إضاءة / بدأتها مترجماً وأنهيتها طبيباً

تصغير
تكبير
بدأت رحلة دراسة الطب عندما وصلنا الى مطار كورك في جمهورية إيرلندا حيث استقبلنا وفد من الجامعة وأخذنا الى مكان اقامتنا المؤقت عند العائلة الايرلندية، وعندما وصلنا الى السكن اذ بامرأة ورجل عجوزين يرحبان بنا بعبارة welcome to Ireland.

في مكان الاقامة كنت أنظر في الانحاء فلا اجد إلا جمال الطبيعة والهدوء التام، لا اثر للضوضاء وحياة المدينة، كان الشعور اني وسط الريف وحيدا لا احد معي.

وذهبنا اليوم التالي الى الجامعة لندرس مواد الأحياء والكيمياء والعلوم الاخرى... ولكن باللغة الإنكليزية!

كانت مهمتنا أول 3 أشهر ليس دراسة العلوم وإنما ترجمتها، كنا نضع قاموس اكسفورد الضخم الى جانبنا ونترجم كل كلمة في الكتب، كانت صفحة الكتاب الواحدة تأخذ ساعات عدة لترجمتها، وكل كتاب يحوي مئات الصفحات.

المحاضرة العلمية محتواها العلمي ليس صعبا فقد درسناه في الثانوية ولكن لضعف اللغة العلمية الانجليزية لدينا لم نكن نفهم شيئا فنرجع نترجم المحاضرة، في اول محاضرة للأحياء كان المحاضر يكرر كلمة cell كثيرا، ونحن ننظر الى بعضنا ونتساءل: ماذا يتحدث عنه المحاضر؟، رجعنا المنزل لنترجمها فوجدنا ماهي إلا ابسط شيء وهي الخلية التي درسناها في الثانوية!

البعض منا استسلم وفقد الأمل بأنه يستطيع ان يجاري أهل البلد المتمكنين من اللغة، فنحن حتى ابسط الكلمات العلمية لم نكن نعرفها، والبعض سئم الهدوء التام والغربة عن الأهل والأصدقاء والمسؤوليات التي لم نعتد عليها، والبعض الاخر كان مثابرا وظل يجتهد حتى مرت أول سنة بنجاح.

ومن بعدها بات كل شيء اسهل والقدرة على تخطي الصعاب اسهل بكثير مع ان المواد العلمية اصبحت مع مرور السنين صعبة.

أصبحت الصعوبات تحديا لقدرتنا على التحمل... وأصبحت الغربة زميلتنا... نحاكيها وتحاكينا... واصبح الهدوء هو الطبيعي والحركة هي الضوضاء... واصبحت كتب الطب اسهل في قراءتها عن الكتب العربية!... وصارت الوحدة مدرسة للتفكر ومراجعة النفس والصبر رياضة نمارسها يوميا...فمرت الـ7 سنوات بسرعة... حيث بدأناها مترجمين، ثم أصبحنا أطباء!

*طبيب متخصص في الجهاز الهضمي - كندا
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي