الحاج عبدالرشيد يبوح من عطارته في بومباي لـ«الراي» بأسراره وأثمانه

البخور الهندي ... موروث الكويتيين أينما رحلوا وحيثما حلّوا

تصغير
تكبير
• أشهر خلطاته «بابا جابر» التي أعجب بها سمو الأمير الراحل

• زبائني كثيرون جداً على رأسهم حكام وشيوخ وأمراء حاليون وسابقون

• تجار الخليج يشترون البخور من محلاتنا في بومباي فليس هناك داعٍ لفتح محل لي هناك

• لو كان البخور «ما يجيب همّه» ما كنت دفعت خلواً في محل يعادل مليون دينار كويتي

• لمعان البخور لا يعني نوعاً بعينه بل هو طلاء يقوم به بعض التجار من أجل إعطائه شكلاً مميزاً
سيظل الكويتيون دائماً وأبداً محافظين على تاريخهم وموروثهم، أينما رحلوا وحيثما حلوا، يبحثون دائماً عما يجدد هذا التاريخ، ويسعون دوماً وراء كل ما من شأنه أن يحيي هذا الموروث...

ومن الموروثات الأصيلة لدى الكويتيين البخور تلك النبتة الخشبية، الذي لا يخلو منه منزل ولا ديوانية ولا حتى مكتب داخل وزارة أو مؤسسة في «الديرة»، ما جعل الكويت بحق ووفق دراسات مؤكدة من أكثر الدول في العالم استخداماً للبخور...


وعلى الرغم من تعدد أنواع البخور، واختلاف أشكاله، وتباين أسعاره فسيظل البخور الهندي واحداً من أغلى أصناف البخور ثمناً، وأعبقها رائحة، يصل شذاه الآفاق، معبراً عن أصالة الماضي وعراقة الحاضر وحداثة المستقبل في شبه القارة الهندية...

وفي بومباي تلك المدينة الهندية العريقة حيث محال العطارة تنتشر هنا وهناك، تتنافس فيما بينها لعرض أجود أنواع البخور وأنفسها، بل وأغلاها سعراً تجد عطارة الحاج عبدالرشيد، ذلك الرجل الذي لا يعتبر العمل في البخور تجارة تدر ربحاً فقط بل يعدها إرثاً ورثه عن أبيه، وسيخلفه لبنيه كي يبقى عنواناً لتاريخ أسرة عاشقة لدخانه وما تنبعث منه من رائحة تلهب الوجدان وتشع في النفس البهجة والسرور.

يصعب عليَّ أنا العاشق للبخور أن أزور الهند سائحاً أو حتى في مهمة رسمية، ولا أخرج بسر من أسرار تلك النبتة الأصيلة، والجديد في صنعاتها، وأشهر الخلطات في محل عبدالرشيد وهما «بابا جابر»، والتي صنعت خصيصاً لسمو الأمير الراحل الشيخ جابر الصباح وأبدى إعجابه بها، وهناك أيضاً خلطة «الشيخ ماجد»، والتي يحبها الزبائن لتميزها، ويسألون عنها على الرغم من غلو ثمنها.

في مومباي، حيث تقع عطارة الحاج عبدالرشيد الشهيرة، كانت زيارتي للشراء والتي تحولت من سؤال واستفسار إلى حديث مطول، في ما يلي أهم ما جاء فيه:

? كيف تعلمت هذه المهنة؟

- إن مهنة عملي، العمل بها ممتع وقد ورثتها عن أبي منذ نحو 50 عاماً، حيث عملت معه وأنا شاب، وسأتركها لأبنائي الثلاثة الذين يعملون معي، ولا أخفيك سراً ما زادني تعلقاً بتلك المهنة، كثرة النصوص النبوية عن سيدنا محمد ?صلى الله عليه وسلم? والتي تحثنا على اقتناء الطيب واستخدامه، كما حضنا على مجالسة أهل الطيب، ولو ذكرت لك جملة من هذه النصوص فلن يكفي وقت اللقاء بك... وهنا ينبغي ألا أنسى الأخ حنيف ذلك العامل الذي عمل مع والدي منذ شبابه وهو شخص خبير يستطيع أن يميز بين البخور الطيب النظيف وبين المغشوش منه.

? أرى في كل مكان في الهند الناس يستخدمون البخور وبقية أنواع الطيب، فما سر تعلقهم به؟

- صحيح ملاحظتك في محلها تماماً فجميع الهنود بكافة أطيافهم يشترون الطيب، ولا تعجب إذا قلت لك يا عزيزي إنني أشتري البخور من ورثة المهراجات، وهم وجهاء الهند وبعضهم ينتمي للأسر الحاكمة، الذين يموتون ويتركون لورثتهم كمية مخزنة من دهن العود والبخور، وهي أنواع معتقة أثمانها غالية جداً، وهذا يؤكد لك ما قلته إن الهنود بجميع أطيافهم يشترون الطيب مهما غلا ثمنه.

? إذا كنت تشتري دهن العود والبخور من المهراجات بسعر غالٍ فهل تجد من يشتري منك هذه البضاعة على الرغم من غلو ثمنها؟

- طبيعي أن هذه الأطياب المعتقة لها قيمة كبيرة عند من يعرف تاريخها، وإذا اشتريت كمية منها أقوم بإبلاغ بعض الوجهاء من الشيوخ والتجار فيسارعون للتعرف على هذا الكنز، وبفضل الله تباع الكمية كلها بسرعة غير متوقعة وبأرباح كبيرة.

? أنت تعرف أن الخليجيين يعشقون البخور كونه موروثاً من موروثاتهم الأصيلة، فلماذا لا تفكر في افتتاح محل لك في الكويت أو في إحدى الدول الخليجية؟

- بكل صراحة أقول لك إن أغلب تجار دول الخليج الذين يعملون في البخور يشترون من محلاتنا ما يحتاجونه، لذلك لا أرى داعياً في فتح محل لي هناك، وأحب أن أكون أكثر وضوحاً معك، هناك فرق بين مدرستي وفلسفتي التجارية تلك، وثقافة أولادي التسويقية، لذلك فهم مصرون على افتتاح أفرع لنا فى دبي كبداية، ووجهة نظرهم في ذلك أن بضاعتهم ستكون أسهل لنا في الوصول إلى من يحتاجها من بومباي نفسها.

? هل لكم موقع محدد عبر وسائل التواصل تعرضون فيه بضائعكم؟

- حاليا نعكف على إنشاء موقع عربي إنكليزي يسهل على الزبائن التعرف من خلاله على بضائعنا، ومن ثم يستفيدون من خدمة توصيلها إليهم.

? هل بإمكانك أن تكشف لنا عن أبرز زبائنك حول العالم؟

- والله زبائني كثيرون جداً، وتربطني بهم جميعاً علاقة مميزة ووثيقة سواء كانوا من الصينيين أو العرب وعلى رأسهم حكام وشيوخ وشيخات وأمراء وأميرات حاليون وسابقون يرحمهم الله جميعاً.

? هل يطلب منك أن تعمل خلطة تحمل أسماءهم؟

- البعض منهم يطلب مني تجهيز أطياب وعطورات خاصة، وأنا بدوري أضع أسماءهم على تلك العطورات والخلطات.

? هل يشترط بعضهم عليك عدم بيع تلك الخلطات أو العطورات التي تحمل أسماءهم؟

- لا.. لا.. أبدا فهؤلاء الناس بطبيعتهم طيبون.

? ما هي أبرز خلطة بعتها واستفدت منها مادياً وتجارياً؟

- كانت خلطة قديمة جدا أسميتها (بابا جابر)، تيمناً باسم حاكم الكويت المغفور له بإذن الله سمو الأمير الشيخ جابر الأحمد الله يرحمه، وقد اختارت شيخات هذه الخلطة بأنفسهن، وقد أعجب بها الشيخ جابر رحمه الله كثيراً، وهناك أيضاً خلطة الشيخ ماجد الصباح، الذي دائما ما يزورني إذا جاء إلى الهند، ويتحدث معي عبر «سناب چات»، وهذه الخلطة صراحة يحبها الزبائن لتميزها، ويسألون عنها على الرغم من غلو ثمنها.

? شيخ عبدالرشيد البعض يردد أن البخور بدأت قيمته تتقلص ولم يعد مثل الماضي فما رأيك بهذه المقولة؟

- هذه المقولة في جانب من الصواب، لاسيما بعد أن أصبح البخور غالي الثمن، وبات المميز منه عملة نادرة، والسبب في ذلك يعود إلى مجموعة عوامل منها أن المستهلك أصبح محدوداً الآن عكس السابق، كما خرج علينا الآن التاجر والمستهلك الصيني الذي يشتري البخور بكميات كبيرة ويستخدمه، لكن في الوقت نفسه البخور سيظل موجوداً.

? هذه المهنة تقتصر على تجار من المسلمين فقط أم يدخل فيها الكثير من أصحاب الديانات والمعتقدات الأخرى؟

- حقيقة أغلب من يعملون في هذه الحرفة من المسلمين، حيث تصل نسبتهم 80 في المئة من إجمالي من يعملون فيها، والنسبة الباقية يمثلها أصحاب الديانات والمعتقدات الأخرى.

? حاج رشيد أرى أن بعض أنواع البخور لها لمعان فهل هذا سبب وراء غلو ثمن من له لمعة عن أنواع أخرى من البخور؟

- لمعان البخور لا يعني نوعاً بعينه بل هو طلاء يقوم بعض التجار من أجل إعطائه شكلاً مميزاً ونظرة جذابة.

? ألا يعد هذا الطلاء للبخور نوعاً من أنواع الغش؟

- بلى. ليس كذلك أبداً، لكن الغش يكون في منبع البخور حين يضع البعض مواد يثقلون بها خشب البخور حتى يزيد عليك الكيلوات، طبعا نتحدث كما قلت عن بعض التجار «الغشاشين» الذين يخلطون خشبة البخورة بأنواع أخرى لا يعرفها إلا من يتعامل بالبخور.

? هل هناك أنواع من الطيب منعت الدولة الهندية تصديرها؟

- نعم يوجد هناك نوع تم منع بيعه وتصديره من قبل التجار، واحتفظت الدولة وحدها بحق بيعه فقط، وهو الصندل والذي يصنف كنوع من أنواع الطيب، وللعلم الدولة السودانية تستخدمه بكثرة وبعض التجار السودانيين يشترونه مني.

? هل تشتري كميات من البخور؟

- طبعا إذا توفر كمية بمقدار 50 كيلو غراماً من البخور أشتريها، وأقوم بعصره لاستخراج دهون العود منه.

? قل لي بصراحة هل هذه مهنة مثل ما يقول المصري «جايبة همها»؟

- نعم بفضل الله تعالى فيها رزق كبير، وإذا لم تكن كذلك ما كان أبي اشترى أول محل لنا في بومباي بشارع محمد علي الخلو وهو معروف بشارع العرب، وما كنت أنا دفعت خلواً في محل بشارع كلابا يعادل مليون دينار كويتي تقريباً.

? أكيد أنك تمتلك كمية من دهن العود المعتق، فكم عمره؟ وكم تبلغ قيمته؟

- نعم. عندي دهن عود معتق يعود تاريخه إلى 45 عاماً، لكنني لن أفصح عن قيمته ولكن بالتأكيد ثمن التولة منه يفوق 1000 دينار، وهو قليل جداً جداً.

? هل أغلى بخور في الهند يباع في محلكم؟

- البخور أنواع مختلفة وبصراحة هناك أمر غريب ألاحظه في الزبائن الخليجيين، حيث إنهم يحبون أنواعاً من البخور لا يحبها غيرهم في دول أخرى، والعكس كذلك، وعندنا بخور تصل أسعاره 15 ألف دينار، وربما أكثر وهناك أقل، وأرخص كيلو غرام من البخور عندنا ثمنه 750 ديناراً تقريباً.
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي