رثاء / مثقفون مصريون نعوا محمود درويش: اختار «منصب الشاعر» ... ليقول إنه أكبر من أي «منصب سياسي»
يعد رحيل الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش... صدمة أصابت المثقفين العرب وجميع المحبين للشعر في العالم العربي، فلم يكن «درويش» مجرد شاعر... بل كان محورا لما يمكن أن نسميه «قصيدة المقاومة» التي ارتبط بها منذ بدايته ، كما أنه كان الشاعر النجم الذي جمع حوله جماهير غفيرة من محبي الشعر.
درويش الذي لم يكن يخشى الموت في سنواته الأخيرة ... أصاب رحيله حزن عدد من المثقفين المصريين الذين عبروا لـ «الراي» عن صدمة الرحيل المفاجئ.
رئيس اتحاد كتاب مصر ورئيس اتحاد الكتاب والأدباء العرب محمد سلماوي قال:إن محمود درويش سيظل يحتل مكانا خاصا جداً في تاريخ الشعر الفلسطيني... فقد كان من أوائل الشعراء الفلسطينيين الذين أعطوا صوتا لقضية الشعب الفلسطيني الواقع تحت الاحتلال الصهيوني.
وأضاف: كان هو و«سميح القاسم»... من الجيل الأول الذي عبر شعرًا عن محنة هذا الشعب بعد نكبة فلسطين، وقيمتهم أنهم استطاعوا أن يعبروا عن هذا الصوت الحر من داخل الأراضي الفلسطينية نفسها، ورغم القيود التي يمثلها هذا الاحتلال الاستيطاني الغاشم الذي لم نر له مثيلا طوال نصف قرن من الزمان.
الدكتور محمد عبدالمطلب، قال: إن موت محمود درويش... يعتبر موتا لمرحلة كاملة في الشعر العربي، وأعتقد أنه على الرغم من كل ما كتب عنه من دراسات... فإن هذا الشاعر لن يستوفي ما يستحقه بعد.
وأضاف لـ «الراي»: وعلى الرغم من أن محمود درويش حصل على معظم الجوائز العربية في الشعر، فإنه كان جديرا بجائزة نوبل التي لا أدري لِمَ لم تأتِ إليه؟ ، وأنا أعتقد أن تاريخ الشعر العربي سوف يجلس محمود درويش بجوار «المتنبي وامرئ القيس وأبي تمام والبحتري».
وأذكر شيئا قريبا عندما كنا نعقد مهرجان الشعر في القاهرة العام 2007، وكان هناك خلاف حول من يحصل على الجائزة والترشيح يدور بين 3 أسماء «درويش وحجازي وأدونيس»، والجميع يقولون إن أصغرهم درويش، والجائزة يجب أن تذهب للآخرين.
أما الشاعر عبدالرحمن الأبنودي فقال: محمود درويش... هو أعلى قمة شعرية في عالمنا العربي في السنوات الأخيرة، إلى جانب أنه إنسان دائم العطاء والتدفق، إضافة إلى ذلك هو من أكثر الناس قدرة على التجدد والانتقال من مرحلة إلى مرحلة ببساطة ودون انفعال في تطور طبيعي.
وأضاف في تصريحات لـ «الراي»: لقد كان صوتا عميقا حقيقيا كأنه شجرة نبتت في الضمير العربي ، وهذا التنامي والتطور المتوالي ديوان بعد ديوان... وقصيدة بعد قصيدة... إنما يدل على أن هذا الرجل لم يعشق في حياته شيئا قدر عشقه لقصيدته التي تستمد دماءها من قلب القضية الفلسطينية، وهو ينظر إلى الأمة العربية نظرة الفاحص المتأمل الصادق غير الغوغائي.
وقال: نحن نجد الآن من يكتب قصيدة أو قصيدتين يقدم نفسه، وكأنه إله الشعر بينما محمود درويش لم يتحدث عن نفسه يوما... إنما أعطاه شعره هذه القيمة والقامة الفريدة بين شعراء الأمة العربية، وهو رجل لم نعرف له متعة أكثر من متعة القصيدة.
فلقد عاش متزوجا بها، ومصادقا لها يستأنس بها وتستأنس به ، أيضا نعلم كم المناصب التي عرضت عليه من قبل السلطة الفلسطينية، وكيف اختار وظيفة الشاعر ليثبت للجميع أنها أكبر من أي منصب سياسي زائل.
وخلال فترة مرضي كان صوته يأتيني في غرفتي بباريس بصورة دائمة يطمئن ويتابع حالتي الصحية، وقبل أسبوعين هاتفني ليقول إنه في طريقه إلى هيوستن بأميركا ويريدون أن ينتزعوا منه 25 سم من الشرايين ليستبدلوها بالشريان الأورطي.
وقال: إنه لن يوافق على هذه العملية ولن يتركهم يجروها له، وإنه اكتفى بكل تلك التمزقات التي في جسده نتيجة العمليات الجراحية السابقة... وعرفت أنه كان من المفترض أن يكون في نيويورك ليشارك في الاحتفال بذكرى المفكر الكبير إدوارد سعيد، وها هو لحق بإدوارد سعيد... فالاثنان كانا قمتين من قمم العطاء الفلسطيني للأمة العربية.
الشاعر محمد إبراهيم أبوسنة، أشار إلى الحزن والأسى الذي أصابه عقب تلقيه خبر موت درويش قائلا: إنه يعد أحد أعلام الشعر العربي، جاءت وفاته وهو في قمة نضجه الفني، كان قد ظهر منذ مدة وهو ينتقل من مرحلة شعرية إلى أخرى، تجلى له شبح الموت من خلال أواخر قصائده.
وأضاف: محمود درويش منذ دواوينه المبكرة يسجل قواعد الالتزام تجاه القضية الفلسطينية والشعر، وهي قضية حياته، ووفاته تمثل طعنة في جسد الشعر العربي، ولها آثار تسري في الجسد الشعري، وهو ليس شاعرا عاديا وإنما هو شاعر استثنائي.
أما الشاعر محمد سليمان فقال: إن درويش أحد أبرز الشعراء العرب في النصف قرن الأخير، وهو محور لقصيدة المقاومة، فمنذ أن قدمه رجاء النقاش منذ أكثر من «40» عاما مع كوكبة أخرى من الشعراء، تواروا ولمع بينهم درويش لأنه الأعلى موهبة، وقصيدة المقاومة تختلف عما كان يكتبه نزار قباني، وغيره، المقاومة، التمسك بالأرض، وأعماله الأولى تتمسك بالأرض والصمود، سجل بها محاولات المحو.
وفي أعماله الأخيرة بدا يهيمن عليها الهم الإنساني، فرأينا إلى جوار المقاومة، اهتماما بالتقنيات التي استقاها من قراءاته، ونجد في أعماله الكثير من المحطات، يجدد فيها لغته ومفرداته، يهتم في كتاباته بالجمل القصيرة انتقل بعدها إلى الاهتمام بالجمل الأطول، ثم انتقل إلى الديوان القصيدة «الملحمة».
وفي أواخر كتاباته عاد مرة أخرى إلى القصيدة «الومضية»-القصيرة-، وله الكثير والكثير من اليوميات الشعرية، ودرويش نفسه بذكائه كان يجد أنه لابد من أن يتمرد حتى على نفسه، لذلك استطاع أن تطول قامته، بينما توارت قامة غيره من شعراء المقاومة، وهو الشاعر الوحيد الذي يعتبر في العالم العربي نجما، له أكثر من عشرين ديوانا بخلاف الكثير من الكتابات النثرية.
.... وبيروت صُدمت برحيل «عاشقها»
| بيروت - «الراي» |
صُدم لبنان السياسي والفكري والشعبي برحيل الشاعر الفلسطيني محمود درويش الذي شكّل غيابه مناسبة التقى معها فريقا الأكثرية والمعارضة اللذان «يتصارعان» في مجلس النواب على تخوم جلسات مناقشة البيان الوزاري للحكومة، على رثاء كبير عشق بيروت... «على الحُلوة والمُرة».
بيروت الغارقة في همومها السياسية، بدت امس في حضرة غياب درويش متألمة، كأنها خسرت صوتاً حملها مع فلسطين حلماً وحقيقة في قلبه الذي أسلم الدقات وسلّم «الدفّة» الى... «خفقان الموت».
برقيات تعزية، ونعي ملأت بيروت «الحزينة» التي استحضرت لحظات «من العمر» أمضتها مع الشاعر الذي «سرت في دمه». كان ذلك العام 2002 في المدينة الرياضية التي غصت بأكثر من 20 الف «زحفوا» لملاقاة درويش الذي لاحقته «شبهة الموت» طويلاً حتى... التحق به.
رئيس مجلس النواب نبيه بري أبرق الى رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس ورئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل، ورئيس المجلس التشريعي الفلسطيني عزيز دويك في معتقله، ورئيس المجلس الوطني الفلسطيني سليم الزعنون.
وجاء في البرقية - الرثاء: «بعد محمود درويش ستصبح يوميات الحزن الفلسطينية استثنائية بالألم والمرارة ... والأمل.
معا سنواصل الحلم الفلسطيني.
ومعا سنفتح بوابات العيون على شمس فلسطين المضيئة على تلال الكرمل ويافا وجبل الزيتون ودائما القدس ....
الشعراء لا يمتون
لنا الرحمة ولفلسطين العزة».
واجرى رئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة اتصالا هاتفيا برئيس السلطة الفلسطينية معزيا وكذلك فعل وزير الإعلام طارق متري الذي اتصل بممثل اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية في لبنان عباس زكي.
وجاء في نعي متري: «رحل به قلبه، بعيدا منا، قلبه ضلّ قليلا وعاد. وهو يعيدنا اليوم الى حضرة غيابه. نحن اليه حزنا، وننتظر قوله كما ننتظر إطلالة القمر، يتجدد فينا. ويرتفع أمامنا كالشجر فوق ركام الكلام، الكلام العابر وكلام الترداد العقيم.
كان يحلو له القول، إنه فلسطيني بالاختيار الحر، وأن له انتماء الى بيروت، بالاختيار أيضا، يبحث فيها عن طفولة جديدة ودور لا يغلق عليه أو يضيق.
ولم يغب عنه مرة، أن سلام لبنان حق له، وحرية فلسطين حق لها، وأن طريقنا الى السلام والحرية واحد. وواحد هو السعي لكي نستحق حقنا.
سلام على محمود درويش فيما يوزع القمح الذي امتلأت به روحه، ويودع أرضنا وينثر فيها ملحا كثيرا».
ووجّه رئيس «كتلة المستقبل» البرلمانية النائب سعد الحريري برقية إلى الرئيس محمود عباس معزيا، ومعتبرا أن فلسطين والأمة العربية تخسران برحيله مدافعا فذا عن العروبة والعرب وقضيتهم المركزية فلسطين.
وقال الحريري: «كتب الشاعر الكبير في لبنان وعنه، وبخاصة عن عاصمته بيروت أجمل وأروع نصوص الصمود في وجه العدوان والظلم، وهي نصوص ستخلدها الأجيال، ما بقي اللبنانيون والفلسطينيون عربا متمسكين بعروبتهم. إننا جميعا اليوم، فلسطينيين ولبنانيين خصوصا وعربا عموما نفتقد شعر محمود درويش الذي حمل في نص وإيقاع فريدين فكرا عروبيا حديثا، داعيا إلى حرية الإنسان عبر العلم والتنمية من أجل تحرير الأرض، وصون العروبة في مواجهة الأخطار التي تتهددها من كل حدب وصوب».
ونعى «تيار المستقبل» درويش، وقال في بيان اصدره: «فقدت بيروت ولبنان، كما فلسطين والقدس وكل ارض عربية بوفاة الشاعر الكبير محمود درويش، واحدا من كبار شعراء الأمة العربية وقامة شعرية وأدبية وانسانية شاهقة ممن أسهموا بما قدموه من ثراء فكري ومعرفي وشعري في استنهاض الأمة وبعث الحياة في وجدانها.
رحل ابن فلسطين وعاشقها، ومن كان عنوانا لإرادة شعبه في الحرية والاستقلال والعودة، رحل من علم الناس حب فلسطين ومن غرس قضيتها في قلب كل عربي وكل انسان في هذه المعمورة، ومن زرع الأمل والثورة في القلوب بشعره المقاوم الذي كان يصدح في كل مكان، مستنهضا شعبه لمواجهة المحتل وهز مضاجع الاعداء.
رحل عاشق بيروت الذي عاش فيها عقداً من الزمن، ورفض مغادرتها أثناء الحصار الإسرائيلي لها، الى أن أجبرته التهديدات الاسرائيلية على تركها وما عاد اليها الا بعد ان عادت تزهو بنهضتها الجديدة وبرائد نهضتها رفيق الحريري سنة 1990.