أمل الرندي في كتابها «صباح الحياة» ... تطرد الكآبة بلغة مبسّطة وأفكار رشيقة

تصغير
تكبير
كنت من المتابعين لهذا التدفق اليومي من الأفكار التي تنبت خضراء، وبألوان الفرح والحياة، على صفحة الكاتبة الكويتية أمل الرندي، كل يوم. وكنت أحسدها على هذه الجسارة في رؤية القسم الممتلئ من الكأس دائماً، كأنها آلت على نفسها أن تقوم بعمل إنساني محض، هو ضخ صور التفاؤل، والصباحات المتفتحة كل يوم على الأمل بحياة أجمل.

ومهم جداً أنها أمل جمعت كل تلك الصباحات الجميلة في كتاب أطلقت عليه عنوان «صباح الحياة»، وهو السلام اليومي الذي تلقيه على قراء صفحتها في الفيسبوك، وتدعوهم فيه إلى الإقبال على الحياة، تاركين خلفهم كل منغصات الحياة، ورامين عن كواهلهم كل ثقل يعيق تقدم الإنسان والمجتمع. وقد لفت نظري أن الكتاب صادر عن دار «شمس الكويت»،فاسم الدار هو الآخر، وإن بالصدفة يفتح أفق التفكير في ضوء النهار وإشراقته، ليتماهى عنوان الكتاب واسم الدار مع مفردات الكتاب ومعانية وأفكاره المضيئة أيضاً.

لم أتابع صفحتها منذ البداية، لكنني عندما رأيت إحدى الجمل على صفحة أحد أصدقائها أخذني الفضول إلى صفتها، فعلقت في شباك تلك الأفكار الغزيرة، التي لا تتعب ولا تمل وهي مستمرة من ثلاث سنوات. ورحت أتابعها بشكل شبه يومي، بل عدت بزمن نشرها إلى الوراء، لأرقب تطورها، وتطور الحياة داخلها. وعندما علمت بصدور الكتاب طلبته على جناح السرعة، وجلست أتمعن في صفحاته. فوجدت أن تجربة أمل الرندي في كتابة تلك الجمل كأنما تكتب بقلم رصاص، تبريه التجربة فيصير خطه أجمل.

ما نلاحظه في الكتاب هو ذلك النفس الطويل في المثابرة على ضخ الأفكار، بعيداً عن ظروف الحياة وتقلبات المناخ النفسي للكاتبة، وإن يمكننا أن نشعر بها خلف غمامة المعنى. هذه المثابرة التي لا تصدر إلا عن نفس بعيدة عن الأنانية، وقريبة من الارتهان لخدمة الإنسان. كأنما وضعت أمل نفسها أمام مهمة تنموية اجتماعية وبشرية، تتابع فيها مضمون ما نشرته في كتابيها السابقين للكبار «نافذة الأمل» وهل أنت؟«، وقصص الأطفال التي تنشرها أيضاً، لتضيف إليه أفكاراً جديدة مختصرة ورشيقة، تحمل الابتسامة الدائمة نفسها، وتميل أكثر إلى فلسفة الأفكار وتقريبها من المعاني الحكمية.

لا يمكن أن يكون كاتب مثل أمل الرندي من دون أحزان ومنغصات، لكنها تستخدم على ما يبدو مصفاة وهي تنتقي أفكارها، فتنقيها ما أمكن من الشوائب، لتناسب المهمة التي تنذر نفسها من أجله، بما يذكر بمعنى التبتل والرهبنة، أو على الأقل الانقطاع إلى مهمة تبشيرية صافية يحبها الله ويرضاها، ومهمة أخلاقية تفيد خلق الله وتساعد في استنهاض الهمم للانطلاق نحو حياة أفضل.

لا تهرب أمل دائماً من ذكر السلبيات، إلا أنها تذكرها من أجل أن تتخطاها، لا من أجل أن تسوّد يومها، فهي تقول:»عندما يغزونا الألم ويصدّع كياننا.. لا يقهره غير الانتاج...«. أي أنها تشير إلى أمراض الحياة لتعطي العلاج، بنفسية طبيب مرة، وتأني حكيم ثانية، وإبداع أديب ثالثة، وببعض الفكاهة رابعة.

ما يمكن أن نضبطها وهي متلبسة به، تحريضها الدائم على الثراء، ثراء النفس بالطبع،»الحياة الثرية لا تقتصر على الأثرياء فقط.. بل للشغوفين بها.. بدءاً من الاستمتاع بقهوة الصباح!«. ثم تحريضها على الحرية والتفاؤل والتجديد الدائم. والحقيقة أن أكثر عباراتها التي تأتي بعد عائلة مفردات التفاؤل هي تلك التي تدعو إلى التجديد، فهي تدعو دائماً إلى الاغتسال من الماضي لنعيش في الحاضر، ثم لا نقف عند الحاضر لنحل دائماً بمستقبل أجمل. ذلك أن»شهادة الحياة لا تؤرخ صرخة الولادة فقط.. فكل صرخة تهز كياننا.. لحظة ميلاد جديد، كما تقول، فـ«الأحلام تبور.. عندما نعجز عن تجديدها...».

والتجديد عندها ليس من أجل التجديد كيفما كان، فهي لم تعلن ثورة هوجاء مهمتها التغيير بأي ثمن. لا. إنما تريد إصلاحاً في المجتمع، إصلاحاً هادئاً مسالماً، بعيداً عن الفوضى والمغامرة غير المحسوبة، فنقرأ لها مثلاً: «السباح الماهر يستشعر الفرق بين المغامرة والتهور.. فلا يلعب مع الإعصار».

أهم ما يمكن أن نلاحظه في الكتاب، أن جمله الفيسبوكية تتناسب بقصرها المسرع في تقليب الصفحات، فالاختزال سمة العصر، والنصوص الطويلة لا تشجع على القراءة، فالكتاب يحتوي على جمل قصيرة تبدأ ربما بخمس كلمات ولا تتعدى العشرين. مكتوبة برشاقة لغوية، ولباقة في ترتيب الأفكار، مرة تبدأ بالمعطى ومرة بالنتيجة، في تبديل مستمر لأسلوب تقديم المعاني، فلا تأتي القارئ من باب واحد أو نافذة محددة، بل تعتمد أسلوب المفاجأة إلى جانب أسلوب الإقناع التسلسلي.

وما دمنا تحدثنا عن الرشاقة اللغوية فلا بد من أن ننتبه إلى رشاقة التفكير، فلا بد من أن نستحضر جملة أمل: «الرشاقة ليست في شكل الجسد وحركته.. انما في أسلوب التفكير.. فلنحلق كالفراشة»... هكذا بالفعل تمر أفكار كتاب أمل، أمام عين القارئ، بخفة وزن الفراشة وقوة جمالها وحسن الأثر الذي تتركه.

الحديث عن لغة أمل مرتبط بإصرارها على التجديد، فلغتها الحكمية ليست من عهد فلاسفة اليونان، ولا مفكري عصر النهضة عند العرب، فهي بعيدة عن التقليد، عن اللغة المقعرة، وعن الاحجيات والتلغيز والهمز واللمز. لغة مبسطة تعلق بها الكثير من مفردات تكنولوجيا العصر، ما دامت تستخدم آلة العصر في كتابتها، وإعلام العصر في نشرها، والكثير من المفردات التي لا تهرب من الحياة الجديدة، إنما تتحرك في فضائها.

كتاب «صباح الحياة» قد تقرأه خلال ساعة بشيء من النهم، لكن صداه يبقى ساعات، بل يمكن أن يكون مرجعاً للكثير من الحالات التي نمر بها في حياتنا، نضعه في متناول اليد أو العين، فنفتحه كلما أردنا أن نخفف من حزن، أو نطرد اكتئاباً، أو نقرر أن نتفاءل في الحياة، أو نريد أن نحول سلبيات الحياة إلى وقود لطاقة جديدة.

لقد جعلتنا أمل الرندي، ونحن نقرأ إبداعها هذا، ونتابع معها ولّادة أفكار خصبة ومتألقة، نشعر بأن الحياة صباح دائم، أو ليل خاطف سرعان ما تبدده إشراقة الشمس. فشكراً لهذه الإرادة التي تلوي الوقت ليكون أجمل انسياباً.
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي