في النصف الأول من ثمانينيات القرن الماضي، وأثناء دراستي في جامعة الكويت أبلغنا الدكتور فيصل الجويهل عن نية معهد الكويت للأبحاث العلمية انشاء مختبر للخلايا الشمسية بهدف فحصها وتقييم أدائها بقصد اكتساب الخبرات الفنية اللازمة لاستثمار الطاقة الشمسية في الكويت.
أتذكر أنني سرحت في وقتها أحاور نفسي متسائلاً هل تلك الجهود من قبيل الترف البحثي؟، فنحن دولة صغيرة في مساحتها ونملك من النفط والمال ما يكفي لإنشاء منظومة كهربائية تغطي كافة المساحات المسكونة والمنظورة في خطط التوسعة العمرانية. حتى المناطق النائية غير السكنية يمكننا توفير الكهرباء لها بواسطة مولدات كهربائية تكلفتها معقولة وتستهلك وقوداً رخيصاً، فما الحاجة لدراسة تكنولوجيات مكلفة ورديئة الكفاءة مثل تلك المستخدمة لاستثمار الطاقة الشمسية؟
قبل أيام وأنا أتصفح النسخة الإلكترونية من العدد 152 من مجلة بيئتنا، التي تصدرها الهيئة العامة للبيئة، لفت انتباهي لقاء المجلة مع الدكتور محمد سلمان. من بين ما شدني في اللقاء هو ما تضمنه من حصر مسلسل للمحطات البارزة للمساعي الكويتية لتوطين تكنولوجيات الطاقة الشمسية، فقد تبين لي أن هناك سبع محطات رئيسة، نفذت قبل تلك التي حدثنا عنها الدكتور الجويهل، أولها تشييد مبنى في العام 1978 مزود بنظام تبريد وتدفئة يستخدم الطاقة الشمسية.
مشاريع الطاقة الشمسية أتلفت إبان الغزو العراقي، ولم يتم تجديدها بعد التحرير بسبب فقدان الاهتمام بها، ولكن في السنوات الأخيرة تجدد الالتفات إلى الطاقات المتجددة في الكويت بدوافع مرتبطة بالتوجه العالمي للحفاظ على البيئة، المناخ تحديداً، بعد أن كانت دراسات ما قبل الغزو دوافعها محلية اقتصادية تستهدف توفير مخزوننا من الذهب الأسود.
من أبرز معالم النهضة الكويتية في مجالات توطين تكنولوجيات الطاقات المتجددة، كلمة سمو الأمير أمام مؤتمر الأمم المتحدة الثامن عشر للتغير المناخي الذي عقد في العاصمة القطرية الدوحة في العام 2012، والتي جاء فيها «وفي مجال الطاقة المتجددة فقد أولت الكويت اهتماماً كبيراً بتنويع مصادر الطاقة لديها حيث بدأت الجهات المختصة في المراحل التنفيذية لخطة طموحة نحو استخدام طاقة الرياح والطاقة الشمسية تهدف إلى أن تصل نسبة استخدام هذه الطاقة إلى 1 في المئة في العام 2015 وصولاً إلى 15 في المئة العام 2030 من إجمالي الطاقة المستخدمة في الكويت».
هذه الثورة في العقيدة الكويتية حول الطاقات المتجددة، حفزت العديد من مؤسساتنا للعمل بصفة فردية أو جماعية لتعميم تطبيقات توليد الطاقة الكهربائية من مصادر متجددة كالشمس والرياح، وقد تكون أبرز هذه الجهود مبادرة الشقايا للطاقة المتجددة التابعة لمعهد الكويت للأبحاث العلمية، والتي ستكون لها قدرة إنتاجية تصل إلى 2000 ميغا وات في العام 2030.
وكذلك مؤسسة البترول الكويتية، وضمن جهودها لتخفيف انبعاث الغازات الدفيئة في مرافقها، فقد كلفت معهد الكويت للأبحاث العلمية بإجراء دراسة بحثية لتقييم الجدوى الفنية والاقتصادية لتطبيقات تقنيات الطاقة الشمسية في القطاع النفطي، وتنفيذاً لما خلصت إليه الدراسة، أعلنت شركة البترول الوطنية الكويتية أخيراً عن تدشين محطتي تعبئة وقود تعملان بالطاقة الشمسية الأولى في منطقة الرقة والثانية في منطقة الزهراء، كما أعلنت نيتها في تكرار الفكرة في محطات أخرى.
وأيضا مؤسسة الكويت للتقدم العلمي تبنت العديد من المشاريع الوطنية لاستخدام الطاقة الشمسية في انتاج الكهرباء وتوعية المجتمع بأهمية توظيف الطاقة المتجددة، ومن بين أبرز هذه المشاريع هو الذي أطلق تحت شعار «شمسنا الكويت» لتوفير طاقة كهربائية مكملة للكهرباء الحكومي في 150 منزلاً، وكذلك مشروع «رفع كفاءة الطاقة وتوليد الطاقة باستخدام الخلايا الكهروضوئية لباقة مختارة من الجمعيات التعاونية» وكانت البداية مع جمعية الزهراء التعاونية.
الهدف الاستراتيجي الطموح الذي أعلن عنه سمو الأمير في 2012 حرك عجلة التنمية الوطنية المستدامة في محور مهم، ولكن الأهم من ذلك، أنه كان وما زال ركيزة في تحسين صورة الكويت في العديد من المحافل الدولية منذ ذلك اليوم، وفي مؤتمر المناخ في باريس بعد أيام معدودة، وفيما يتبعه من تجمعات أممية مستقبلية...
شكراً لكل من شارك ومن يسعى ومن سيعمل على تحقيق الهدف الاستراتيجي الكبير في عام 2030.
[email protected]