No Script

فكرة لبكرة / التواصل اللغوي بين دول الخليج والعمالة الوافدة (2)

u062f. u0641u0647u062f u0633u0627u0644u0645 u0627u0644u0631u0627u0634u062f
د. فهد سالم الراشد
تصغير
تكبير
... لا أريد أن أقف كثيرا عند الاقتراض اللغوي وأنقل من هنا وهناك، فعهدي بالمتلقي قد قرأ كل ذلك أو شيئا من ذلك، لذا سوف أختصر الحديث عن اقتراض قريش من اللهجات العربية الأخرى، لسبب واحد وهو: هناك ما يميز لهجة قريش عن سائر اللهجات العربية وهذا ما ذكره السيوطي في المزهر:«كانت العرب تحضر الموسم في كل عام، وتحج البيت في الجاهلية، وقريش يسمعون لغات العرب، فما استحسنوه من لغاتهم تكلموا به، فصارت أفصح العرب، وخلت لغتهم من مستقبح اللغات ومستبشع الألفاظ كالكشكشة والكسكسة والشنشنة». ما معنى (فما استحسنوه من لغاتهم تكلموا به) إذن هناك ألفاظ عربية تستخدمها القبائل العربية أفضل من الألفاظ التي تستخدمها قريش، وإذا أخذت قريش لفظة عربية من لهجات القبائل العربية؛ فأين بديلها من لهجة قريش التي استغنت عنها؟ وفي الشعر تجد اقتراضا واضحا، «نسب البغدادي حذف النون في الموصول إلى بني الحارث بن كعب وبعض ربيعة ومنه قول الأخطل:

هم اللتا لو ولدت تميم.... لقيل فخر لهم صميم

فأنت ترى أن الأخطل التغلبي قد استعمل ما هو معروف في لغة هذيل».

قال صلى الله عليه وسلم:«أقرأني جبريل على حرف واحد، فراجعته، فلم أزل استزيده ويزيدني حتى أنهى إلى سبعة أحرف»، وهذا ما يفسر استخدام الضمير المنفصل للمتكلم (أنا)؛ فالعراقي يقول (آني) والكويتي يقول (آنا) والمصري يقول (أنه) والجزائري يقول (أنايا).

ونحن نرى اليوم في اللهجات المحلية للدول العربية سواء أكان ذلك في مشرقها أم في مغربها، هناك استعارات واضحة الكويتي أدخل في كلامه كلمات مصرية وعراقية - على سبيل المثال - والجزائري أدخل في كلامه كلمات لبنانية أو سورية – على سبيل المثال - والعكس صحيح، وهذا ينطبق على كل الدول العربية؛ فقد أصبحت الكلمات متبادلة بين دول العالم العربي وخير دليل على هذا مشاهدتك للقنوات الفضائية، فلم نعد نميز إن كان هذا الشخص مصريا أم جزائريا، ناهيك عن التزاوج والمصاهرة. قال ابن جني:«اللغات على اختلافها كلها حجة»، فالاستعارة أو الاقتراض ناتج عن عملية التأثر، والمصالح المشتركة.

لقد توصلت أخيرا إلى مصطلح لا أدري إن سبقني أحد على استعماله، ولكن يتجه ظني أنه وليد اللحظة وهو (أسلمة الألفاظ الأجنبية)؛ فمثلما الأميركي المسلم والروسي المسلم والهندي المسلم أو أي أجنبي غير عربي مسلم هو أخي في الإسلام، كذلك اللفظة الأجنبية هي أخت اللفظة العربية بالقرآن، ألم نسمع قوله تعالى:«وما أرسلناك إلا كافة للناس» وقوله تعالى:«إنا جعلناه قرآنا عربيا». وعجبا ممن يدعون بأنه لا توجد ألفاظ غير عربية في القرآن الكريم، كيف والقرآن الكريم يقصّ قصص الأولين من غير العرب بمسمياتهم كأسماء أعجمية غيرعربية، ولكنه يقصّها بلغة عربية محافظا على أعجمية هذه المسميات.

نماذج من أسلمة الألفاظ الأجنبيةإن خير دليل على هذه الأسلمة، ما فعلته الدول العربية في شقيها سواء في المغرب العربي أو في المشرق العربي وعلى وجه الخصوص دول الخليج العربية، عندما قامت بأسلمة الألفاظ الأجنبية التي دخلت إلى المجتمعات العربية وأصبحت في ثنيا لغة التواصل المحكية في الشارع وخلافه، وليست المكتوبة فاستعمرتها اللغة العربية، مثلما استعمرت اللغة الأسبانية كثيرا من مفردات اللغة العربية، وكذلك استعمرت اللغة الفرنسية كثيرا من مفردات اللغة العربية، وغيرها الكثير من اللغات الأجنبية التي تجد بها مفردات عربية، فنجد العالم العربي ينقسم إلى ثلاثة أقسام، قسم أدخل مع لغته العربية اللغة الإنجليزية، ونعني بذلك دول الخليج العربي، وقسم أدخل مع لغته العربية اللغة الفرنسية، ونعني بذلك دول شمال إفريقيا، ودول أدخلت مع لغتها العربية اللغة الفرنسية والإنجليزية من مثل مصر ولبنان، وهذا لا يعني بأنه لا توجد لغات أخرى محكية من غير الإنجليزي و الفرنسية، بل أن هناك ألفاظا فارسية وهندية وإسبانية وتركية وغيرها، ولكنني ركزت على اللغة الإنجليزية والفرنسية لأنها لغات حيّة متقدمة قد وفرت فرصا للعمل. ومن المفردات الأجنبية التي دخلت على اللغة العربية المحكية والمتداولة يوميا كلغة شارع وسوق، على سبيل المثال في دول الخليج (أوكي) بمعنى تم. مسميات السيارة ممن مثل (السكان: مقود السيارة، الكير: عمود الغيارات، الكلش: مفتاح الغيارات، الراديتر: مبرد الماء، التابلوم: صدر السيارة من الداخل، السبير: عجلة الاحتياط)، ومن الكلمات الفرنسية المستخدمة في اللغة المحكية في شمال إفريقيا (باسكو) وتعني: لأن، (فوتي): انتخاب، وقد أدخلوا عليها الضمائر العربية من مثل: (أنتوما فوتيتوا)، أنا (فوتيت). (ديرونجي): إزعاج، وقد أدخلوا عليها الضمائر العربية من مثل:(ماديرونجيني ما ديرونجيك). (ديماري): يتحرك، (أنا ديماريت) وفي الحلويات يقولون (بيتي فور) وهي بالفرنسية (صغائر الفرن)، وفي مصر يقولون عن الغطاء (كوفيرتا) وهي مأخوذة من الفرنسية. فلا يسعنا في هذا المقام بسط جميع الألفاظ الأجنبية التي استعمرتها اللغة العربية في لغة محكية سواء في الشارع أو في السوق أو في الحياة اليومية. بدليل أن الفرنسي يرفض استخدام جمع المؤنث السالم في لفظة (براج) وتعني نقطة التفتيش، فالجزائري في لهجته المحكية اليومية يجمعها على (براجات). وكذلك الأميركي سوف يرفض (ترايك أو ليسنك) فـ (تراي) تعني (اختبار) وقد لصقت هذه اللفظة عند الكويتيين بـاختبار قيادة السيارة، وأدخلوا عليها الضمائر العربية مثل كاف الخطاب، وكذلك (ليسن) وهي تعني (الإجازة)، وقد ارتبطت هذه اللفظة باللهجة الكويتية برخصة السوق أو القيادة للسيارات، وقد أدخلوا عليها الضمائر العربية، مثل كاف الخطاب. وهذه ما نعنيه بأسلمة الألفاظ الأجنبية.

وللبحث بقية.....

*باحث لغوي وكاتب كويتي

fahd61rashed@hotmail.com
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي