قصة قصيرة / المقعد الخشبي

تصغير
تكبير
تجلس على مقعد خشبي، البحر رائق أمامها. في البعيد على امتداد مد البحر يلتقي البحر بخط السماء. دار ببالها: البحر يتسع للجميع... مراكب شراعية صغيرة، ويخت عابر، واثنتان من السفن العملاقة. أناس يسبحون، وسط لغط أطفال... تتساءل: كم من الأرواح ابتلعها هذا البحر؟ تسرح قليلاً، ثم تشيح برأسها يمنةً ويسرى وكأنها تحاول نفض تلك الفكرة. هي تعلم تماماً إلى أين يريد ان يأخذها عقلها الباطن. كعادته يستدرجها للحديث عن الموت.

تبعد نظرها. البحر محايد، مرآة رجراجة... تحاول الهروب من فكرتها، تبحث عن أغنية في جهاز تلفونها الذكي. ينساب صوتٌ عذب تعرفه: «يسمعني حين يراقصني/ كلماتٍ ليست كالكلمات/ يأخذني من تحتٍ ذراعي/ يزرعني في احدى الغيمات»، ترتسم ابتسامة عابرة على وجهها... ما زال لغط الأطفال يصلها ولهوهم في سباحتهم على الشاطئ... يرتفع بصرها، تحب السماء، المكان الوحيد الذي لم تستطع يد البشر العبث به. تنكمش الابتسامة على زاوية فمها، وتستفيق على صوت ماجدة الرومي: والمطر الأسود في عيني يتساقطُ زخاتٍ زخات تباغتها الأفكار من جديد، فتتذكر أحمد، تتذكر ابتسامته وهو ممسك بصيده الثمين وعيناه تتلألأ بالفرح، وصوته بنبرته المميزة: «ليس أجمل من صيد سمكة».

كان يعشق الصيد. صورته ممسكاً بخيط الصيد مع سمكته الكبيرة، كانت آخر صورة «سيلفي» وضعها على صفحته في «الفيس بوك». تدفع بزفرة ألم، وفجأة يقفز إليها الهاجس: أرمي نفسي في البحر! الفكرة تستوطن عقلها، لولا مخافة الله، لكانت فعلتها. تعبث بجهاز هاتفها الذكي لتعلي صوت الأغنية وتضغط بيديها على سماعتي أذنيها لعلها تخرس هذه الأفكار والذكريات التي سلبتها روحها، تنظر إلى البحر على امتداد بصرها. تتمنى لو كان بإمكانها تمزيقه، وصب جل غضبها عليه. هو من أخذ ببرود حبيب حياتها. بصمت تنساب دموعها، لكنها لا تطفئ مايشتعل بقلبها. تميل بكرسيها إلى الوراء، فتواجه السماء فهي تعطيها بعض الراحة والطمأنينة. كأنها ترى وجهه على صفحة السماء، جاءت تعتذر منه وتودعه فقد تكون هذه المرة الأخيرة التي تأتي لتلتقي بذكرياتها معه، رن هاتفها فانتفضت... قالت:

- «ألو».

جاءها صوت والدتها بقلقها:

- «أين أنتِ»؟

سألتها وأضافت:

- «تأخرتِ، لم يعد متسع من الوقت، الليلة عقد قرانك».

- «أمي أرجوك لا أستطيع».

قالت بحس متردد، وأكملت:

- «لا أريد».

- «ماذا ؟»

تقطعها أمها بحزم:

«هيا تعالي، الموضوع منتهٍ، أبوك أعطى كلمته ولا تراجع عنها».

وأغلقت الهاتف.

وضعت غادة يديها على عنقها، أمسكت بالعقد الذي يحمل أول حرف من اسمه. كان قد أهداه لها في عيد حبهما. فكت عقدته، احتضنته بقبضة يدها ثم وضعته قرب قلبها وتمتمت ببضع كلمات... ربما لن تستطيع العودة لهذا المكان، ورؤية من أخذ حبيبها... ستسافر مع زوجها.

قربت العقد من شفتيها قبلته بدموعها، وكما لو أنها تنتزع شيئاً من قلبها، قذفت به إلى الأمواج. ومسرعة لملمت نفسها هاربة، كي لا ترمي بنفسها خلفه.

هربت ودموعها. بخطوات مشتته، مشت الى موقف السيارات وصوت خفي يهمس بها: «التفتي»، الصوت يحتل سمعها: أحمد والعقد يرقدان هناك».

الصوت في أذنيها، وخفق قلبها وخطواتها المتعثرة. ومنبه سيارة مجنون يحتل الفضاء. تهاوى جسدها، فرأت السماء تبتسم لها.

@sh5b6at
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي