوبى لمن اعتبر بهذه الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة، وحمل نفسه على التأدب بما جاء في هذه الأخبار المنيفة، فالسعيد من عمل بما يعلم، والشقي من قال ما لا يعلم.
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي