افتتحت عروض مهرجان الكويت الدولي للمسرح الأكاديمي
«الماثولي»... فكرة رائعة حاصرها التسطيح
مشهد من العرض (تصوير طارق عزالدين)
المخرج الشطي ثمّن جهود فريق العمل ومحاولته للتميز في الطرح
فكرة رائعة حاصرها التسطيح وشابتها أخطاء التجربة الأولى. هذا فصل القول في عرض «الماثولي» الذي استهلت به فرقة المعهد العالي للفنون المسرحية عروض المسابقة الدولية للدورة السادسة لمهرجان الكويت الدولي للمسرح الأكاديمي. وقبل الحديث عن تفاصيل العرض الذي تم تقديمه مساء أمس الأول في إطار المهرجان، فإنه لابد من الإشارة الى أن مفهوم الدراما منذ القدم يأتي على أساس أنها محاكاة لفعل، ذلك الفعل هو ما يعطي للدراما وللعرض أحد عناصر الجذب التي تجعل الجمهور يتتبع الأحداث لأن الدراما سلسلة متشابكة من الأفعال وردود الأفعال، لكن هناك العديد من النصوص التي تجذب المخرجين خاصة في مراحلهم الأولى في الإخراج والتي تعتمد على الكلمة، اعتقاداً منهم أن الكلمة تحمل الرسالة لكنها في الحقيقة فخ منصوب لهم حينما يكون المؤلف عاجزاً عن تحقيق الرسالة بشكل فني من خلال الفعل الدرامي وتتالى الأحداث. ذلك الأمر يؤدي إلى لجوء الممثل إلى استحضار شخصيات من مخزونه الثقافي بسبب ضعف بناء الشخصية ونمطيتها وبالتالي يحدث الصراخ.
هذا ما حدث في عرض «الماثولي» المأخوذ عن نص «بغض النظر» تأليف شريف الزعبي وإعداد وإخراج محمد جمال الشطي، ولا أعرف مدى تدخل المُعد في الأحداث لكن ما قدم جاء من خلال مقولات زاعقة مثل «حضارتنا تنهار»، و«أريد أن أكون» وغيرها من الجمل، وبات الحدث في شكل سردي ما أفقد العرض تدفقه نتيجة الأحداث البطيئة أو غير الموجودة أصلاً، ولذلك عمد المخرج إلى حلول فنية من خلال التشكيلات في الفراغ سعياً إلى جماليات الصورة المرئية، وساعده في ذلك تصميم أزياء وماكياج استقلال مال الله مع ديكور محمد جواد الشطي، إلا أن الديكور اعتمد على الغرائبية في التكوين، من حيث الاحساس في الخلفية وكأنها خريطة لوطن ما، لكن التصميم اعتمد على السيمترية التي تعطي احساس الركود والهدوء، كما اعتمد على أوان ترابية وغامقة الأمر الذي أوحى بالاحساس المخيف والغامض، وهو ما يتلاءم مع طبيعة الموضوع الذي بدأ بمجموعة الثعالب التي تهاجم البلد، ثم ظهور الماثولي الخرافي لينقذ البلد وحكامه، لكن في النهاية نكتشف أنها خدعة وأنه معاون للثعالب من أجل اغتصاب الوطن والأرض، غير أن الملابس جاءت من نفس الدرجات اللونية، بل لم يكن هناك فروق واضحة بين ملابس المتصارعين سوى في المشهد الأخير الذي يتقاتل فيه الأشقاء ليسود الثعالب البلد. كذلك لجأ المخرج إلى إضاءة تقليدية صممها علي الفضلي معتمدا على اللونين الأصفر والأحمر بشكل كبير ليعطي إحساس الصراع والمأساة، وقد تميز في اللحظات الخاصة التي استخدم فيها مصادر إضاءة جانبية ساهمت في تغيير الإيقاع البصري للصور المرئية، وأعطت جماليات للعرض إضافة إلى تضخيمها للكائنات الغازية.
كذلك جاءت الموسيقى من أهم عناصر العرض توظيفاً والتي قدمها عبد الرحمن صابر معتمداً على تحقيق حالة التوتر الدائم كمعادل للمفهوم الدرامي، واستخدم تنويعات إيقاعية وجملا موسيقية من خلال آلات نحاسية وعائلة الكمان خاصة التشيلو والكونترباص بأصواتهما الضحمة التي عوضت ضعف التدفق الدرامي، وذلك التنوع يبرز من خلال الاعتماد على الإيقاع السريع غالباً حتى لحظة ظهور الطفلة والتي أصبحت فيها الموسيقى ناعمة من الكمان، لتحقق حالة البراءة التي سرعان ما تتحول إلى الصخب بظهور الثعالب واختطاف رمز البراءة. ثم تحول الموسيقى إلى حالة من الدفوف التي تشير إلى إيقاع ديني يلائم الصورة المرئية التي سعى المخرج للتأكيد عليها كرمز من رموز الدروشة والتطرف معاً، وتبدو محاولات المخرج نحو استخدام الرمز اعتقاداً أنه يبعده عن المباشرة لكنه كان يقترب منها، خاصة في استخدامه المثلث الأحمر وهو تقطيع للنجمة الصهيونية التي يربطها بالثعالب باعتبار انهم الغزاة والمغتصبون، ورغم المباشرة إلا أنه تم استخدامها بأشكال متعددة مثل الايحاء بأنها الذقون وإن كان اللون الأحمر يشير إلى أنها أيضاً شخصيات شيطانية.
لكن ما يؤخذ على المخرج رغبته في تقديم مقولات عديدة وإدانات متداخلة زاعقة، مما أحدث تشويشاً على رؤيته الواضحة لكن رغم ذلك فهو يمتلك مقومات المخرج الساعي لتقديم رؤية فكرية تحمل حساً وطنياً واستشرافاً للمستقبل والسعي نحو التحذير من الخطر الذى يحيق بالمجتمع العربي من أطراف خارجية ومساعدات داخلية بعضها عن دون قصد لكنها تحقق أهداف الآخر.
أما التمثيل فقد ظلمته طبيعة العرض السردية التي جعلت الشخصيات نمطية ومسطحة، فلجأ الممثلون الأساسيون إلى الكثير من الصراخ واستخدام الطبقات الغليظة مثل جراح مال الله وبدر الحلاق وإبراهيم نيروز وحتى أريج العطار ونوف جواد وعبدالله المسلم، والهدف من ذلك كان التأكيد على حالة المعاناة من أصحاب الوطن أو حالة الشر من المغتصبين والماثولي الذي جعله المخرج وكأنه كائن خرافي لكنه في ذات الوقت بدا مشوهاً، وأعطى إحساساً بالعجز مما يفقد الشخصية رمزيتها باعتبارها الشيطان الأكبر والمتحكم في أقدار العالم.
ورغم أن العرض به سلبيات العمل الأول من خلال الرغبة في تقديم كل شيء، إلا أن الحس الوطني لدى المخرج وقدرته على التحكم في المجاميع وتنويع ايقاعاتهم الحركية والتشكيلية وكذلك تحكمه في الايقاع العام للعرض الذي أنقذه من رتابة السرد، كل ذلك يؤكد على ولادة مخرج ستصقله التجارب الآتية لامتلاكه أدواته الفنية والفكرية بعد أن يكون قد تخلص من حالة الزخم الفكري والصوري التي تؤثر على عرضه من الناحيتين الفكرية والجمالية.
* أستاذ النقد والأدب المسرحي بالمعهد العالي للفنون المسرحية
النقاد في الندوة التطبيقية: الحوارات والسرد والمباشرة أغرقت العرض
| كتب مفرح حجاب |
الحوارات والسرد والمباشرة أغرقت «الماثولي».
هذا ما أكده النقاد والمسرحيون من خلال الندوة التطبيقية التي أعقبت العرض، وأدارها الطالب بالسنة الرابعة بالمعهد العالي للفنون المسرحية رائد المطيري، بمشاركة معد النص مخرج العرض محمد جمال الشطي الطالب بالسنة الرابعة في قسم التمثيل والإخراج، فيما عقّب على العرض المذيعة والطالبة بالسنة الرابعة في قسم النقد بالمعهد حبيبة العبد الله.
استهل عريف الندوة رائد المطيري مرحبا بالحضور، ومشيدا بتنظيم المهرجان وإسناد إدارة الندوات والتعقيب على العروض للطلاب لتكون تجربة عملية حقيقية لهم، من خلال المهرجان الأكاديمي، وأيدته معقبة العرض حبيبة العبد الله التي تقدمت بالشكر إلى إدارة المعهد العالي للفنون المسرحية.
وقالت العبد الله في مستهل تعقيبها أنها لم تعثر على أي معلومة حقيقية عن مؤلف النص الأردني شريف الزغبي، لكنها استشفت أنه شاب يبلغ من العمر 27 عاماً، وأعربت عن سعادتها لاختيار المعد المخرج محمد الشطي هذا النص الشبابي العربي وابتعاده عن النصوص الكلاسيكية التقليدية، منوهة إلى أن العرض تناول ثلاث شخصيات مثلت «الماثولي» هي شخصية العربي والغريب والشيطان الذي يمثل العدو، ومشيرة إلى أن المعد والمخرج أضاف شخصيات وحوارات لكنه كان ذكيا عندما أبرز أن كل مشاكلنا كعرب هي بسبب خلافاتنا وعدم اتفاقنا، وهو ما يدفعنا للاستعانة بالغريب الذي يسلط الشيطان علينا، ما يعني أن المخرج لم يحاول أن يعلق أخطاءنا على أي شماعة كما هو معتاد.
واعتبرت أن المسرحية حملت بعض المفاهيم المهمة، منها أننا نعيش في وطن لا نملكه بالكامل لأن هناك من لا يزال يتحكم فينا كعرب، وحاول المخرج أن يستعين ببعض التقنيات ليبتعد عن عملية السرد واشتغل على الثلاثي والمثلث، وكأنه يقصد السلطات الثلاث أو القوى السياسية الثلاث المسيطرة على العالم أو لحروف كلمة عرب، لافتة إلى أن التشكيلات كانت مقنعة وإن كان هناك تقارب بين الشخصيات بما فيها العربية والتي كانت مختلفة تماما في النص الأصلي لأنه لو تم حذف الحوارات ستصل الفكرة للجمهور.
واعتبرت العبد الله أن مشهد افتتاح العرض كان واقعياً لكن مشهد الفتاة والطفل لم يكن مقنعاً ولم يشعر به الجمهور، فجميل أن تعبر الطفولة في المسرحية عن المستقبل لكنها لم توظف بشكل جيد، وكسرت المشاهد الغنائية حدة التراكم التراجيدي وكان الديكور معبراً وملأ الفراغ المسرحي بشكل مناسب، كذلك كان هناك تباين في المؤثرات الصوتية، ملمحة إلى أن بعض الممثلين كانوا بحاجة إلى التمرين والاشتغال على الشخصيات بشكل أكبر لأن أغلب الحوارات غلب عليها الطابع التقريري. وأنهت حبيبة العبد الله تعقيبها متسائلة: هل الأصوات التي ترددت على المسرح هي أصوات ثعالب أم ضباع؟، معتبرة أن الأخيرة ملائمة لأحداث العرض.
وبعد ذلك، استهل الدكتور خالد عبد اللطيف رمضان المداخلات، مشيداً بالعرض ومثمناً إتاحة إدارة المهرجان الفرصة للطلبة لأن تكون لهم كلمة وبصمة، ومشيرا إلى أنه من خلال عرض مسرحية «الماثولي» استطاعت المعقبة أن تتفهم النص. وقال: «أرى أن الصورة كانت أبلغ من التمثيل وعبرت عن رؤية المخرج في الحروب المفروضة علينا، وعندما ننظر إلى عناصر العرض من ديكور وأزياء نرى أنها أوصلت الصورة القاتمة التي تعكس تخاذلنا وتعاوننا مع الغريب». وأضاف أن النص كان تقريرياً مباشراً، فيما كانت الصورة ستصبح أكثر إقناعا لو كان العمل من دون حوار، منوهاً إلى أن العرض فيه مجهود سواء من الممثلين أو المخرج، وإن كانت الحوارات والسرد والمباشرة قد أغرقته.
بينما رأى الفنان علي عليان من الأردن أن العرض قدم قراءة للواقع بحذافيره، منوهاً إلى مقولة أحد الممثلين «بقلمكم ستكتبون التاريخ» وهذا مايحدث في الوطن العربي، من خلال الفوضى السياسية والكبت والقمع والأزمات الاقتصادية، معتبراً ان المسرح ليست وظيفته إيجاد الحلول وإنما وضع يده على الجروح.
وقال د. جان قسيس: «شاهدنا عرضا مسرحيا راقيا ومثقفا، ولا عجب أن يأتي من المعهد العالي للفنون المسرحية حيث كنا أمام تشكيل جميل وأداء رائع، ولعل الواقع الأسود الذي نعيشه أثر علينا كمسرحيين في الوطن العربي، حتى نطرح مثل تلك القضايا».
ورداً على التعقيبات، ثمّن المخرج محمد جمال الشطي جهود فريق العمل ومحاولته للتميز في الطرح، وتوجه بالشكر إلى كل من انتقد العمل أو عقّب عليه، مؤكداً أنه سوف يأخذ بعين الاعتبار كل ملحوظة ونقد، مشيراً إلى أنه مازال طالبا وأنه يستفيد من تجاربه وخبرته البسيطة للمضي قدما في مشواره المسرحي.
هذا ما حدث في عرض «الماثولي» المأخوذ عن نص «بغض النظر» تأليف شريف الزعبي وإعداد وإخراج محمد جمال الشطي، ولا أعرف مدى تدخل المُعد في الأحداث لكن ما قدم جاء من خلال مقولات زاعقة مثل «حضارتنا تنهار»، و«أريد أن أكون» وغيرها من الجمل، وبات الحدث في شكل سردي ما أفقد العرض تدفقه نتيجة الأحداث البطيئة أو غير الموجودة أصلاً، ولذلك عمد المخرج إلى حلول فنية من خلال التشكيلات في الفراغ سعياً إلى جماليات الصورة المرئية، وساعده في ذلك تصميم أزياء وماكياج استقلال مال الله مع ديكور محمد جواد الشطي، إلا أن الديكور اعتمد على الغرائبية في التكوين، من حيث الاحساس في الخلفية وكأنها خريطة لوطن ما، لكن التصميم اعتمد على السيمترية التي تعطي احساس الركود والهدوء، كما اعتمد على أوان ترابية وغامقة الأمر الذي أوحى بالاحساس المخيف والغامض، وهو ما يتلاءم مع طبيعة الموضوع الذي بدأ بمجموعة الثعالب التي تهاجم البلد، ثم ظهور الماثولي الخرافي لينقذ البلد وحكامه، لكن في النهاية نكتشف أنها خدعة وأنه معاون للثعالب من أجل اغتصاب الوطن والأرض، غير أن الملابس جاءت من نفس الدرجات اللونية، بل لم يكن هناك فروق واضحة بين ملابس المتصارعين سوى في المشهد الأخير الذي يتقاتل فيه الأشقاء ليسود الثعالب البلد. كذلك لجأ المخرج إلى إضاءة تقليدية صممها علي الفضلي معتمدا على اللونين الأصفر والأحمر بشكل كبير ليعطي إحساس الصراع والمأساة، وقد تميز في اللحظات الخاصة التي استخدم فيها مصادر إضاءة جانبية ساهمت في تغيير الإيقاع البصري للصور المرئية، وأعطت جماليات للعرض إضافة إلى تضخيمها للكائنات الغازية.
كذلك جاءت الموسيقى من أهم عناصر العرض توظيفاً والتي قدمها عبد الرحمن صابر معتمداً على تحقيق حالة التوتر الدائم كمعادل للمفهوم الدرامي، واستخدم تنويعات إيقاعية وجملا موسيقية من خلال آلات نحاسية وعائلة الكمان خاصة التشيلو والكونترباص بأصواتهما الضحمة التي عوضت ضعف التدفق الدرامي، وذلك التنوع يبرز من خلال الاعتماد على الإيقاع السريع غالباً حتى لحظة ظهور الطفلة والتي أصبحت فيها الموسيقى ناعمة من الكمان، لتحقق حالة البراءة التي سرعان ما تتحول إلى الصخب بظهور الثعالب واختطاف رمز البراءة. ثم تحول الموسيقى إلى حالة من الدفوف التي تشير إلى إيقاع ديني يلائم الصورة المرئية التي سعى المخرج للتأكيد عليها كرمز من رموز الدروشة والتطرف معاً، وتبدو محاولات المخرج نحو استخدام الرمز اعتقاداً أنه يبعده عن المباشرة لكنه كان يقترب منها، خاصة في استخدامه المثلث الأحمر وهو تقطيع للنجمة الصهيونية التي يربطها بالثعالب باعتبار انهم الغزاة والمغتصبون، ورغم المباشرة إلا أنه تم استخدامها بأشكال متعددة مثل الايحاء بأنها الذقون وإن كان اللون الأحمر يشير إلى أنها أيضاً شخصيات شيطانية.
لكن ما يؤخذ على المخرج رغبته في تقديم مقولات عديدة وإدانات متداخلة زاعقة، مما أحدث تشويشاً على رؤيته الواضحة لكن رغم ذلك فهو يمتلك مقومات المخرج الساعي لتقديم رؤية فكرية تحمل حساً وطنياً واستشرافاً للمستقبل والسعي نحو التحذير من الخطر الذى يحيق بالمجتمع العربي من أطراف خارجية ومساعدات داخلية بعضها عن دون قصد لكنها تحقق أهداف الآخر.
أما التمثيل فقد ظلمته طبيعة العرض السردية التي جعلت الشخصيات نمطية ومسطحة، فلجأ الممثلون الأساسيون إلى الكثير من الصراخ واستخدام الطبقات الغليظة مثل جراح مال الله وبدر الحلاق وإبراهيم نيروز وحتى أريج العطار ونوف جواد وعبدالله المسلم، والهدف من ذلك كان التأكيد على حالة المعاناة من أصحاب الوطن أو حالة الشر من المغتصبين والماثولي الذي جعله المخرج وكأنه كائن خرافي لكنه في ذات الوقت بدا مشوهاً، وأعطى إحساساً بالعجز مما يفقد الشخصية رمزيتها باعتبارها الشيطان الأكبر والمتحكم في أقدار العالم.
ورغم أن العرض به سلبيات العمل الأول من خلال الرغبة في تقديم كل شيء، إلا أن الحس الوطني لدى المخرج وقدرته على التحكم في المجاميع وتنويع ايقاعاتهم الحركية والتشكيلية وكذلك تحكمه في الايقاع العام للعرض الذي أنقذه من رتابة السرد، كل ذلك يؤكد على ولادة مخرج ستصقله التجارب الآتية لامتلاكه أدواته الفنية والفكرية بعد أن يكون قد تخلص من حالة الزخم الفكري والصوري التي تؤثر على عرضه من الناحيتين الفكرية والجمالية.
* أستاذ النقد والأدب المسرحي بالمعهد العالي للفنون المسرحية
النقاد في الندوة التطبيقية: الحوارات والسرد والمباشرة أغرقت العرض
| كتب مفرح حجاب |
الحوارات والسرد والمباشرة أغرقت «الماثولي».
هذا ما أكده النقاد والمسرحيون من خلال الندوة التطبيقية التي أعقبت العرض، وأدارها الطالب بالسنة الرابعة بالمعهد العالي للفنون المسرحية رائد المطيري، بمشاركة معد النص مخرج العرض محمد جمال الشطي الطالب بالسنة الرابعة في قسم التمثيل والإخراج، فيما عقّب على العرض المذيعة والطالبة بالسنة الرابعة في قسم النقد بالمعهد حبيبة العبد الله.
استهل عريف الندوة رائد المطيري مرحبا بالحضور، ومشيدا بتنظيم المهرجان وإسناد إدارة الندوات والتعقيب على العروض للطلاب لتكون تجربة عملية حقيقية لهم، من خلال المهرجان الأكاديمي، وأيدته معقبة العرض حبيبة العبد الله التي تقدمت بالشكر إلى إدارة المعهد العالي للفنون المسرحية.
وقالت العبد الله في مستهل تعقيبها أنها لم تعثر على أي معلومة حقيقية عن مؤلف النص الأردني شريف الزغبي، لكنها استشفت أنه شاب يبلغ من العمر 27 عاماً، وأعربت عن سعادتها لاختيار المعد المخرج محمد الشطي هذا النص الشبابي العربي وابتعاده عن النصوص الكلاسيكية التقليدية، منوهة إلى أن العرض تناول ثلاث شخصيات مثلت «الماثولي» هي شخصية العربي والغريب والشيطان الذي يمثل العدو، ومشيرة إلى أن المعد والمخرج أضاف شخصيات وحوارات لكنه كان ذكيا عندما أبرز أن كل مشاكلنا كعرب هي بسبب خلافاتنا وعدم اتفاقنا، وهو ما يدفعنا للاستعانة بالغريب الذي يسلط الشيطان علينا، ما يعني أن المخرج لم يحاول أن يعلق أخطاءنا على أي شماعة كما هو معتاد.
واعتبرت أن المسرحية حملت بعض المفاهيم المهمة، منها أننا نعيش في وطن لا نملكه بالكامل لأن هناك من لا يزال يتحكم فينا كعرب، وحاول المخرج أن يستعين ببعض التقنيات ليبتعد عن عملية السرد واشتغل على الثلاثي والمثلث، وكأنه يقصد السلطات الثلاث أو القوى السياسية الثلاث المسيطرة على العالم أو لحروف كلمة عرب، لافتة إلى أن التشكيلات كانت مقنعة وإن كان هناك تقارب بين الشخصيات بما فيها العربية والتي كانت مختلفة تماما في النص الأصلي لأنه لو تم حذف الحوارات ستصل الفكرة للجمهور.
واعتبرت العبد الله أن مشهد افتتاح العرض كان واقعياً لكن مشهد الفتاة والطفل لم يكن مقنعاً ولم يشعر به الجمهور، فجميل أن تعبر الطفولة في المسرحية عن المستقبل لكنها لم توظف بشكل جيد، وكسرت المشاهد الغنائية حدة التراكم التراجيدي وكان الديكور معبراً وملأ الفراغ المسرحي بشكل مناسب، كذلك كان هناك تباين في المؤثرات الصوتية، ملمحة إلى أن بعض الممثلين كانوا بحاجة إلى التمرين والاشتغال على الشخصيات بشكل أكبر لأن أغلب الحوارات غلب عليها الطابع التقريري. وأنهت حبيبة العبد الله تعقيبها متسائلة: هل الأصوات التي ترددت على المسرح هي أصوات ثعالب أم ضباع؟، معتبرة أن الأخيرة ملائمة لأحداث العرض.
وبعد ذلك، استهل الدكتور خالد عبد اللطيف رمضان المداخلات، مشيداً بالعرض ومثمناً إتاحة إدارة المهرجان الفرصة للطلبة لأن تكون لهم كلمة وبصمة، ومشيرا إلى أنه من خلال عرض مسرحية «الماثولي» استطاعت المعقبة أن تتفهم النص. وقال: «أرى أن الصورة كانت أبلغ من التمثيل وعبرت عن رؤية المخرج في الحروب المفروضة علينا، وعندما ننظر إلى عناصر العرض من ديكور وأزياء نرى أنها أوصلت الصورة القاتمة التي تعكس تخاذلنا وتعاوننا مع الغريب». وأضاف أن النص كان تقريرياً مباشراً، فيما كانت الصورة ستصبح أكثر إقناعا لو كان العمل من دون حوار، منوهاً إلى أن العرض فيه مجهود سواء من الممثلين أو المخرج، وإن كانت الحوارات والسرد والمباشرة قد أغرقته.
بينما رأى الفنان علي عليان من الأردن أن العرض قدم قراءة للواقع بحذافيره، منوهاً إلى مقولة أحد الممثلين «بقلمكم ستكتبون التاريخ» وهذا مايحدث في الوطن العربي، من خلال الفوضى السياسية والكبت والقمع والأزمات الاقتصادية، معتبراً ان المسرح ليست وظيفته إيجاد الحلول وإنما وضع يده على الجروح.
وقال د. جان قسيس: «شاهدنا عرضا مسرحيا راقيا ومثقفا، ولا عجب أن يأتي من المعهد العالي للفنون المسرحية حيث كنا أمام تشكيل جميل وأداء رائع، ولعل الواقع الأسود الذي نعيشه أثر علينا كمسرحيين في الوطن العربي، حتى نطرح مثل تلك القضايا».
ورداً على التعقيبات، ثمّن المخرج محمد جمال الشطي جهود فريق العمل ومحاولته للتميز في الطرح، وتوجه بالشكر إلى كل من انتقد العمل أو عقّب عليه، مؤكداً أنه سوف يأخذ بعين الاعتبار كل ملحوظة ونقد، مشيراً إلى أنه مازال طالبا وأنه يستفيد من تجاربه وخبرته البسيطة للمضي قدما في مشواره المسرحي.