تمسّك بتأييده للتطبيع معلنا: «فشلوا في مواجهة اسرائيل فحاولوا ذبحي»

تأبين / علي سالم... القلم المشاغب والموقف الثابت حتى آخر لحظات العمر

u0639u0644u064a u0633u0627u0644u0645
علي سالم
تصغير
تكبير
خرجت عناوين، أو أخبار عدد من الصحف والمواقع الإلكترونية تقول: «مات المطبّع الأول... مات رجل إسرائيل».

وكأن مشوار الكاتب الراحل «علي سالم ـ 79 عاما»، الذي وافته المنية بعد صراع مع المرض، لم يكن فيها سوى سبّة التطبيع وزيارته لإسرائيل، لم يتذكروا كل إنتاجه الأدبي، وأن مصر والعالم العربي يضحكان منذ السبعينات على رائعته «مدرسة المشاغبين»، نصف قرن تقريبا من إسعاد الناس لم يشفع له.

بل الأمر وصل إلى العمل المسرحي نفسه، واتُّهم «سالم» بأنه يساعد على انحطاط المجتمع وإفساد العملية التعليمية ونشر قيم وأخلاقيات رديئة، وهو ما اضطره إلى أن يخرج ويدافع عن عمله الأشهر ويقول: «المسرحية كانت انعكاسًا لفترة انهارت فيها القيم التقليدية للمجتمع المصري والعربي بشكل عام، والمعروفة باسم فترة ما بعد نكسة يونيو 1967، وما بعد الانفتاح الاقتصادي في السبعينات، إذ تحولت قيم كثيرة إلى مثار للسخرية».

كان الكاتب الراحل علي سالم شديد السخرية في كتابته التي تكسر كل القواعد والحواجز، ولم يتوقف عنها حتى رحيله، فقد ظل يكتب مقاله في جريدتيّ الشرق الأوسط اللندنية والمصري اليوم القاهرية بانتظام.

وكذلك كانت كتاباته المسرحية، وفي مسرحيته الأولى «الناس اللي في السماء الثامنة» أراد من خلالها أن ينتقد ثورة يوليو 1952، فكتب حكاية كوكب يخضع لسيطرة ملك وطاقم من العلماء الذين يؤمنون بأن الحب مرض يجب علاجه بإزالة «غدد الحب» من أجسام الأطفال، ويقوم الواقعون بالحب بانقلاب على الملك برئاسة وزير الطب لتلك المملكة، وفي العام 1966 قدم ثاني مسرحياته «الرجل اللي ضحك على الأبالسة».

برز علي سالم في بؤرة الأزمة بعد إعلانه دعم المبادرة السلمية التي قام بها الرئيس المصري محمد أنور السادات في نوفمبر 1977 بشأن السلام بين العرب وإسرائيل، فكانت بوادر الهجوم عليه، لكنه لم يزر إسرائيل حتى العام 1994 بعد التوقيع على اتفاقية أوسلو الأولى، وكانت التحديات بسيارته الخاصة «نيفا»، وقد سرد أحداث رحلته ولقاءاته مع إسرائيليين في كتاب «رحلة إلى إسرائيل»، وبعد صدوره في مصر تمت ترجمة الكتاب إلى اللغتين العبرية والإنكليزية، حيث صدر أيضا في إسرائيل وفي بلدان أخرى.

ومنذ زيارته إلى إسرائيل كان «سالم» من أشد المؤيدين للتطبيع مع إسرائيل من بين الأدباء العرب، ولم يتنازل عن موقفه هذا رغم الإدانات التي نُشرت ضده في الصحف والمجلات المصرية، التي انتهت بمحاولة لطرده من جمعية الأدباء المصرية، وقد فشلت المحاولة لأسباب قضائية، ثم قرار فصله من اتحاد الكتاب، الذي جاء بعد 7 سنوات من زيارته الأولى لإسرائيل، وقت أن كان الكاتب الراحل فاروق خورشيد رئيسًا للاتحاد.

وقال وقتها: «إن قرار شطب عضوية (سالم) جاء امتثالا لقرارات الجمعية العمومية للاتحاد، التي تؤكد رفض عضوية كل كاتب يمارس التطبيع مع إسرائيل بأي شكل من الأشكال».

وأصدر الاتحاد بيانًا يبرر فيه سبب تأخره 7 سنوات من دون اتخاذ موقف ثم تحركه فجأة وفصله، وتضمن عرض نماذج لأشكال التطبيع التي مارسها «سالم» خلال السنوات الأخيرة، وأن أعضاء الجمعية العمومية الذين يتجاوز عددهم 700 عضو أيدوا قرار الشطب، ولم يتضامن مع علي سالم أحد من الكتاب، وأن الاتحاد أرسل إنذارا لسالم قبل عامين للابتعاد عن التطبيع والتوبة عنه، لكنه رفض وأصر على التطبيع رغم علمه بأن ذلك ضد توجهات الشارعين المصري والعربي.

وفي تعليقه على القرار في ذلك الوقت، قال علي سالم، إن القرار كان مفاجئا بالنسبة له وأُبلغ به من إحدى وكالات الأنباء الأجنبية وليس من مسؤولي الاتحاد، مشيرا، إلى أنه لم يمارس عملا سياسيّا يصب في إطار العلاقات «المصريةـ الإسرائيلية» لمدة عام تقريبا، وتمنى لو كان قرار شطب عضويته قد صدر في وقت آخر، قبل 3 أشهر مثلا أو بعد ثلاثة أشهر.

وفسّر ذلك، بأن توقيت قرار التجميد تزامن مع صدور حكم بحبس مدير مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية الدكتور سعدالدين إبراهيم 7 سنوات، وهو ما سيجعل بعض الأطراف الدولية تستغل الحادثين في التلويح بأن مصر تطارد أنصار السلام في منطقة الشرق الأوسط.

ووصف «سالم» اتحاد الكتاب المصري بأنه تحول إلى جمعية للمحاربين القدماء وليس للمبدعين المحترفين... قاصدًا سيطرة بعض «الحرس القديم» من أصحاب المهن الأخرى غير الإبداعية على إدارة الاتحاد وتوجيه قراراته، منتقدًا بشدة ما أسماه الخلط بين دور الكاتب ودور المقاتل.

وقال: «إن بعض الكتّاب عندما فشلوا في مواجهة إسرائيل حاولوا ذبحي مثل (أضحية) لإرضاء حالة الخلل النفسي التي يعانون منها في إطار المواجهة، ولا أدري سبب التأخير وسبب الإصرار على تجميد عضويتي، رغم أنه من المفترض أن يساندني اتحاد الكتّاب ويجري حوارا شاملا معي في قضية العلاقات مع إسرائيل ولا يتخذ قرارا متفردا».

وفي يونيو 2005، قررت جامعة بن غوريون منحه دكتوراه فخرية، ولم يستطع السفر لحضور الحفل في بئر السبع، كما فاز بجائزة الشجاعة المدنية، التي تقدمها مؤسسة تراين الأميركية، وقيمتها 50 ألف دولار أميركي.

وظل الراحل مدافعا عن موقفه السياسي حتى قبل رحيله بأيام، فقد أعلن أن إسرائيل ليست عدوّا لمصر، وقال: «هم أشرار ليسوا بلهاء أو حمقى ومن مصلحتهم أن تظل مصر قوية، والشعب اليهودي على وعي أن نبيه موسى عليه السلام مصري وليس يهوديّا، وأن حماس أخطر على مصر من إسرائيل، وتتساوى في خطورتها مع تنظيم (داعش) الإرهابي».

أعماله... كتب ومسرحيات ومقالات

الناس اللي في السماء الثامنة «1963» ـ ولا العفاريت الزرق ـ الرجل اللي ضحك على الملائكة «1966» ـ حدث في عزبة الورد ـ طبيخ الملائكة ـ أنت اللي قتلت الوحش ـ كوميديا أوديب «1970» ـ مدرسة المشاغبين ـ عفاريت مصر الجديدة ـ الملوك يدخلون القرية ـ العيال الطيبين ـ أولادنا في لندن ـ بكالوريوس في حكم الشعوب ـ عملية نوح ـ رحلة إلى إسرائيل «1994» ـ الكلاب وصلت المطار «1996» ـ خشب الورد ـ البترول طلع في بيتنا ـ البوفيه ـ بير القمح ـ أغنية على الممر ـ الكاتب في شهر العسل ـ الكاتب والشحات ـ المتفائل ـ الملاحظ والمهندس.

سيرة ومسيرة

وُلد علي سالم العام 1936 في مدينة دمياط، «شمال دلتا مصر»، وكان والده شرطيّا يكسب بالكاد ما يكفي لإعالة أسرته.

ورغم الفقر الذي عانت منه عائلته، حاز على تعليم ممتاز، خصوصا في مجال الأدب العربي والعالمي، توفي أبوه العام 1957 عندما كان في الـ«21» من عمره، ما أدى إلى إعفائه من الخدمة العسكرية كي يستطيع إعالة أسرته، كان أخوه قد استشهد في حرب 1948.

بدأ علي سالم نشاطه بالتمثيل في عروض ارتجالية بدمياط، في خمسينات القرن الماضي، ثم عمل بعدة فرق صغيرة، قبل أن يعين في مسرح العرائس ويتولى مسؤولية فرقة المدارس ثم فرقة الفلاحين.

أولى مسرحياته التي قدمته كاتبًا محترفًا، كانت «ولا العفاريت الزرق»، ثم كتب مسرحية «حدث في عزبة الورد»، ليقدمها ثلاثي أضواء المسرح «جورج وسمير والضيف»، بعد بروفات 9 أيام فقط، واستمر العرض 4 أشهر في سابقة من نوعها في وقتها.
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي