أعمال اليوم الأول من بؤر الصراع في سورية... وتونس تُثير الجدل
انطلاقة ساخنة لعروض مهرجان المسرح العربي
دخان الحرب السورية في «مدينة من ثلاثة فصول» (تصوير جاسم بارون)
مشهد من مسرحية «عنف» (تصوير كرم ذياب)
... ومشهد من مسرحية «ليس إلا» (تصوير جلال معوض)
الندوة التطبيقية لمسرحية «مدينة في ثلاثة فصول» (تصوير كرم ذياب)
• «مدينة من ثلاثة فصول»
... الحرب بين مَن ومَن؟
• «ليس إلا» تناول الإرهاب والمزايدات السياسية للهروب من المشاكل
• «عنف» الجعايبي ... الربيع العربي ينقلب دماراً
... الحرب بين مَن ومَن؟
• «ليس إلا» تناول الإرهاب والمزايدات السياسية للهروب من المشاكل
• «عنف» الجعايبي ... الربيع العربي ينقلب دماراً
ساخنة، جاءت انطلاقة مهرجان المسرح العربي، الذي تنظمه الهيئة العربية للمسرح وتحتضن الكويت دورته الثامنة. وأثارت البواكير التي جاءت بعروض قدمت من بؤر الصراع وقلبه في سورية، وأطرافه في تونس التي كانت مفجرة لما يعرف بثورات الربيع العربي الكثير من الجدل بمأسويتها وجرأتها الشديدة.
في مستهل العروض، دار حوار بين بطلي العرض المسرحي السوري «مدينة من ثلاثة فصول»، حيث قال الأول مستغرباً ومستنكراً: «أنقذوا الحجر وتركوا البشر!»، وتساءل بدهشة: الحرب بين مَن ومَن؟ ليجيب آخر: «الحرب بيننا وبيننا، وليست بيننا وبين إسرائيل». وكان هذا الحوار القصير هو
ملخص الرسالة التي أراد المخرج عروة العربي مع فريق عمله القادم من سورية إيصالها، إلى جمهور مهرجان المسرح العربي. وعلى خشبة مسرح عبدالحسين عبدالرضا كان الجمهور على موعد مع أسئلة الواقع السوري العبثية، من خلال مسرحية «مدينة من ثلاثة فصول» من إنتاج مديرية المسارح والموسيقى التابعة لوزارة الثقافة السورية، والتي اختارت الكوميديا السوداء في طرحها، لاعبة على وتر العبث المسرحي كمثال عن وجودية الإنسان في زمن الحرب وخوفه والوحشة التي تنتابه في مواجهته مع الآخر في ظل هذه الظروف، وهو عمل مأخوذ عن نص «احتفال ليلي خاص في دريسدن» للكاتب السوري الراحل مصطفى الحلاج الذي كتبه في العام 1970، مستذكراً فيه ما أقدم عليه الجيش الألماني من دمار ضدّ الشعوب الأوروبية، أعدّه مسرحياً كفاح الخوص ومن إخراج عروة العربي، جاؤوا به من حيث الحرب ما زالت هناك محتدمة ببلدهم سورية، والدمار منتشر في كل مكان، جاؤوا حاملين بين كلماته قضية وحزناً ومأساة، فقدّموا جميعاً دون استثناء إسقاطات ثقافية واجتماعية طوعها المخرج العربي لصالح الإطلالة على زمن الحرب، وما تتركه في نفس الإنسان من انهدامات وتمزق واضطراب نفسي وأخلاقي تجعل من الجميع مداناً أمام كثافة العنف وعبثيته ولا معقولية ما يحدث إزاء تفشي الموت وعدواه المرعبة.
اللعبة المسرحية كانت واضحة أمام الحضور منذ البداية كونها حكت عن القضايا الانسانية بشكل عام والحرب وتأثيرها وعن الحب والصداقة والتعاون، وظهر ذلك جلياً من خلال قصّة مجموعة من الأشخاص المختلفين طبقياً وفكرياً حاضرة في المجتمع السوري بقوة متمثلة بشخصية بائعة الهوى، صاحب الحانة، تاجر الحرب وابنته التي تعرّضت للاغتصاب على يد مختطفيها، حيث يحضر واحدٌ منهما متنكراً بزي ضابط في الجيش، جنرال متقاعد، عشيقين، بالإضافة إلى شاب مذعور وعازفة «تشيللو»، حيث انهم اختاروا البقاء في ملجأ لإحدى الحانات بانتظار وصول فرقة الانقاذ هرباً من القصف المتوالي.
لكن ورغم واقعية النصّ، إلاّ أن المخرج عروة العربي أراد تغريب العرض بعيداً عن جعله مباشراً مشيراً به إلى الواقع السوري المعاش الذي جاء منه، على الرغم من أن ما دار في رحى العرض المسرحي ينطبق تماماً مع أحداث سورية اليوم، ولكي يصل إلى التغريب الذي يريده حافظ العربي أيضاً على أسماء شخصياته الغربية التي كتبها الحلاج، ومن جهة اخرى جعل أيضاً اللغة المنطوقة طوال العرض هي العربية الفصحى وليست اللهجة السورية المحلية.
على صعيد الأداء التمثيلي، كان تقمّص الشخصيات طاغياً على كل ممثل ما جعله يبدو كأن الحدث حقيقي، وربما يعود السبب إلى أنهم يعيشون تلك المأساة يومياً وبالتالي ليسوا بحاجة إلى معايشة النص الورقي المكتوب، فكانت كلماتهم وإحاسيسهم تصل إلى المتلقي بكل سلاسة وصدق، ولو أن طول مدّة العرض قليلة جعل هناك نوعاً من الرتابة يسيطر في النهاية، لكن ربما للمخرج نظرة أخرى في جعل المتلقي يعيش تلك الحظات التي يعيشها المواطن السوري اليوم وهو ينتظر الفرج وأمل الخلاص من الحرب.
وفي ما يخصّ الديكور المسرحي الذي صممه المهندس زهير العربي، فكان معبراً عن المكان المشار إليه وهو قبو في احد البارات، جعل منه مصمم الديكور ممراً حدد من خلاله مسار وخطوات الممثلين، وهي إشارة إلى حبس الحرية وتقييدها بمكان معين، واستطاع بالتعاون مع مصمم الإضاءة نصر الله سفر إيصال الهدف المرجو منه، إلى جانب ترابط المؤثرات الصوتية وعازفة «التشيللو» رغد قصار معهما والتي عكست بدورها أجواء القصف والقذائف ناقلةً جحيم الحرب وفداحتها ومصائر الشخصيات في مواجهة الموت عزلاء ويائسة ومتهالكة نحو قدرها المحتوم.
ندوة تطبيقية
شهد مسرح الدسمة أولى الندوات التطبيقية للعروض بحضور عدد من المسرحيين الضيوف، وتناولت العرض السوري «مدينة من ثلاثة فصول» وعقب فيها الدكتور علي العنزي، بتوجيه التحية إلى فريق العمل على (عقلانية) العمل، الذي لا يدين طرف على حساب طرف، وحاول أن يكون متوازناً، وهي نقطة تحسب للمخرج ومعد النص كونهما قدما عملاً يهدف إلى (معارضة الحرب كفكرة)، كما وجه التحية إلى الممثلين جميعا خصوصاً يوسف المقبل، الذي كان أستاذاً على الخشبة».
من جانبه، رأى المخرج عروة العربي أن «الفن مفتوح وهو يقدم رسالة وكل شخص يفهمها بالطريقة التي يريدها، والوطن العربي يعيش ما تعيشه سورية وفي عملي كنت أدافع عن الإنسانية»، مشيرا إلى أننا «يجب أن نتعلم الدرس من سورية بعد أن فاتنا تعلمه من العراق». مضيفا أن: «الفن يجب أن يواكب الحدث اليومي»، لافتاً إلى أننا «لا نستطيع التحدث بحرية كاملة في بلدان الوطن العربي لهذا لجأت الى تغريب العمل»، ومضيفاً؛ «قبل اللجوء الى التجريب المسرحي يجب فهم المدارس الفنية كلها أولا وهضمها حتى نتمكن بعدها من التجريب، وهو ما جعلني أتبنى الأداء الواقعي في مسرحيتي واشتغل على قضية إنسانية»، مكملاً بأنهم في حاجة إلى جهات داعمة ومؤكدا أنه يحترم كل وجهات النظر التي طرحت في المداخلات.
وختم معد النص كفاح الخوص الندوة التطبيقية مؤكداً أن الفن لا يمكن فصله عن الدولة وأن فكرة الابتعاد تلك هي مثالية، وأننا جميعاً نعمل مع الدولة شئنا أم أبينا.
جرأة عروض تونس
ومن عبثية الحرب إلى الجرأة في الطرح والتقديم الصادم على خشبتي مسرحي كيفان والدسمة.
ففي ثاني العروض وعلى خشبة مسرح كيفان، قدمت فرقة «شرق» من تونس على هامش المهرجان مسرحية «ليس إلا» تأليف وإخراج انتصار العيساوي، ورغم جرأة التقديم وملابس بطلة العرض إلا أن نص المسرحية كان أكثر جرأة، حيث عرّج على ظاهرة الإرهاب والمزايدات السياسية للهروب من المشاكل الحقيقية لا للمثقّف لوحده بل للمواطن أيضا وفي العموم.
وقدّم «ليس إلا» حكاية رجل وامرأة اجتمعا باسم الحب وللحب، المرأة تحب الغناء أما الرجل فهو راقص استعراضي لا يجدان طريقا لإيصال رسالتهما إلى العالم. يعيشان المواقف المتضاربة لعاشقين يشتركان في حبّ الفنّ والحياة ويتصارعان للحفاظ على هذا الحبّ، لكن شتّان بين الأمنيات وبين واقع الحياة، ربما لأنهما يشعران بأن العالم حولهما لا يستوعب تلك العبارات التي هي أقرب إلى الهذيان أو ربما لأنهما يشعران بأن العالم يهذي أيضا.
تطلعات الكثيرين الثائرين لحياة كريمة وحق في الحياة، الحقّ الذي طال البحث عنه وغيّرت وجهته لمفاهيم الموت الجديدة لتزيد من ضغوط الحياة وواقع المجتمعات في دول ثورات الربيع العربي.
جاء النص ساخراً مليئاً بالكوميديا السوداء، متلاعبا بالمفردات والكلمات لصالح المعنى والفنان أو المثقّف ليس بمنأى عن هذه المزايدات، حيث يتعرض لكل أساليب الاستغلال تحت كلّ غطاء. ويتأرجح النص بين كابوس في المنام وبين واقع حقيقيّ معاش ويبقى المثقّف فيه حيّا وإن حكمت عليه كلّ الأطراف بالقتل. وكان الانتقال من مشهد إلى مشهد سلساً سريعاً بفضل النصّ الذي ساعدته عوامل أخرى كالإخراج والديكور والموسيقى وحركة الممثلين ومدى تفاعلهم على خشبة المسرح بشكل جذّاب بين الرومانسية والكوميديا.
طريقة الإخراج اعتمدت على لعبة الأضواء التي أضفت جمالية أخرى على النص تتنقل بك من مشهد إلى آخر بسلاسة تشبه محاكاة الممثلين لدوريهما في الأداء، وهما حمودة بن حسين وانتصار العيساوي التي هي في الوقت نفسه المخرجة والممثلة في المسرحية. وأخيرا جاء العرض جيدا بخلاف سقوط النص أحيانا ولكن القضايا التي تطرق إليها غلبت على العرض وباتت أعمق.
مسرحية «ليس إلا» تمثيل حمودة بن حسين، نص وإخراج انتصار عيساوي.
«عنف» الجعايبي
على خشبة أخرى، هي خشبة مسرح الدسمة، وعلى مدى ساعة وخمسين دقيقة أثار مخرج مسرحية «عنف» التونسي فاضل الجعايبي الكثير من الأسئلة الحارقة عن العنف والتنشئة الخاطئة، ويشير من خلال شخصياته إلى أن الأسئلة المطروحة اليوم تنحصر في «ما جذور العنف؟ وهل نحن معتدلون فعلا؟ وكيف تحولنا إلى قتلة؟ ومن أين تسلل لنا هذا الموت؟».
المسرحية التي عُرضت خارج المنافسة من تأليف جليلة بكار، بطولة فاطمة بن سعيدان، لبنى مليكة وآخرين، وهي من إنتاج المسرح الوطني التونسي عام 2015. ورأت المسرحية أن العنف جزء لا يتجزأ من وعي الإنسان، لاسيما بعدما تفجر بشكل واضح في أعقاب الثورة التونسية، التي رفعت شعارات تحقيق العيش والحرية والكرامة الإنسانية، لتفجر إرهابا بعد تحول مساراتها لم ينته، وانغمست المسرحية في الأمور السياسية.
وتناولت مسرحية «عنف» العنف اللفظي والمعنوي، حيث قدم فيها الجعايبي لوحات من المجتمع ترصد العنف بين الرجل والمرأة والإنسان والسلطة، كما سلطت المسرحية الضوء على مخاوف الليبراليين في تونس من تزايد نفوذ الإسلاميين في المجتمع منذ الثورة التي أطاحت بنظام الحكم السابق.
واعتمد الجعايبي على سينوغرافيا مسرحية مشبعة بالمؤثرات الدراماتورجية، موظفاً الضوء بنوره وظلامه ليحاكي العتمة السياسية والإبهام الثقافي في عصر النهضة الإسلامي الحاكمة في تونس، كما لم يترك الديكور الرمادي الحديدي متنفساً ولا أفقاً غير أفق الجريمة، فيما أبدع الممثلون بالشخصيات واندمج معهم الجمهور، حيث أشعر الضوء والموسيقى والشخصيات الهلامية الغائمة الجمهور بأنه يعيش كابوساً ومشاهد للقتل والاغتصاب والعنف.
في مستهل العروض، دار حوار بين بطلي العرض المسرحي السوري «مدينة من ثلاثة فصول»، حيث قال الأول مستغرباً ومستنكراً: «أنقذوا الحجر وتركوا البشر!»، وتساءل بدهشة: الحرب بين مَن ومَن؟ ليجيب آخر: «الحرب بيننا وبيننا، وليست بيننا وبين إسرائيل». وكان هذا الحوار القصير هو
ملخص الرسالة التي أراد المخرج عروة العربي مع فريق عمله القادم من سورية إيصالها، إلى جمهور مهرجان المسرح العربي. وعلى خشبة مسرح عبدالحسين عبدالرضا كان الجمهور على موعد مع أسئلة الواقع السوري العبثية، من خلال مسرحية «مدينة من ثلاثة فصول» من إنتاج مديرية المسارح والموسيقى التابعة لوزارة الثقافة السورية، والتي اختارت الكوميديا السوداء في طرحها، لاعبة على وتر العبث المسرحي كمثال عن وجودية الإنسان في زمن الحرب وخوفه والوحشة التي تنتابه في مواجهته مع الآخر في ظل هذه الظروف، وهو عمل مأخوذ عن نص «احتفال ليلي خاص في دريسدن» للكاتب السوري الراحل مصطفى الحلاج الذي كتبه في العام 1970، مستذكراً فيه ما أقدم عليه الجيش الألماني من دمار ضدّ الشعوب الأوروبية، أعدّه مسرحياً كفاح الخوص ومن إخراج عروة العربي، جاؤوا به من حيث الحرب ما زالت هناك محتدمة ببلدهم سورية، والدمار منتشر في كل مكان، جاؤوا حاملين بين كلماته قضية وحزناً ومأساة، فقدّموا جميعاً دون استثناء إسقاطات ثقافية واجتماعية طوعها المخرج العربي لصالح الإطلالة على زمن الحرب، وما تتركه في نفس الإنسان من انهدامات وتمزق واضطراب نفسي وأخلاقي تجعل من الجميع مداناً أمام كثافة العنف وعبثيته ولا معقولية ما يحدث إزاء تفشي الموت وعدواه المرعبة.
اللعبة المسرحية كانت واضحة أمام الحضور منذ البداية كونها حكت عن القضايا الانسانية بشكل عام والحرب وتأثيرها وعن الحب والصداقة والتعاون، وظهر ذلك جلياً من خلال قصّة مجموعة من الأشخاص المختلفين طبقياً وفكرياً حاضرة في المجتمع السوري بقوة متمثلة بشخصية بائعة الهوى، صاحب الحانة، تاجر الحرب وابنته التي تعرّضت للاغتصاب على يد مختطفيها، حيث يحضر واحدٌ منهما متنكراً بزي ضابط في الجيش، جنرال متقاعد، عشيقين، بالإضافة إلى شاب مذعور وعازفة «تشيللو»، حيث انهم اختاروا البقاء في ملجأ لإحدى الحانات بانتظار وصول فرقة الانقاذ هرباً من القصف المتوالي.
لكن ورغم واقعية النصّ، إلاّ أن المخرج عروة العربي أراد تغريب العرض بعيداً عن جعله مباشراً مشيراً به إلى الواقع السوري المعاش الذي جاء منه، على الرغم من أن ما دار في رحى العرض المسرحي ينطبق تماماً مع أحداث سورية اليوم، ولكي يصل إلى التغريب الذي يريده حافظ العربي أيضاً على أسماء شخصياته الغربية التي كتبها الحلاج، ومن جهة اخرى جعل أيضاً اللغة المنطوقة طوال العرض هي العربية الفصحى وليست اللهجة السورية المحلية.
على صعيد الأداء التمثيلي، كان تقمّص الشخصيات طاغياً على كل ممثل ما جعله يبدو كأن الحدث حقيقي، وربما يعود السبب إلى أنهم يعيشون تلك المأساة يومياً وبالتالي ليسوا بحاجة إلى معايشة النص الورقي المكتوب، فكانت كلماتهم وإحاسيسهم تصل إلى المتلقي بكل سلاسة وصدق، ولو أن طول مدّة العرض قليلة جعل هناك نوعاً من الرتابة يسيطر في النهاية، لكن ربما للمخرج نظرة أخرى في جعل المتلقي يعيش تلك الحظات التي يعيشها المواطن السوري اليوم وهو ينتظر الفرج وأمل الخلاص من الحرب.
وفي ما يخصّ الديكور المسرحي الذي صممه المهندس زهير العربي، فكان معبراً عن المكان المشار إليه وهو قبو في احد البارات، جعل منه مصمم الديكور ممراً حدد من خلاله مسار وخطوات الممثلين، وهي إشارة إلى حبس الحرية وتقييدها بمكان معين، واستطاع بالتعاون مع مصمم الإضاءة نصر الله سفر إيصال الهدف المرجو منه، إلى جانب ترابط المؤثرات الصوتية وعازفة «التشيللو» رغد قصار معهما والتي عكست بدورها أجواء القصف والقذائف ناقلةً جحيم الحرب وفداحتها ومصائر الشخصيات في مواجهة الموت عزلاء ويائسة ومتهالكة نحو قدرها المحتوم.
ندوة تطبيقية
شهد مسرح الدسمة أولى الندوات التطبيقية للعروض بحضور عدد من المسرحيين الضيوف، وتناولت العرض السوري «مدينة من ثلاثة فصول» وعقب فيها الدكتور علي العنزي، بتوجيه التحية إلى فريق العمل على (عقلانية) العمل، الذي لا يدين طرف على حساب طرف، وحاول أن يكون متوازناً، وهي نقطة تحسب للمخرج ومعد النص كونهما قدما عملاً يهدف إلى (معارضة الحرب كفكرة)، كما وجه التحية إلى الممثلين جميعا خصوصاً يوسف المقبل، الذي كان أستاذاً على الخشبة».
من جانبه، رأى المخرج عروة العربي أن «الفن مفتوح وهو يقدم رسالة وكل شخص يفهمها بالطريقة التي يريدها، والوطن العربي يعيش ما تعيشه سورية وفي عملي كنت أدافع عن الإنسانية»، مشيرا إلى أننا «يجب أن نتعلم الدرس من سورية بعد أن فاتنا تعلمه من العراق». مضيفا أن: «الفن يجب أن يواكب الحدث اليومي»، لافتاً إلى أننا «لا نستطيع التحدث بحرية كاملة في بلدان الوطن العربي لهذا لجأت الى تغريب العمل»، ومضيفاً؛ «قبل اللجوء الى التجريب المسرحي يجب فهم المدارس الفنية كلها أولا وهضمها حتى نتمكن بعدها من التجريب، وهو ما جعلني أتبنى الأداء الواقعي في مسرحيتي واشتغل على قضية إنسانية»، مكملاً بأنهم في حاجة إلى جهات داعمة ومؤكدا أنه يحترم كل وجهات النظر التي طرحت في المداخلات.
وختم معد النص كفاح الخوص الندوة التطبيقية مؤكداً أن الفن لا يمكن فصله عن الدولة وأن فكرة الابتعاد تلك هي مثالية، وأننا جميعاً نعمل مع الدولة شئنا أم أبينا.
جرأة عروض تونس
ومن عبثية الحرب إلى الجرأة في الطرح والتقديم الصادم على خشبتي مسرحي كيفان والدسمة.
ففي ثاني العروض وعلى خشبة مسرح كيفان، قدمت فرقة «شرق» من تونس على هامش المهرجان مسرحية «ليس إلا» تأليف وإخراج انتصار العيساوي، ورغم جرأة التقديم وملابس بطلة العرض إلا أن نص المسرحية كان أكثر جرأة، حيث عرّج على ظاهرة الإرهاب والمزايدات السياسية للهروب من المشاكل الحقيقية لا للمثقّف لوحده بل للمواطن أيضا وفي العموم.
وقدّم «ليس إلا» حكاية رجل وامرأة اجتمعا باسم الحب وللحب، المرأة تحب الغناء أما الرجل فهو راقص استعراضي لا يجدان طريقا لإيصال رسالتهما إلى العالم. يعيشان المواقف المتضاربة لعاشقين يشتركان في حبّ الفنّ والحياة ويتصارعان للحفاظ على هذا الحبّ، لكن شتّان بين الأمنيات وبين واقع الحياة، ربما لأنهما يشعران بأن العالم حولهما لا يستوعب تلك العبارات التي هي أقرب إلى الهذيان أو ربما لأنهما يشعران بأن العالم يهذي أيضا.
تطلعات الكثيرين الثائرين لحياة كريمة وحق في الحياة، الحقّ الذي طال البحث عنه وغيّرت وجهته لمفاهيم الموت الجديدة لتزيد من ضغوط الحياة وواقع المجتمعات في دول ثورات الربيع العربي.
جاء النص ساخراً مليئاً بالكوميديا السوداء، متلاعبا بالمفردات والكلمات لصالح المعنى والفنان أو المثقّف ليس بمنأى عن هذه المزايدات، حيث يتعرض لكل أساليب الاستغلال تحت كلّ غطاء. ويتأرجح النص بين كابوس في المنام وبين واقع حقيقيّ معاش ويبقى المثقّف فيه حيّا وإن حكمت عليه كلّ الأطراف بالقتل. وكان الانتقال من مشهد إلى مشهد سلساً سريعاً بفضل النصّ الذي ساعدته عوامل أخرى كالإخراج والديكور والموسيقى وحركة الممثلين ومدى تفاعلهم على خشبة المسرح بشكل جذّاب بين الرومانسية والكوميديا.
طريقة الإخراج اعتمدت على لعبة الأضواء التي أضفت جمالية أخرى على النص تتنقل بك من مشهد إلى آخر بسلاسة تشبه محاكاة الممثلين لدوريهما في الأداء، وهما حمودة بن حسين وانتصار العيساوي التي هي في الوقت نفسه المخرجة والممثلة في المسرحية. وأخيرا جاء العرض جيدا بخلاف سقوط النص أحيانا ولكن القضايا التي تطرق إليها غلبت على العرض وباتت أعمق.
مسرحية «ليس إلا» تمثيل حمودة بن حسين، نص وإخراج انتصار عيساوي.
«عنف» الجعايبي
على خشبة أخرى، هي خشبة مسرح الدسمة، وعلى مدى ساعة وخمسين دقيقة أثار مخرج مسرحية «عنف» التونسي فاضل الجعايبي الكثير من الأسئلة الحارقة عن العنف والتنشئة الخاطئة، ويشير من خلال شخصياته إلى أن الأسئلة المطروحة اليوم تنحصر في «ما جذور العنف؟ وهل نحن معتدلون فعلا؟ وكيف تحولنا إلى قتلة؟ ومن أين تسلل لنا هذا الموت؟».
المسرحية التي عُرضت خارج المنافسة من تأليف جليلة بكار، بطولة فاطمة بن سعيدان، لبنى مليكة وآخرين، وهي من إنتاج المسرح الوطني التونسي عام 2015. ورأت المسرحية أن العنف جزء لا يتجزأ من وعي الإنسان، لاسيما بعدما تفجر بشكل واضح في أعقاب الثورة التونسية، التي رفعت شعارات تحقيق العيش والحرية والكرامة الإنسانية، لتفجر إرهابا بعد تحول مساراتها لم ينته، وانغمست المسرحية في الأمور السياسية.
وتناولت مسرحية «عنف» العنف اللفظي والمعنوي، حيث قدم فيها الجعايبي لوحات من المجتمع ترصد العنف بين الرجل والمرأة والإنسان والسلطة، كما سلطت المسرحية الضوء على مخاوف الليبراليين في تونس من تزايد نفوذ الإسلاميين في المجتمع منذ الثورة التي أطاحت بنظام الحكم السابق.
واعتمد الجعايبي على سينوغرافيا مسرحية مشبعة بالمؤثرات الدراماتورجية، موظفاً الضوء بنوره وظلامه ليحاكي العتمة السياسية والإبهام الثقافي في عصر النهضة الإسلامي الحاكمة في تونس، كما لم يترك الديكور الرمادي الحديدي متنفساً ولا أفقاً غير أفق الجريمة، فيما أبدع الممثلون بالشخصيات واندمج معهم الجمهور، حيث أشعر الضوء والموسيقى والشخصيات الهلامية الغائمة الجمهور بأنه يعيش كابوساً ومشاهد للقتل والاغتصاب والعنف.