«أرض معزولة بالنوم» عنوان ديوانه الجديد «2 من 2»

ناظم السيد: أميل إلى الغنائية ولا أنتمي الى الشعر المسحوب منه العاطفة

تصغير
تكبير
|بيروت - من محمد دياب|
... بالفعل لاحظنا وجود هذه المساحة من الرؤية التي تعتمد على حاسة النظر، والقارئ لا يقرأ فحسب عن الشباك بل ينتقل إلى رؤية الغرفة التي يتحدث عنها ناظم من خلال القراءة. هل تعمدت هذا؟ ولماذا؟
ـ بالنسبة إلى البعد البصري في النص الذي أكتبه، أعتقد أنه جاء عفو الخاطر ولم أتعمده اطلاقاً. وربما البحث عن هذا البعد يحتاج إلى دراسة ليست أدبية أو ثقافية وإنما سيكولوجية. ثمة مؤثرات تؤثر فينا تجعلنا ننحاز إلى حاسة من الحواس أكثر من الأخرى. أنا أنحاز إلى النظر، وربما كان الأمر له بعد عضوي، لا أبالغ ربما أن حاسة النظر عندي أقوى من السمع أو الشم. هذه حقيقة على كل حال ألمسها في حياتي اليومية، ولهذا أنحاز إلى البعد النظري. ثم أحاول دائما في كتاباتي أن أحول كل شيء إلى بصر، حتى في عناوين كتبي الثلاثة: «برتقالة مقشرة من الداخل» هي مشهد، «العين الأخيرة» هي مشهد، «أرض معزولة» بالنوم هي مشهد. في التفاصيل تجد أن الحاسة الطاغية هي المشهد، هذا جزء. الجزء الآخر أنني أعيش في عالم مرئي، أعيش في عالم تتقدم فيه الصورة، وهذا كلام ربما الكثيرون قالوه من قبل، الى درجة أنه صار مبتذلاً إن تحدثت عن الصورة والمشهد. ولكن الواقع أنني أعيش في عالم مليء باللوحات الإعلانية والسينما والتلفزيون والإنترنت. على كل حال في القراءة، الكلمات نفسها ليست تجريداً فقط، بل هي مشهد. تتذكر فقرة في كتاب، فتتذكر موقع هذا السطر وموقع الكلمة، كما تتذكر الفكرة نفسها. ورغم حاسة الشم أقدم الحواس عند البشر، إلا أن حاسة النظر هي أقواها. فرويد يقول: «منذ استوى الإنسان على قدميه، أصبح يستعمل حاسة النظر أكثر من بقية الحواس». أنا أميل إلى حاسة النظر، وأميل إلى تحويل العالم مشهداً، وأستمتع بالنظر الى درجة أني أختنق في العتمة بكل ما للكلمة من معنى، وأختنق في الأماكن المغلقة. في «العين الأخيرة»، ثمة مقاطع أحول فيها الصوت إلى مشهد، مثلاًً : «صوتك خلفي، يقلد خطواتي، ويخطئ في الإملاء». هكذا أحس وهكذا أكتب ببساطة.
في أرض معزولة بالنوم وجدنا أن ثمة اهتماماً أكثر باللغة أو اعتناءً أكثر، على عكس ما سبق من دواوين لك كما في العين الأخيرة مثلاً ؟
ـ في «العين الأخيرة» كنت أحاول أن أبني نصا فرديا قائما على فكرة واحدة، «العين الأخيرة» هو صوت واحد ليس نصاً متعدد الأصوات. وكنت أتعمد أحيانا أن استعمل الجمل البسيطة، لأنني كنت ضد النص المغلق. كنت منحازا إلى نص فيه فتحات للتهوئة ليقرأه القارئ بتتابع. أردت أن أتجاوز هذا النص في «أرض معزولة بالنوم»، فكتبت نصاً اللغة فيه مركبة والصنعة فيه أكبر إذا صح التعبير. هذا لا يعني أن العفوية غير موجودة. إنما كانت اللغة متدبرة أكثر، الوعي باللغة فيه متحذلق أكثر إذا صح التعبير. لكن هذا الإستنتاج الصحيح، جزء منه هو بنية النص نفسه القائم على التفكيك. كل جملة هي فكرة مستقلة. كل جملة هي صورة شعرية، وكل جملة هي دفقة شعورية.
في العين الأخيرة الجمل يتناسل بعضها من بعض، الجملة تخرج من الجملة التي قبلها وتمهد للجملة التي تليها. في أرض معزولة بالنوم، الجمل محكمة ومغلقة. والربط بينها هو ربط صوتي أو عبر أدوات. هذه البنية تعطي الشعور أن النص مصنوع أو متحذلق أكثر. وعلى قاعدة: «مغبون من تساوى يوماه» أردت أن أكتب نصا مركبا، وفيه طبقات أكثر، لكي يقرأه القارئ أكثر من مرة. القارئ يقرأ العين الأخيرة مرة واحدة تكون كافية ليفهمه أو يشعر به. بينما «أرض معزولة بالنوم» ربما يتحمل أكثر من قراءة.
هل هذا الاهتمام باللغة هو للتعويض عن الغنائية التي تفتقدها قصيدة النثر؟
ـ ربما... على كل حال أنا اميل الى الغنائية وأنحاز الى الغنائية، على عكس الكثيرين ممن نظروا الى ما يسمى الشعر الجاف. في مرحلة شعراء الحرب عندنا في لبنان في الثمانينات وحتى قبل لك، في السبعينات، لنذكر على سبيل المثال عباس بيضون، ويوسف بزي وشارل شهوان، هؤلاء كتبوا قصيدة يمكن أن تندرج في إطار الشعر الجاف.
أنا أنحاز الى الغنائية، ومن أجمل ما قرأت عن الغنائية الحديثة كتابان لـ «أوكتافيو باس» الشاعر اللاتيني الذي نال جائزة نوبل عام 1986 وهما «الشعر ونهاية القرن» وكتاب «أطفال التين». أوكتافيو يعتبر أن الشعر الغنائي أو الرومانسية هي التي أسست للحداثة وليست السوريالية أو الرمزية أو الدادئية وغيرها من المذاهب الأدبية. الشعر الرومنسي حطم أكبر صنم شعري في التاريخ وهو الكلاسيكية، صنم عمره مئات السنين، لا يمكن أن يحطمه مذهب مثل الدادئية، لايمكن أن تحطم الكلاسيكية بالشعر الجاف، الرومانسية والغنائية استطاعت أن تحطم هذا النوع من الشعر. ولكن الغنائية التي أنتمي إليها هي غنائية شريرة إذا صح التعبير. بمعنى هي ذات إيقاعات داخلية، هي غنائية ليست ساذجة. غنائية مسننة وحادة وتخفي طبقات وفيها تأمل وتفكك . وليس مثل الغنائية المباشرة، التي تتناول الطبيعة، العلاقة بين الأمل والطبيعة، بطريقة تتناول الحنين إلى الزمن الماضي. أو فيها البحث عن الفردوس المفقود. الغنائية التي أكتبها هي نوع من العاطفة، العاطفة هذه الكلمة التي أصبحت مبتذلة في النقد اليوم. لكن العاطفة نفسها هي ما يعنيه شخص مثل الفيلسوف «غاستون بشلار» الذي أدهش الشعراء في الستينات، والذي يقول: «متعة القراءة، انعكاس لمتعة الكتابة». حين تستمتع وأنت تكتب لابد أن يستمتع القارئ. هذا مفهومي للغنائية، أنك تكتب بانسجام مع نفسك. أما ماسمى بقصيدة البياض أو بالشعر الجاف أو بالشعر المسحوب منه العاطفة، فأنا لا أنتمي إليه. لأنني أعتبره نوعاً من الفذلكة الزائدة في القصيدة. أعتقد أننا يجب أن نعيد مد الجسور بيننا وبين القارئ. وأعتقد أن جزءاً من أزمة الشعر الحديث، أن بنى سداً بينه وبين القارئ وقطع الجسور مع القارئ. وهذه ليست أزمة عصر فقط ، وإنما أزمة النص الشعري نفسه. نحن دائماً نرمي بالمشكلة على الزمن وعلى عوامل خارج الشعر، بينما أرى أن جزءاً كبيراً من المشكلة وليس كلها، هي مايكتب اليوم من شعر. على كل حال هناك شعراء كبار في لبنان وأنا أحبهم، وهم في محل تقدير من معظم الأجيال كتبوا غنائية ولكنها غنائية منضبطة، مثلاً الشاعر وديع سعادة، أجمل كتبه «ليس للمساء أخوة» وكتاب» رجل في هواء مستعمل يقعد ويفكر في الحيوانات» وكتاب «مقعد راكب غادر الباص» ثلاثة كتب من أجمل ما كتب في لبنان فيها شيء من الغنائية. وخذ مثلاً الشاعر بسام حجار، بسام يكتب نصاً غنائياً، ولكن نصه أكثر حداثة من الكثير ممن يدعون أنهم يكتبون نصاً حديثاً مغلقاً ومتعاليا عن القراء.
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي