«حماس» والانتصارات الوهمية!
كان مهماً، من الناحية الرمزية، أن تخترق سفينتان عليهما عدد من النشطاء العرب والأوروبيين والأميركيين الحصار الظالم الذي تفرضه إسرائيل على قطاع غزة. لم تعترض إسرائيل السفينتين من منطلق أن خرقهما للحصار لا يقدم ولا يؤخر، وأن المسألة مسألة أيام فقط تعود بعدها «حماس» إلى أرض الواقع وتتذكر أن الحصار مستمر، وأن ما هو أهم من الحصار، أقلّه بالنسبة إلى الحركة، البقاء في السلطة والسيطرة على غزة. إسرائيل تعرف ما الذي تريده «حماس» جيداً وتعرف خصوصاً كيف الاستفادة من مواقفها من أجل تكريس احتلالها للضفة الغربية أو للجزء الذي تريد ابتلاعه منها، بما في ذلك القدس الشرقية. ما يهم «حماس» هو السلطة ولا شيء غير السلطة التي تسمح لها بالعمل على تغيير طبيعة المجتمع الفلسطيني وتطويعه على طريقة ما فعلت «طالبان» في الماضي القريب في أفغانستان. الحصار بالنسبة إلى «حماس» نعمة. تحت غطاء الحصار، تُحكم سيطرتها على غزة. وتحت الغطاء الذي توفره لها «حماس»، تعمل إسرائيل على تنفيذ مخططاتها التي يمكن اختصارها بعبارة خلق واقع جديد على الأرض. يتمثل هذا الواقع في «الجدار الأمني» الذي يقسّم الأرض الفلسطينية ويبتلع جزءاً منها. إنه جدار العار الذي يرفض العالم التصدي له بسبب ممارسات «حماس» العجيبة الغريبة التي حوّلت الشعب الفلسطيني إلى وقود في صراعات إقليمية هو في أشدّ الغنى عنها. صراعات يقودها المحور الإيراني - السوري الذي لا هم له سوى عقد صفقات مع «الشيطان الأكبر» الأميركي على حساب كل ما هو عربي في الشرق الأوسط.
احتفلت «حماس» بالسفينتين واحتفلت بمن جاؤوا عليهما وراحت تزايد على الدول العربية وعلى جامعة الدول العربية... وكأن هذه الدول وراء الحصار الذي تفرضه إسرائيل. أكثر من ذلك، تصرف السيد إسماعيل هنية رئيس الوزراء الفلسطيني المُقال بصفة كونه رئيس دولة وقرر منح الجنسية الفلسطينية لمن أبحر على ظهر السفينتين اللتين لم تعترضهما إسرائيل! نسيت «حماس»، في سياق الأحداث، أمراً في غاية الأهمية هو أن الدول العربية ليست وراء ما حلّ بغزة بعد الانسحاب الإسرائيلي منها صيف العام 2005. كان الانسحاب من جانب واحد. رفضت إسرائيل التنسيق في شأنه مع السلطة الوطنية الفلسطينية. بدا وكأنها على علم أن ميليشيات «حماس» ستسيطر على القطاع الذي كانت تريد التخلص منه بأي ثمن كان. الآن، يتبين لماذا نفّذت إسرائيل الانسحاب من غزة ولماذا رفضت التفاوض مع السلطة الوطنية ولماذا سهلت في استمرار وصول السلاح والمال الإيراني «الطاهر» إلى «حماس» وحتى المواد المتفجرة التي تستخدم في صنع الصواريخ أو في العمليات الانتحارية. كانت تلك العمليات هدية من السماء لليمين الإسرائيلي ولآرييل شارون تحديداً. لولا تلك العمليات ولولا الصواريخ التي أُطلقت من غزة بعد الانسحاب الإسرائيلي، كان سيتوجب على حكومة إيهود أولمرت التي خلفت حكومة شارون الجلوس إلى طاولة المفاوضات والاعتراف بأن هناك شريكاً فلسطينياً يمكن التوصل معه إلى تسوية تقوم على مبدأ الدولتين المستقلتين. دولة إسرائيل ودولة فلسطين على أرض فلسطين التاريخية...
كانت لدى «حماس» خطة واضحة تستهدف مساعدة إسرائيل في التهرب من أي مفاوضات. استفادت من الدعم الإسرائيلي غير المباشر للتخلص من «فتح» وتنفيذ انقلابها في يونيو من العام 2007. وهذه السنة، تخلصت «حماس» من عائلة حلّس، الفتحاوية في معظمها، والتي اتخذت موقفاً متواطئاً معها إلى حد ما في الماضي. كانت العائلة تشكل آخر جيوب «فتح» في غزة. يبدو جلياً أن «حماس» حققت ما تسعى إليه. الدليل أن وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني كانت في غاية الصراحة عندما استبعدت قبل أيام التوصل إلى تسوية من أي نوع كان قبل نهاية السنة الحالية. من الواضح أن ليفني، التي ستكون رئيسة الوزراء الشهر المقبل، تراهن بدورها على «حماس» وعلى أن الحركة صارت أسيرة الجندي جلعاد شاليط الذي تحتجزه في غزة منذ ما يزيد على عامين. صارت «حماس» أسيرة الأسير الذي لا يبدو في الحقيقة أن إسرائيل حريصة على حياته. كل ما يهم إسرائيل استمرار حال التهدئة الراهنة التي صارت بقدرة قادر مطلباً «حماسياً» بامتياز بعدما كانت الصواريخ قبل أسابيع قليلة سلاحاً رادعاً سيساهم يوماً في تحرير فلسطين من النهر إلى البحر أو من البحر إلى النهر لا فارق بصفة كونها «وقفاً إسلامياً».
آن أوان تسمية الأشياء بأسمائها. بفضل الانتصارات الوهمية التي حققتها «حماس» على العدو الإسرائيلي، وهي في الحقيقة تحقق انتصارات يومية على الشعب الفلسطيني عن طريق إذلاله وزيادة عذاباته وتوفير التبريرات لإسرائيل كي تتابع الحصار، بات خيار الدولتين مستبعداً من الأجندة الإسرائيلية، علماً أنه السبيل الوحيد لتحقيق سلام معقول ومقبول يعوض عن بعض الظلم التاريخي الذي لحق بالشعب الفلسطيني. ما يغذي منطق اليمين الإسرائيلي الرافض لأي تسوية، هو التطرف الفلسطيني الذي تجسده حالياً «حماس» التي باتت تعتبر مجيء السفينتين الآتيتين من قبرص اختراقاً للحصار الإسرائيلي وانتصاراً لها.
تكمن مشكلة «حماس» بكل بساطة في أنها لا تريد أن تتعلم من تجارب الماضي القريب الذي عمره عامان أو ثلاثة أعوام بالكاد. لا تريد أن تتعلم مثلاً من تجربة الحكومة الأولى للسيد هنية التي كان فيها الدكتور محمود الزهار، أبرز قياديي الحركة في غزة، وزيراً للخارجية. أعلن الزهار، في أحد الأيام، أنه ذاهب في جولة خليجية... للدخول في حوار مع الأوروبيين. ذهب في جولة خليجية واستطاع مصافحة وزير الخارجية البرتغالي في حفلة استقبال في أبو ظبي. هل هذا هو الحوار مع أوروبا؟ هل نسي الزهار وغيره أن ياسر عرفات كان يُستقبل في البيت الأبيض حتى اليوم الأخير من العام 2000 وأن محمود عباس، رئيس السلطة الوطنية، لا يزال يستقبل في كل العواصم الأوروبية وفي واشنطن نفسها في مستوى رئيس دولة؟ ولكن ما العمل مع حركة ليست حرة في قرارها وتعتبر في الوقت ذاته أن سيطرتها على غزة أهم من قيام الدولة الفلسطينية المستقلة؟ لا خيار آخر غير الصلاة والصوم، خصوصاً مع اقتراب إطلالة شهر رمضان الكريم!
كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن