تعد ظاهرة الاحتباس الحراري من أهم وأخطر القضايا المعاصرة التي تهدد استدامة التنمية على كوكب الأرض، ولا يستبعد بأنها ستهدد الحياة عليها إن تهاونت البشرية في التصدي لها بالكفاءة المطلوبة ووفق تسلسل زمني مناسب.
مع نهضة المعرفة العلمية وثورة الأنظمة الرقمية، تزايدت معرفتنا بظاهرة الاحتباس الحراري وشخصت مسبباتها بثقة أكبر. حيث أفاد الخبراء، من خلال مجلدات التقييم الخامس (AR5) الصادرة في 2014 من الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC)، بأنهم متيقنون بنسبة أعلى من 95 في المئة بأن الزيادة في الاحتباس الحراري ناجمة عن أسباب معظمها مرتبط بأنشطة بشرية تساهم في ارتفاع تركيزات غازات الاحتباس الحراري في الغلاف الجوي.
ومن بين أبرز الأعراض المناخية المرتبطة بزيادة نسب الغازات الدفيئة، انخفاض في درجات الحرارة الدنيا، وزيادة في درجات الحرارة القصوى وعلاقتها بارتفاع مستويات البحر، وزيادة في عدد حالات الأمطار الغزيرة. الخطورة المضاعفة تكمن في أن الظاهرة طبيعتها مركبة، حيث إن بعض نواتجها تعجل في استفحالها. فمثلا الاحتباس الحراري تسبب في انحسار المساحات المغطاة بالجليد، والذي بدوره أدى إلى تقليل المساحة العاكسة لأشعة الشمس وبالتالي تعجيل تفاقم الاحترار العالمي. لذلك يحذر بعض العلماء من احتمال وصول الأزمة المناخية إلى نقطة اللاعودة.
وفق تقديرات النماذج المناخية فإنه من المحتمل أن تشتد أعراض الظاهرة بشكل خطير خلال العقود الزمنية المقبلة. في الكويت - على سبيل المثال - لا يستبعد أن يرتفع متوسط درجة الحرارة في شهر يونيو بما يزيد على 3 درجات سيليزية مع نهاية القرن الحالي، كما أن الدراسات تنبأت بنقصان معدلات الامطار السنوية في الكويت وزيادة موجات الغبار تباعا، فضلا عن الأضرار المرتبطة بارتفاع درجة حرارة ومنسوب مياه البحر. على الجانب الآخر، هناك تهديدات غير مباشرة مرتبطة بحركة الاستيراد والتصدير، فنحن نستورد معظم احتياجاتنا المعيشية وهي معرضة للنقصان على المستوى العالمي، واقتصادنا معتمد على تصدير النفط الى دول اقتصاد بعضها مهدد بالضرر أو الركود بسبب التحولات المناخية.
ارتفاع درجات حرارة الهواء ليس إلا الرأس الطافي على السطح من جبل الجليد، لأن النسبة الأكبر من الطاقة الحرارية الإضافية - منذ الثورة الصناعية - مخزنة اليوم في المحيطات التي ارتفعت درجة حرارتها، وفي الجليد الذي انصهر في القطبين، وفي القارات التي ارتفعت حرارة أسطحها، لذلك فالمخاطر المناخية تحتاج لفترة طويلة لتتلاشى مثلما استغرقت عقودا من الزمن لتتفاقم، فهي أشبه بالسفن العملاقة من مثيلات «تايتانك» التي تحتاج لمدة لإيقافها ثم الرجوع إلى موقعها المطلوب.
الجدير بالملاحظة أن ظاهرة احتباس الحرارة العالمي تشترك في العديد من الجوانب مع كارثة تفشي الفساد الكويتي. فالفساد - كالاحتباس الحراري - بات يهدد مصيرنا بسبب تهاوننا في التصدي له. كما أن النهضة المعلوماتية أكدت لنا بما يزيد على 95 في المئة بأن الصفقات المشبوهة التي كلفتنا المليارات ليست بسبب أخطاء عفوية، بل مرتبطة بأنشطة بشر مفسدين، وأيضا طبيعة سرقات المال العام معقدة وانشطارية وقد يتهاوى بسببها الاقتصاد الكويتي إلى نقطة اللاعودة.
بالرغم من أنني لا أستبعد أن يكون ما كشف حتى الآن من مآسٍ مالية ليس إلا قمة جبل الجليد، إلا أنني أجزم بأن أخطر ما في الفساد الكويتي هو تسلله إلى تراثنا وثقافتنا واستقراره في قلوبنا وعقولنا، فدواويننا التي كانت منتديات لإصلاح المجتمع ومراقبة الحكومة ومحاسبة البرلمان، تحولت إلى مقار انتخابية تجرّم انتقاد الرموز وتحرّم محاسبة الأعضاء وتغلق بعد صدور نتائج الفرز. وأما ثقافتنا فحدث ولا حرج.
ضمن رد أحد أعضاء مجلس 2009 - من الذين اشتهروا بالمحاربة الصوتية للفساد - على من سأله في ديوانية للأكاديميين في شأن تضخم حسابات زملائه، ذكر العضو أنه لا يمتلك الأدلة التي تدين النواب وهو لا يخوض في ذمم الناس من غير دليل.
للأسف البعض أشاد بموقف النائب التضليلي، ومن بينهم من مجّده قائلا «كنت كبيرا في نظري، وبعد موقفك الليلة كبرت أكثر». لا أعلم كيف يكون ذلك النائب كبيرا وقد فشل في محاربة جميع صور الفساد الحكومي التي «تحلطم» واشتكى منها في مهرجاناته ولقاءاته؟ ولا أفهم لماذا علا مقامه عندما تهرب عن مكافحة الفساد البرلماني وتقوقع في دور مواطن تقي؟
إنها الثقافة التي زرعتها قوى الفساد في عقولنا، ولا إصلاح إلا بعد استئصالها.