تجسم الأعمال يوم القيامة وفي البرزخ
من مباحث القرآن الكريم المنضوية في آياته الكريمة مسألة حساسة ومهمة جداً تستدعي الإنسان المزيد من التفكّر والتدبر، وهي عملية عرض الأعمال على صورتها او ما يناسبها يوم القيامة.
فأعمال الخلق على صنفيها السيئ والرديء، أو الخير والشر، هي في
كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة الا أحصاها، وتقام الحجة على هؤلاء
العباد بعرض ما قاموا به من أعمال عليهم، فهو يرى كيف سرق، وكيف زنى، وكيف قتل، وكيف فعل المنكرات، كما
أن هناك من يرى أعماله الخيرة، وأفعاله الطيبة فيبتهج بها، ويسعد برؤيتها، خلاف الأول الذي يتمنى لو تسوى
به الأرض، أو لم يكن شيئاً لينجو من الخزي الأكبر الذي يحيق به، ويكشف كل أفعاله المنكرة، ويفضحه على رؤوس الأشهاد، أجارنا الله تعالى وجميع المؤمنين والمؤمنات من هذا الموقف العسير.
وحقاً ان كيفية هذا العرض تبقى الآن غيبية رغم أن هناك الكثير من التفسيرات لهذا الأمر، الا ان المهم حقيقة اصل الموضوع، وهو تجسّم الأعمال - خيرها وشرها - وعرضها على الإنسان، وتلقيه جزاءها وعاقبة أفعالها. فعندما نقرأ قوله تعالى في سورة الزلزلة: «فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره». (7-8).
لا بد أن تتبادر الى الذهن مسألة ما يراه الإنسان هو نتيجة عمله، وحاصل تحصيل ما قدمه من أفعال، ولكن - واسترسالاً مع ما سنقرأه في الآيات المباركة الكريمة ألا يمكن أن نتصور ان هذا هو العرض للأعمال، لا سيما ونحن نشهد في عصرنا الحديث وسائل تقنية عالية، وقدرات علمية عظيمة تكشف لنا الكثير من القدرات الرهيبة؟!
انه مجرد تساؤل فحسب لا جزم ولا تفسير، وحيث تسنده الكثير من الدلائل والمعطيات المختلفة:
1 - قال تعالى في سورة الكهف: «ووجدوا ما عملوا حاضراً ولا يظلم ربُك أحداً» (49).
قال أستاذنا الطباطبائي رحمه الله
في تعليقه على هذه الآية: ظاهر السياق كون الجملة تأسيساً لا عطف تفسير لقوله «لا يغادر صغيرة ولا كبيرة»
وعليه فالحاضر عندهم نفس الأعمال بصورتها المناسبة لها لا كتابتها كما هو ظاهر».
2 - وفي سورة آل عمران نقرأ قوله تعالى: «يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً» (30)، بالتأمل في هذه الآية المباركة نجد أن هناك ما يؤيد ويدعم نظرية تجسّد الأعمال بشكل جلي، لأنها تشير الى حضور تلك الأعمال وسعي ذلك العاصي الى الابتعاد عنها، والهروب من الاقتراب منها، بل والتمني بأن يكون بينها وبين تلك الأعمال المنكرة فاصلة زمانية كبيرة.
3 - وأما في سورة آل عمران فنقرأ قوله جل اسمه: «ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيراً لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة» (180)، وفي هذه الآية دلالة لا تخفى على تجسيم الأعمال من حيث تطويق ما يبخل به البعض من الحقوق لأعناقهم يوم القيامة، وتحول ذلك الحق الشرعي المترتب عليه، والذي بخل عليه، وأعرض عن الوفاء به، الى ثعبان او غير ذلك، يطوق عنقه يوم القيامة، وهو ما توضحه الأخبار والروايات المختلفة.
روي عن الإمام محمد بن علي الباقر عليه السلام قوله: ما من عبد منع زكاة ماله الا جعل الله تعالى ذلك يوم القيامة ثعباناً من نار، ونُقل في رواية أخرى عنه عليه السلام: ما من رجل لا يؤدي زكاة ماله الا جعل في عنقه شجاع يوم القيامة.
5 - ومن ذلك قوله تعالى في سورة الزمر: «وبدالهم سيئات ما كسبوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون» (48)، فهذه الآية تحمل من المعاني ما يفضي الى التوافق مع منهج القول بتجسيم الأعمال، لأنها تقول بأن نتيجة عملهم ستبدو أي تظهر كاملة واضحة، والسيئات هي كما هو معروف أصل الأعمال لا جزاء الأعمال، وحاق بهم أي أحاط بهم. وقد نُقل عن رسول الله صلى الله عليه وآله بعد قراءته لهذه الآية: هي الأعمال حسبوها حسنات فوجدوها في كفة السيئات.
وقد جاءت روايات كثيرة في تجسم الأعمال يوم القيامة وعلى سبيل المثال نذكر هذه الرواية: روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله: ان المؤمن إذا خرج من قبره صُور له عمله في صورة حسنة، فيقول له: ما أنت؟ فوالله إني لأراك امرأ صدق، فيقول له: أنا عملك، فيكون له نوراً وقائداً الى الجنة.
وأما تجسم الأعمال في عالم البرزخ فالحديث عن هذا الموضوع هو من الامور التي يكثر الحديث عنها، والتكلم عما يترتب عليها من شدائد ومصاعب لا تعد ولا تحصى، الا ان من المهم بمكان القول بأن كلمة المسلمين قد اجتمعت على وقوع حساب وعذاب البرزخ وثوابه، حتى عُد هذا الأمر من ضروريات الدين الاسلامي الثابتة، وأن منكره كافر. قال المحقق الطوسي رحمه الله في تجريده: عذاب القبر واقع لا محالة، لا مكانة وتواتر السمع بوقوعه. وقد شرح العلامة الحلي هذه العبارة: نُقل عن ضرار أنه أنكر عذاب القبر، والاجماع على خلافه. وفي شرح المقاصد: اتفق الاسلاميون على حقيقة سؤال منكر ونكير في القبر، وعذاب الكفار وبعض العصاة فيه، ونُسب خلافه الى بعض المعتزلة.
وعموماً جاءت روايات كثيرة ومتعددة في مسألة تجسم الأعمال في البرزخ، منها ما رواه الكليني في الكافي عن أبي سيار، عن الامام الصادق عليه السلام من أنه قال: إذا دخل المؤمن قبره كانت الصلاة عن يمينه، والزكاة عن يساره، والبر مطل عليه، قال عليه السلام: فينتحي الصبر ناحية، فإذا دخل عليه الملكان اللذان يليان مساءلته قال الصبر للصلاة والزكاة: دونكما صاحبكما، فإن عجزتما عنه فأنا دونه.
* الأمين العام للهيئة العالمية للفقه الإسلامي
فأعمال الخلق على صنفيها السيئ والرديء، أو الخير والشر، هي في
كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة الا أحصاها، وتقام الحجة على هؤلاء
العباد بعرض ما قاموا به من أعمال عليهم، فهو يرى كيف سرق، وكيف زنى، وكيف قتل، وكيف فعل المنكرات، كما
أن هناك من يرى أعماله الخيرة، وأفعاله الطيبة فيبتهج بها، ويسعد برؤيتها، خلاف الأول الذي يتمنى لو تسوى
به الأرض، أو لم يكن شيئاً لينجو من الخزي الأكبر الذي يحيق به، ويكشف كل أفعاله المنكرة، ويفضحه على رؤوس الأشهاد، أجارنا الله تعالى وجميع المؤمنين والمؤمنات من هذا الموقف العسير.
وحقاً ان كيفية هذا العرض تبقى الآن غيبية رغم أن هناك الكثير من التفسيرات لهذا الأمر، الا ان المهم حقيقة اصل الموضوع، وهو تجسّم الأعمال - خيرها وشرها - وعرضها على الإنسان، وتلقيه جزاءها وعاقبة أفعالها. فعندما نقرأ قوله تعالى في سورة الزلزلة: «فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره». (7-8).
لا بد أن تتبادر الى الذهن مسألة ما يراه الإنسان هو نتيجة عمله، وحاصل تحصيل ما قدمه من أفعال، ولكن - واسترسالاً مع ما سنقرأه في الآيات المباركة الكريمة ألا يمكن أن نتصور ان هذا هو العرض للأعمال، لا سيما ونحن نشهد في عصرنا الحديث وسائل تقنية عالية، وقدرات علمية عظيمة تكشف لنا الكثير من القدرات الرهيبة؟!
انه مجرد تساؤل فحسب لا جزم ولا تفسير، وحيث تسنده الكثير من الدلائل والمعطيات المختلفة:
1 - قال تعالى في سورة الكهف: «ووجدوا ما عملوا حاضراً ولا يظلم ربُك أحداً» (49).
قال أستاذنا الطباطبائي رحمه الله
في تعليقه على هذه الآية: ظاهر السياق كون الجملة تأسيساً لا عطف تفسير لقوله «لا يغادر صغيرة ولا كبيرة»
وعليه فالحاضر عندهم نفس الأعمال بصورتها المناسبة لها لا كتابتها كما هو ظاهر».
2 - وفي سورة آل عمران نقرأ قوله تعالى: «يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً» (30)، بالتأمل في هذه الآية المباركة نجد أن هناك ما يؤيد ويدعم نظرية تجسّد الأعمال بشكل جلي، لأنها تشير الى حضور تلك الأعمال وسعي ذلك العاصي الى الابتعاد عنها، والهروب من الاقتراب منها، بل والتمني بأن يكون بينها وبين تلك الأعمال المنكرة فاصلة زمانية كبيرة.
3 - وأما في سورة آل عمران فنقرأ قوله جل اسمه: «ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيراً لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة» (180)، وفي هذه الآية دلالة لا تخفى على تجسيم الأعمال من حيث تطويق ما يبخل به البعض من الحقوق لأعناقهم يوم القيامة، وتحول ذلك الحق الشرعي المترتب عليه، والذي بخل عليه، وأعرض عن الوفاء به، الى ثعبان او غير ذلك، يطوق عنقه يوم القيامة، وهو ما توضحه الأخبار والروايات المختلفة.
روي عن الإمام محمد بن علي الباقر عليه السلام قوله: ما من عبد منع زكاة ماله الا جعل الله تعالى ذلك يوم القيامة ثعباناً من نار، ونُقل في رواية أخرى عنه عليه السلام: ما من رجل لا يؤدي زكاة ماله الا جعل في عنقه شجاع يوم القيامة.
5 - ومن ذلك قوله تعالى في سورة الزمر: «وبدالهم سيئات ما كسبوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون» (48)، فهذه الآية تحمل من المعاني ما يفضي الى التوافق مع منهج القول بتجسيم الأعمال، لأنها تقول بأن نتيجة عملهم ستبدو أي تظهر كاملة واضحة، والسيئات هي كما هو معروف أصل الأعمال لا جزاء الأعمال، وحاق بهم أي أحاط بهم. وقد نُقل عن رسول الله صلى الله عليه وآله بعد قراءته لهذه الآية: هي الأعمال حسبوها حسنات فوجدوها في كفة السيئات.
وقد جاءت روايات كثيرة في تجسم الأعمال يوم القيامة وعلى سبيل المثال نذكر هذه الرواية: روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله: ان المؤمن إذا خرج من قبره صُور له عمله في صورة حسنة، فيقول له: ما أنت؟ فوالله إني لأراك امرأ صدق، فيقول له: أنا عملك، فيكون له نوراً وقائداً الى الجنة.
وأما تجسم الأعمال في عالم البرزخ فالحديث عن هذا الموضوع هو من الامور التي يكثر الحديث عنها، والتكلم عما يترتب عليها من شدائد ومصاعب لا تعد ولا تحصى، الا ان من المهم بمكان القول بأن كلمة المسلمين قد اجتمعت على وقوع حساب وعذاب البرزخ وثوابه، حتى عُد هذا الأمر من ضروريات الدين الاسلامي الثابتة، وأن منكره كافر. قال المحقق الطوسي رحمه الله في تجريده: عذاب القبر واقع لا محالة، لا مكانة وتواتر السمع بوقوعه. وقد شرح العلامة الحلي هذه العبارة: نُقل عن ضرار أنه أنكر عذاب القبر، والاجماع على خلافه. وفي شرح المقاصد: اتفق الاسلاميون على حقيقة سؤال منكر ونكير في القبر، وعذاب الكفار وبعض العصاة فيه، ونُسب خلافه الى بعض المعتزلة.
وعموماً جاءت روايات كثيرة ومتعددة في مسألة تجسم الأعمال في البرزخ، منها ما رواه الكليني في الكافي عن أبي سيار، عن الامام الصادق عليه السلام من أنه قال: إذا دخل المؤمن قبره كانت الصلاة عن يمينه، والزكاة عن يساره، والبر مطل عليه، قال عليه السلام: فينتحي الصبر ناحية، فإذا دخل عليه الملكان اللذان يليان مساءلته قال الصبر للصلاة والزكاة: دونكما صاحبكما، فإن عجزتما عنه فأنا دونه.
* الأمين العام للهيئة العالمية للفقه الإسلامي