أغنى معدل دخل في العالم بالنسبة إلى عدد السكان اليوم هو في الكويت، وأسوأ أسلوب تعاطي مع البشر القاطنين على أرضها هنا أيضاً! لا أبالغ ولا أهول، فالحقائق تتحدث بنفسها، وهي واضحة كشمس انهار في صيفنا. بلد يأكل فيه الناس بعضهم البعض الآخر! بلد تعج مؤسساته وقطاعاته الحكومية بأمراض المحسوبية والواسطة والفساد الإداري بصورة تقتل فيها أصحاب الكفاءة وتنمو فيها عصابات «فوبيا» المناصب والأموال!
بلد يعاني من استشراء النظرة الدونية في التعامل مع مئات الآلاف من الوافدين الذين يعيشون الغربة ويضحّون بسني عمرهم في الخدمة المهنية هنا ليملأوا المهن المتدنية التي عزف عنها أهل الأرض، فلا يجدوا سوى التنكيل والإهانة والتجريح بسبب وبلا سبب! هؤلاء الوافدون المعززون والمكرمون في بلدانهم هم اليوم يعانون من ثقافة الخوف واللااستقرار نتيجة للجو السلبي الذي فرض عليهم من قبل المجتمع والدولة، ويا ويل من يصرخ منهم متالماً. فحسابه عسير أقلها الحجز والضرب والإبعاد عن البلاد واغتصاب حقه في الدفاع عن نفسه بالقنوات الدستورية!
بلد لا تخلو صفحات صحفه من أخبار الانتحار نتيجة للظروف المعيشية الغاية في الحرج! بلد يزداد الغني إفراطاً في الغنى والفقير لا يستطيع إيقاف سقوطه في منحدر هاوية الإفلاس! بلد سارق المليارات فيه معزز مكرم والشرفاء يلاحقون في ذممهم المالية! بلد يعج بالتناقضات الفئوية والعائلية والقبلية وغيرها بسبب سياسية التقسيم التي اتبعتها الدولة في التعامل مع الناس! تقسيم بات يمثل معياراً في تشكيل الحكومة وتوزيع الدوائر الانتخابية واختيار المناصب الإشرافية، أما معيار الكفاءة المهنية والخبرة الإدارية فهما من نصيب الروتين!
بلد يكافئ فيه اللص ويعاقب فيه الوطني! وينجح فيها الساقط ويسقط فيها الناجح! بلد تديره عقلية استعلائية جشعة استشرت في الأنفس لتصبح جزءاً من ثقافة «السيستم» التي لا تميز بين الحق والباطل ولا تفرق بين العدل والظلم ولا بين المساواة والتفريق بين الناس! نعم إنها الكويت التي يعيش فيها أكثر من 100 ألف مواطن محرومين من أبسط حقوقهم المدنية وبلا هوية وبلا كرامة وقيمة انسانية. وما النتيجة اليوم؟ أصبح الكويتيون يأكلون بعضهم البعض، في وقت تعشعشت روح كراهية الوافدين لنا بكل ما تعني تلك الكلمة من معنى، وهي نتيجة فطرية لا يختلف عليها اثنان.
أخي الكريم النائب عادل الصرعاوي، ما سبق هي خلجات أثارها في نفسي اقتراحكم المقدم لمعالجة التركيبة السكانية في الكويت، وأجد أن كل ما تفضلت به جيد، ولكن مازال بعيداً عن ملامسة الحقيقة التي تكمن في العقلية السلبية التي تحكم ثقافتنا في التعاطي مع تلك التركيبة. فنحن مسلمون سلّمنا لرب البشرية ولمسار الفطرة وعدالة منهج السماء قولاً وليس عملاً. والحل اليوم لا يمكن أن يتجاوز تلك الحقيقة، وهي أننا نسينا الله فنسانا. ولا تحتاج أخي الصرعاوي أن تنظر في التشخيص كثيراً وأنت تتصدى للمعالجة بقدر حاجتك إلى دعوة أخوتنا في الحكومة إلى العودة لفطرتهم والتعامل مع الأمور بمنظور قيمي إيماني، حينها فقط ستكون لدراستك قيمة عملية ونقاط قابلة للتطبيق.
د. سامي ناصر خليفة
أكاديمي كويتي
[email protected]