الزمن في الشعر الشعبي الحديث (2 من 4)?

| u0645u062du0645u062f u0645u0647u0627u0648u0634 u0627u0644u0638u0641u064au0631u064a |
| محمد مهاوش الظفيري |
تصغير
تكبير
كان عمري، الرجل في هذا الطرح يسعى إلى التغلغل في تفاصيل الأشياء الداخلية للشيء المجرد، والذي لا يمكن لمسه بقدر ما نستطيع تخيله

السنين.. توّني صكيت باب الدمع حتى ينكسر فيه الحنين..

يا جروحٍ هدت أيامي وراحت...

ما سألت الليل عن صوتك...

سألت الصوت عن هالقاسي اللي ما يلين

قمت أفتش عنك...

لا باب الخطايا ردتك...

ولا خطايا وقفت بي عند بابك

تايه مدري من أسأل...

هنا يتحول الزمن من مشهد مادي إلى قيمة فلسفية، حيث يتحول الزمن هنا إلى إشكالية لا يحرص فيها الشاعر على تلمس الحلول أو البحث معها عن إجابة، حيث يمتزج هذا الزمن بالمشاعر والجروح والصوت، في هذا المقطع بدأ الزمن يتخلل المساحات الضيقة من وجود الإنسان، لهذا يعلن الشاعر الحيرة في نهاية هذا الكلام «تايه مدري من أسأل...» لكن حينما نقرأ المقطع مرة أخرى نلمح ظهور الليل في هذا التركيب ممتزجاً بكل شيء، وكأن السنين انحسرت في تفاصيل ليل الشاعر الذي صار يتمدد معه في أكثر من مكان من هذه النصوص، وهذه الحيرة هي نتاج طبيعي لهذا التراكم الفلسفي الذي جنح إليه الشاعر من أجل اختراق الحدود للوصول إلى الذات الغائبة في ظل هذا الركام، حيث شكّل له الزمن معضلة إنسانية دفعت إلى كل هذا التأمل في ما حوله من أشياء كما هو واضح معنا في هذا المقطع

ما سألت الليل عن صوتك

..........

يا عيوني

ما بقى لليل باب... إلا وخلته من عيونك

يتقلص الزمن ضمن هذه المقاطع من ذلك الشيء الممتد اللا متناهي ليتحوّل إلى «ليل» أي انه ينكمش كل ذلك الكل المتكامل المسيطر على كل شيء، ليكوّن حالة جديدة مختزلة، غير أن هذا التحول لم يقف بالشاعر عند هذا الحد، أي حد الرغبة بصهر الأشياء وتحويلها إلى أجزاء صغيرة كالليل والعيون، وما يقابلها من أماكن ضيّقة كالباب والنافذة، وكأنه يجمع هذا الكم الممتد الذي اختزل الزمن فيه من أجل أن يدخله في هذا الثقب الضيّق – نوعًا ما – غير أن الأمر لم يقف بالشاعر عند هذا الحد، حيث يتحول الزمن من خلال نافذة الليل إلى باب يرى منه الشاعر عيون محبوبته التي ظلّت جروحه تنـزف منها ولها وعليها عندما أغلق «باب الدمع» باحثاً عنها في كل زاوية من زوايا الزمن إلى أن صار يتخيل عيونها وذلك أنها كانت تشكل له نافذة الزمن المسدود

الزمن عيا يصالح

ليه هذا الوقت جارح ؟؟؟

كنت صابر وأنتي همي البارحة

والله إن البارحة ما نام لي جفن وبكيت

يتواصل إحساس الشاعر بالزمن وتتحول الجروح إلى هموم توقظ ليل الشاعر بالسهر، ليصبح الزمن في ما بعد أنيس ورفيق رحلته، وهي رحلة عشق تمتد إلى داخل الشاعر وتسكن زوايا مشاعره، فكأن الحنين يتكسر في داخله من الألم والإحساس بالعذاب والتململ من الجراح، حيث يمتلئ ليله بالسهر والهموم وهو في هذا التناول يعلن أنه غير منسجم مع الزمن الذي «عيا يصالح وقد صار» هذا الوقت جارح وذلك أن الزمن لم يحقق للشاعر ما يريد

كلما يقسى زماني صرت أصيح بصوتك الغالي وأقول:

يا زمن لعيونها طاب لي حتى انكساري

أمام هذا الموقف المعاند لا يجد الشاعر له إلا عيون محبوبته كملجأ وكأمان يلوذ به عند الإحساس بثقل هذه السنين وقساوة هذا الزمن، إن حضور المحبوبة بهذا الشكل وذلك من خلال عيونها التي تمنحه الأمان إشارة بأن الزمن والسنين بشكل عام أو الليل بشكل خاص كما سيمر معنا في ما بعد إنما تشكل له هذه المجردات التي شخصها لنا الشاعر، إنها تمثل له المجهول والخوف والعالم الذي يريد التوافق معه أو لعله غير متوافق في الأساس معه، فهي أشبه ما تكون بالسجن الروحي والفكري الذي أطبق على الشاعر وخنق مشاعره، ولم يجد له مناصًا من هذا الضيق إلا باللجوء إلى أدواته الفنية كشاعر والمتمثلة له بالصوت الذي يشكل له الأمان والنافذة التي يطل من خلالها إلى العالم

علقيني في رموش الليل

ودي أهيجن على وادي السهر

..........

إنتي اللي تزرعين الليل بأطرافي وأموت

..........

اذكريني لا بغيتي تذكرين

إني أحبك

كثر هالليل والدمع وعيونك

فالعيون هي النافذة وهي صمام الأمان الذي يواجه به الشاعر هذا الجزء اللامرئي من الحياة، وقد قال في مقطع آخر كما مر معنا قبل قليل:«يا عيوني ما بقى لليل باب» لأن العيون هي الاستقرار النفسي والبحر الذي يسافر فيه الشاعر بعيداً عن هذا التداعي القاسي كما كان يقول.
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي