قبل ما يقارب الأربع سنوات شاركت ضمن فريق عمل لجرد انبعاث غازات الاحتباس الحراري في الكويت، تزامنا مع ترؤسي لفريق عمل آخر لتقييم فرص التخفيف من انبعاث تلك الغازات ضمن مشروع إعداد التقرير الوطني الأول، الذي قدم لبرنامج البيئة التابع للأمم المتحدة في عام 2012. واجهتنا صعوبات كثيرة أثناء مساعينا للحصول على بيانات الانشطة الاقتصادية المقترنة بانبعاث الغازات الدفيئة. واستعنا مرارا بمصادر أجنبية لمعرفة بيانات أنشطة محلية مرتبطة بانبعاث تلك الغازات. منشأ هذه الصعوبات كان افتقار الجهات الحكومية ومؤسسات القطاع الخاص في مجملهما لثقافة الإحصاءات البيئية، فضلا عن أسباب أخرى لن أتطرق إليها في هذا المقال.
هذه التجربة أكدت لنا وجود حاجة ماسة لإنشاء قواعد بيانات بيئية مرتبطة بالدورة الاقتصادية الكاملة في الكويت، لتمكيننا من استيفاء التزاماتنا كدولة، أمام المجتمع الدولي وفق الاتفاقية الإطارية لتغير المناخ، ومن بينها التقارير الوطنية وكشوفات الجرد الدورية الخاصة بانبعاث الغازات الدفيئة. كما أن توفر قواعد للبيانات البيئية مطلب رئيس للتحقق من استدامة خطط التنمية الوطنية. لذلك قدمت مقترحا - في تلك الفترة - بهذا الشأن إلى جهتين معنيتين بالإحصاءات البيئية وهما: اللجنة الوطنية لتغير المناخ التي يشكلها ويترأسها مدير عام الهيئة العامة للبيئة، واللجنة الاستشارية بمكتب مدير الإدارة المركزية للإحصاء. زملائي في اللجنتين رحبوا بالفكرة وأقروها.
تبين لي لاحقا بأن نظام معلومات الرقابة البيئية (eMISK) الطموح - التابع للهيئة العامة للبيئة - كان قد بدأ بتنفيذ خطته الاستراتيجية للتطوير المستمر لقدرات الهيئة في مراقبة المواقع والأنشطة البيئية في دولة الكويت من خلال تأسيس مركز للرقابة البيئية (KEMC)، وبواسطة تصميم وتطوير واستضافة قاعدة بيانات بيئية جغرافية (GIS) تحتوي على قواعد البيانات الخاصة بالبيئة في دولة الكويت. ولكن النسخة الحالية من هذه القواعد البيئية لا تتضمن العديد من البيانات المطلوبة في تقارير جرد انبعاث غازات الاحتباس الحراري.
وأما الادارة المركزية للإحصاء فقد وافقت لجنتها الاستشارية على مقترحي بشأن استحداث قاعدة بيانات وفق الاطار المنقح لتطوير الاحصاءات البيئية (FDES 2013) المعتمد من اللجنة الاحصائية التابعة لإدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية في الأمم المتحدة. وهو إطار مفاهيمي وإحصائي تكاملي ومتعدد الأغراض، يرسم معالم نطاق الإحصاءات البيئية بعد الأخذ بعين الاعتبار التطورات السياسية والتكنولوجية والإحصائية. ومن أهم مميزاته تغطية المسائل والجوانب المتعلقة بالبيئة التي لها صلة بتحليل السياسات واتخاذ القرارات مثل مسألة تغير المناخ. كما يوفر الاطار المنقح إحصاءات بيئية بوصفها مدخلات في المحاسبة البيئية الاقتصادية. الهدف الرئيس للإطار المنقح هو توجيه البلدان أثناء المراحل المبكرة في وضع برامجها المتعلقة بالإحصاءات البيئية، وإرساء أساس راسخ لتطوير إحصاءات بيئية رسمية في الأجل الطويل. ولابد من الاشارة إلى أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بالكويت وافق على مساعدة الادارة المركزية للإحصاء في التعاقد مع أحد الخبراء الدوليين من أجل إعداد خارطة طريق لإنشاء منظومة إحصاءات بيئية في الكويت وفق الإطار المنقح وباتجاه مجموعته الأساسية من الإحصاءات البيئية. ولكن للأسف لم تثمر الجهود.
من المتوقع الإعلان قريبا عن مشروع طموح لإعداد مجموعة من التقارير الخاصة بتغير المناخ منها البلاغ الوطني الثاني، ولكننا إلى يومنا هذا لا نملك المجموعة الأساسية من الإحصاءات البيئية، مما سيجعل إعداد كشوفات انبعاث الغازات الدفيئة رهن توفر المعلومات في الجهات المعنية وتعاونها. لذلك أناشد الهيئة العامة للبيئة، بصفتها المستفيد الأساسي، للتنسيق مع الإدارة المركزية للإحصاء، بصفتها المرجع الاحصائي الوحيد في الدولة بحسب قانون إنشائها، لتأسيس قاعدة بيانات بيئية رسمية وفق (FDES 2013) بالسرعة الممكنة لمساعدة الكويت في الوفاء بالتزاماتها تجاه اتفاقيات تغير المناخ والاتفاقيات البيئية الأخرى. بل أن القضية أكبر وأخطر من البعد الدولي لقضايا بيئية، لأن تلك البروتوكولات تنتج موجهات لأسواق الطاقة العالمية وتصمم عوائق أمام الاستهلاك الدولي للوقود الأحفوري كالنفط. لذلك من المحتمل جدا أن تؤثر تلك الاتفاقيات على الوفرة النقدية للمنظور من مشاريع التنمية الوطنية، ولا أستبعد أنها ستحدد مصير الموجودات المالية للباب الأول من مصروفات الميزانية العامة للدولة وهو باب الرواتب والأجور.
الوفود الكويتية المفاوضة، في الاجتماعات البيئية، لا تستطيع لعب دور إيجابي وصون مصالحنا الوطنية من دون منظومة لدعم القرارات البيئية. والمنظومة لا يمكن أن تكتمل بلا قاعدة بيانات بيئية مترابطة بالدورة الاقتصادية.. فهل ستسرع الهيئة استكمال قاعدة بياناتها البيئية؟