الزمن في الشعر الشعبي الحديث (3من 4)
من خلال هذا التطرق لهذه الزاوية عند الشاعر عمري الرحيل نجد أن إحساسه بالزمن سواء الزمن كحالة مجردة والتي عبر عنها بقوله في أكثر من موضوع «الزمن - الوقت - السنين» أو تلك التي خصها الشاعر وجعلها تدور حوله «أيامي_الليل_البارحة» حيث جعلها في هذا التخصيص تخرج من الحالة المجردة إلى الحالة الحسية المتصلة بالشاعر، إنما كان يتعامل مع أشبه ما يكون بالشبح الجاثم فوق صدره، ولم يستطع التعامل معه أو إيجاد المعادلة النفسية إلا بحالتين، الحالة الأولى من خلال الصوت الذي يمثل شعره وثقافته ودوره في الحياة، أو من خلال مشاعره التي سكبها لنا في عيون محبوبته، لهذا جاءت معجونة بالدموع والإحساس بالانكسار أمام حبه لها، وكذلك بالحنين والجراح والبكاء والغناء «أهيجن على جال السهر» لهذا كان يناشدها متوسلاً لها «لا تتركين الليل هذا يحاصرني» ثم وهو يقول كذلك «آه ما أطول غربتي...الليالي والفتني بسوادها» فهذا الحضور الذي تجاوز كونه ناتجاً عن عدم توافق أو عدم تصالح «هذا الزمن عيا يصالح» أو «هذا الوقت جارح» ليتحول إلى عدو جاثم على الصدر، لا يفارق الشاعر، مما دفعه إلى أن يناشد المحبوب عدم تركه وحيداً في هذا الطريق
إن هذا التغلغل الواضح في تفاصيل الوقت والزمن لا نجده عند إبراهيم السمحان الذي تعامل معه تعاملاً عابراً، غير أنه لم يكن بعيداً عن عمري الذي لم يكن متوافقاً معه، حيث كان السمحان يعكس لنا عدم الثقة هذه، إذ صورها بشكل منفر
الثواني تدقك على الخبز ساعة
تدوسك حوافر جفاف ومجاعة
تشوفك
بلاهة
تفاهة
وتكنسك
تمسحك
تتفل عليك
هذا الوضع غير التوافقي لدى الشاعر مع الزمن، يدل على أن الشاعر يخاف من الزمن باعتبار أن الزمن من خلال مفردة «الثواني» التي انسابت مع الشاعر بأشكال متعددة تمثل له عدّاً تنازليّاً يتناقص لسنوات العمر، غير أن هذه الحالة لا يختص بها السمحان دون سواه، فهذا الهاجس ملازم الشعراء والناس الآخرين، وهذا الهاجس منتشر ومتفق عليه ضمنيًّا، لكن السمحان تعامل بشكل أكثر بشاعة «بلاهة - تفاهة - تكنسك - تدوسك - تمسحك - تتفل عليك» أي إنه قدم كل شيء يمكن تقديمه حيال هذه المعضلة التي حاول مهدي بن سعيد التعامل معها بنوع من الحذر، حيث اختصر الزمن بالعمر بوضوح وتناول هذه المسألة بمساحة أكثر، رغم اتشاحها بهاجس الخوف والأرق و«الهجوس» التي كانت تشتعل في كيانه
متى اكتشفت إن العمر
حفنة ورق؟!
مدري متى
لكني أتذكر تعذيب الشفق
وقبلي قطيع من الهجوس؟؟
وخلفي هزيع من الأرق!
لقد حاول مهدي بن سعيد النظر إلى مسألة الزمن لديه من بوابة العمر، وهذا هو العنصر المهم في حياة الإنسان لهذا كانت نظرته إلى هذه الزاوية تنطلق من عاملين، عامل المادة وعامل الفكر أو الروح، حيث إنه أشار إلى عامل المادة بقوله:»حفنة ورق» وهي المعادل للمال الذي يسير حياة الإنسان في هذه الدنيا، وهو الذي يكسب الحياة قيمتها، وقد قدمه الله سبحانه وتعالى في القرآن على البنين «المال والبنون زينة الحياة الدنيا» أما العامل الثاني فهو عامل الفكر أو الروح، حيث كانت هناك كلمات توحي بهذا الحضور من خلال «تعذيب الشفق - قطيع من الهجوس - هزيع من الأرق» وعن طريق هذا التناول يتضح لنا أن الزمن لدى مهدي بن سعيد تحكمه حالتان: حالة خارجية ترتبط بحركة الحياة، وحالة داخلية تتعلق بتعلق الإنسان الروحي بهذا الوجود، وهو الذي تواصل معه فيما بعد، لأن الشاعر ومهما كان اتصاله بالمال ضروريّاً لبقائه على قيد الحياة، وهذا من حقه وحق أي إنسان، لهذا يتحتم عليه أن يبقى على اتصال بالأمور المجردة، لأن من أهم وظائف الشعر التطرق إلى القضايا المجردة ذات الصلة بالحياة والمتصلة بالكون:
وأتذكر فـ صبح الهزيع..
إن الفصول تبدلت
حتى الربيع
أقدم جميل فـ دفتري وأول عشق
يبست زهوره في الخيال...
هذا الهاجس المرتاب في نفسية الشاعر تحول إلى صورة ارتسمت في خياله ليتشكل المشهد فيما بعد وتتبدل معه الأشياء وتسير حركة الفصول في الاتجاه الذي لا يريده الشاعر.
من يقرأ نصوص فهد عافت يجد أن الشاعر ماهر في خلق أجوائه الشعرية، لا سيما تلك الظروف التي لا يريد لها الخروج وذلك حينما تحول من شاعر رصيف أو شاعر يقف على رصيف الحياة إلى شاعر مداح، وماهر في هذا النوع، لهذا كان يستعرض عضلاته الشعرية مع اللغة لا مع الشعر كما في « كيمياء الغي « والتي غلفتها مهاراته في الكتابة والشعر:
كيمياء الغي
امنحيني بهجة الجهل
واعطيني فتنة اللاشي
عقرب الساعة نحاس
يسرد الكبريت وحدي
كنت في الغرفة
ووحدي شفت
كيف اغتصبت الظلما كتاب الضي
إن هذا التغلغل الواضح في تفاصيل الوقت والزمن لا نجده عند إبراهيم السمحان الذي تعامل معه تعاملاً عابراً، غير أنه لم يكن بعيداً عن عمري الذي لم يكن متوافقاً معه، حيث كان السمحان يعكس لنا عدم الثقة هذه، إذ صورها بشكل منفر
الثواني تدقك على الخبز ساعة
تدوسك حوافر جفاف ومجاعة
تشوفك
بلاهة
تفاهة
وتكنسك
تمسحك
تتفل عليك
هذا الوضع غير التوافقي لدى الشاعر مع الزمن، يدل على أن الشاعر يخاف من الزمن باعتبار أن الزمن من خلال مفردة «الثواني» التي انسابت مع الشاعر بأشكال متعددة تمثل له عدّاً تنازليّاً يتناقص لسنوات العمر، غير أن هذه الحالة لا يختص بها السمحان دون سواه، فهذا الهاجس ملازم الشعراء والناس الآخرين، وهذا الهاجس منتشر ومتفق عليه ضمنيًّا، لكن السمحان تعامل بشكل أكثر بشاعة «بلاهة - تفاهة - تكنسك - تدوسك - تمسحك - تتفل عليك» أي إنه قدم كل شيء يمكن تقديمه حيال هذه المعضلة التي حاول مهدي بن سعيد التعامل معها بنوع من الحذر، حيث اختصر الزمن بالعمر بوضوح وتناول هذه المسألة بمساحة أكثر، رغم اتشاحها بهاجس الخوف والأرق و«الهجوس» التي كانت تشتعل في كيانه
متى اكتشفت إن العمر
حفنة ورق؟!
مدري متى
لكني أتذكر تعذيب الشفق
وقبلي قطيع من الهجوس؟؟
وخلفي هزيع من الأرق!
لقد حاول مهدي بن سعيد النظر إلى مسألة الزمن لديه من بوابة العمر، وهذا هو العنصر المهم في حياة الإنسان لهذا كانت نظرته إلى هذه الزاوية تنطلق من عاملين، عامل المادة وعامل الفكر أو الروح، حيث إنه أشار إلى عامل المادة بقوله:»حفنة ورق» وهي المعادل للمال الذي يسير حياة الإنسان في هذه الدنيا، وهو الذي يكسب الحياة قيمتها، وقد قدمه الله سبحانه وتعالى في القرآن على البنين «المال والبنون زينة الحياة الدنيا» أما العامل الثاني فهو عامل الفكر أو الروح، حيث كانت هناك كلمات توحي بهذا الحضور من خلال «تعذيب الشفق - قطيع من الهجوس - هزيع من الأرق» وعن طريق هذا التناول يتضح لنا أن الزمن لدى مهدي بن سعيد تحكمه حالتان: حالة خارجية ترتبط بحركة الحياة، وحالة داخلية تتعلق بتعلق الإنسان الروحي بهذا الوجود، وهو الذي تواصل معه فيما بعد، لأن الشاعر ومهما كان اتصاله بالمال ضروريّاً لبقائه على قيد الحياة، وهذا من حقه وحق أي إنسان، لهذا يتحتم عليه أن يبقى على اتصال بالأمور المجردة، لأن من أهم وظائف الشعر التطرق إلى القضايا المجردة ذات الصلة بالحياة والمتصلة بالكون:
وأتذكر فـ صبح الهزيع..
إن الفصول تبدلت
حتى الربيع
أقدم جميل فـ دفتري وأول عشق
يبست زهوره في الخيال...
هذا الهاجس المرتاب في نفسية الشاعر تحول إلى صورة ارتسمت في خياله ليتشكل المشهد فيما بعد وتتبدل معه الأشياء وتسير حركة الفصول في الاتجاه الذي لا يريده الشاعر.
من يقرأ نصوص فهد عافت يجد أن الشاعر ماهر في خلق أجوائه الشعرية، لا سيما تلك الظروف التي لا يريد لها الخروج وذلك حينما تحول من شاعر رصيف أو شاعر يقف على رصيف الحياة إلى شاعر مداح، وماهر في هذا النوع، لهذا كان يستعرض عضلاته الشعرية مع اللغة لا مع الشعر كما في « كيمياء الغي « والتي غلفتها مهاراته في الكتابة والشعر:
كيمياء الغي
امنحيني بهجة الجهل
واعطيني فتنة اللاشي
عقرب الساعة نحاس
يسرد الكبريت وحدي
كنت في الغرفة
ووحدي شفت
كيف اغتصبت الظلما كتاب الضي