مع الحدث / خطاب مفتوح إلى نواب الأمة: لا تُؤخذوا على حين غرة
الدكتور يوسف محمد العلي
• كثرة الاستثناءات الواردة في النص المقترح جاءت نتيجة إلحاح بعض الجهات
• التعديل غاب عنه الهدف الرئيسي من تنظيم الاستحواذ الإلزامي...حماية صغار المساهمين
• التعديل غاب عنه الهدف الرئيسي من تنظيم الاستحواذ الإلزامي...حماية صغار المساهمين
مقالي اليوم خطاب مفتوح الى نواب الأمة بمناسبة مناقشة تقرير لجنة الشؤون المالية والاقتصادية حول تعديل القانون رقم (7 لسنة 2010).
لقد تابعنا باهتمام كبير ما دار وما يدور حول تعديل القانون رقم (7 لسنة 2010) بشأن انشاء هيئة أسواق المال وتنظيم نشاط الأوراق المالية. ولما كان تقديم النصح في مجال اختصاصنا واجباً شرعياً والتزاماً وطنياً، فإنني أخصص هذه الكلمات لمصلحة الأمة التي تمثلونها أنتم تشريعياً، وللتنبيه عما اعترى تقرير لجنة الشؤون المالية والاقتصادية من جسيم أخطاء ومخالفات وشبهات قانونية.
وإذا كان لدينا كثير من الملاحظات على التعديلات التي انتهت اليها اللجنة، فإننا نعرض أهمها، فلا المكان تناسبه الإطالة، ولا الزمان يسعف في التفصيل.
وقبل أن أبدي أي ملاحظات قانونية، فإنني أنبه الى ضرورة أن يعاد التقرير الى اللجنة المالية بملاحظات النواب في الجلسة العامة، وألا يصار إلى طرح التصويت عليه في مداولتين في الجلسة ذاتها، فيصادر حق من أبدى ملاحظاته من النواب من غير أعضاء اللجنة. فهناك من سيسعى الى ذلك التكتيك حتى لا تذهب مساعيه أمام اللجنة المختصة سدى، بعد أن ضمن التعديلات التي أراد. فالمعروض اليوم هو أول تعديل لقانون هيئة أسواق المال، وهو قانون له ما له من الخصوصية والأهمية للاقتصاد الوطني وتحقيق رؤية صاحب السمو أمير البلاد بجعل الكويت مركزاً مالياً. ولا يصح الاستعجال ولا التساهل في تمرير تعديله دون دراسة وافية لجميع الآراء. كما لا يصح ان تكثر عليه التعديلات في فترات متقاربة لما له من مكانة تشريعية متقدمة في إطار التشريعات الاقتصادية الوطنية.
وإن كنا نرى أن فترة السنوات الأربع من التطبيق كانت قصيرة نسبياً للحكم على نصوص القانون، فإن أي تعديل لاحق لا يجوز أن يأخذ أقل من هذه الفترة. ومن هنا فإن إقرار التعديل يكتسب أهمية قد لا تتمتع بها تشريعات أخرى.
كما يجب التنبيه الى أن من يقرأ تقرير اللجنة يخرج بنتيجة واحدة: أننا بصدد تسويات ومساومات وليس عملاً تشريعياً. وإذا كانت هذه المرة ليست المرة الأولى في تاريخ المجلس التي تصدر التشريعات منه وفق مبدأ المساومات والتسويات والترضيات بين النواب، فإن التجربة قد علمتنا بأن أسوأ التشريعات التي صدرت عن مجلس الأمة كانت هي تلك المبنية على غير الأسس التشريعية، بل على الأبعاد الشخصية. والتاريخ القريب يشهد بذلك. وما زالت هذه التشريعات مثار سخط المعنيين، ولم يصر الى تعديلها رغم أهمية بعضها للاقتصاد الوطني.
أما من الناحية القانونية، فأبدأ بموضوع استقلالية «الهيئة» التي أهدر تعديل المادة (18) جانباً مهما منها. فمن يطلع على تقرير اللجنة المختصة يقرأ تركيز الجهات المعنية والمتخصصة - والتي قابلتها اللجنة - وتأكيدها على أهمية الحفاظ على استقلالية «الهيئة». وسبق لنا وأن كتبنا أكثر من مقال حول استقلالية «الهيئة»، ونعيد التنبيه هنا الى أن المساس بالاستقلالية يعني بالضرورة عدم وجود هيئة أسواق مال بالمعنى الفني. وأن التراجع عن استقلالية «الهيئة» له دلالة واحدة فقط هي الرجوع الى ما قبل اصدار القانون رقم (7 لسنة 2010).
جاء مقترح تعديل المادة 18 ليكون كالتالي:
«يكون لـ (الهيئة) ميزانية مستقلة تصدر بقانون وتعد وفقاً للقواعد التي تحددها اللائحة التنفيذية، مع مراعاة أحكام القانون رقم (31) لسنة 1978 بشأن قواعد إعداد الميزانيات العامة والحسابات الختامية، وتبدأ السنة المالية في الأول من أبريل وتنتهي في نهاية مارس من كل عام، وتبين اللائحة التنفيذية القواعد والإجراءات المالية لتصرّف (الهيئة) في أموالها والدفاتر التي تمسكها لضبط عملياتها وكيفية مراقبة حساباتها».
لن اعلق هنا على الصياغة، ولكني اتجه الى موضوع التعديل الذي ألغى استقلال «الهيئة» المالي وجعل من ميزانيتها ميزانية حكومية تقليدية تعد وفق قواعد القانون رقم (31 لسنة 1978). وهو بلا شك تراجع عن التجديد الذي أدخله المشرع في القانون رقم (10 لسنة 2010). بل إننا نميل الى القول بوجود شبهة دستورية قد شابت صياغة النص المقترح. فالنص هنا لا يحقق غاية المشرع التي سعى لها من إعطاء «الهيئة» الاستقلالية التي تمكنها من القيام بالمهام الموكلة اليها دون تدخل من أي جهة سياسية في أعمالها. ومن جانب آخر، فإن النص كما ورد في المقترح المقر من اللجنة المالية جاء غير متوافق التركيب من حيث الأحكام الواردة فيه. كما أنه غير متسق مع النصوص القانونية الأخرى التي تناولت تنظيم المسائل المالية لـ «الهيئة». كل ذلك يجعل من النص المقترح محل شبهة عدم الدستورية.
ولا يفوتنا هنا أن نؤكد أن النصوص ذات العلاقة المقترح تعديلها جعلت من شكل ميزانية «الهيئة» غير محدد المعالم. فما تقرره المادة (19) وفق مقترح تعديلها من أن إيرادات «الهيئة» تتكون من الرسوم والغرامات التي تحصلها ومن الأموال التي تخصص لها في ميزانية الدولة، قد اربكت التنظيم بشكل كامل. فلا هي ميزانية تقليدية كما بقية الهيئات الإدارية العامة، ولا هي ميزانية ذاتية التمويل التي تبناها المشرّع في النص الأصلي. وكل ذلك لا يخدم الفكرة ولا يحقق الغاية ولا يتواءم والتطور المنشود في أحكام القانون لتمكين «الهيئة» من أداء مهامها دون تدخل من أطراف العمل الساسي.
ومن ذلك ما جاء في تعديل نص المادة (21) التي جعلت من الاحتياطيات النقدية تقرر بقرار من مجلس الوزراء، أي أن جانباً فنياً هو تقدير نوع هذه الاحتياطيات ومقدارها قد خرج من اختصاصات مجلس المفوضين، وقد سبق لنا التعليق على جانب من عدم موافقة النص لطبيعة عمل «الهيئة» ومساسه باستقلاليتها.
ونؤكد هنا أن هذا النص من جانب آخر يزيد المسألة غموضا وعدم توافق بين النصوص التشريعية، ويجعل تنظيم مالية «الهيئة» وميزانيتها رهناً بالتفسيرات الكثيرة بين الجهات الحكومية ومجلس الأمة، وهو ما يعني تداخل العمل السياسي في أعمال «الهيئة».
ومن نافل القول إن اللجنة قد تبنت هذا المقترح ليس على أسس قانونية أو موضوعية، بل على أساس من توافق أعضاء اللجنة. فقد وافقت اللجنة على النص بعد التعديل للتوفيق بين الاقتراحات المقدمة لها. أي أن الترضيات والمساومات كانت هي الأساس وليس الأساس الموضوعي والقانوني.
أما المسألة التالية من حيث الأهمية فهي تعديل المواد (118) و(120) و(122) وهي مواد تجرم بعض التصرفات وتجعل منها ما يعرف بجرئم سوق المال. والملاحظ في التعديلات المقرة من اللجنة في هذا الصدد هو محاولة إفراغ هذه المواد من محتواها. فعلى سبيل المثال لم تعد جريمة التداول الوهمي او المضلل ممكنة الوقوع وفق النص المقترح. ولا أظن أن منصفا يرى أن في إلغاء عقوبة التداول الوهمي أي موضوعية في قانون يسعى لتنظيم سوق المال.
ولا نفهم كيف يدّعي حماية صغار المساهمين أو حماية المتداولين في سوق الكويت للأوراق المالية من يطالب بتفريغ المواد من تجريم الأفعال التي كانت سبباً في ضياع أموال صغار المساهمين بجرائم التداول بناء على معلومات داخلية، أو ضياع أموال المتداولين بسبب التداول الوهمي والمضلل.
ولا ضير من التذكير بأن محكمة الاستئناف قد ردت طعن أحد المتهمين بعدم دستورية النصوص في المواد (112) و(118) و(122)، وقد سطرت بحروف من ذهب حكماً مفصلاً في الرد على الطعن القاضي بعدم جدية الطعن، مؤكدة حكم محكمة أول درجة بإدانة المتهم.
وقد كان لنا تعليق على أهمية هذه المواد والحكمة من تشريعها والنص عليها في كل القوانين المماثلة. ولن نكرر هنا ما قلنا في الأمس، ولكنا نؤكد على نتيجة واحدة مفادها أن التعديل الذي انتهت اليه اللجنة بالتوفيق بين جميع المقترحات ! ستمثل العودة بسوق الأوراق المالية إلى الفوضى التي كان يعاني منها السوق قبل صدور القانون رقم (7 لسنة 2010).
أما المسألة الثالثة فهي تعديل نص المادة (74) والخاصة بالاستحواذ، حيث جاء النص المقترح باضافة استثناءات كثيرة: «ويعفى من هذا الحكم الحالات الآتية:
1 - الاستحواذ مراعاة للمصلحة العامة وصالح بقية المساهمين، وتصدر «الهيئة» قرار الإعفاء مكتوباً ومسبباً.
2 - الحصول على النسبة المشار إليها بسبب زيادة رأسمال الشركة وامتناع بعض المساهمين عن الاكتتاب.
3 - الحصول على النسبة المشار إليها بسبب رسملة الدين.
4 - الحصول على النسبة المشار إليها بسبب إرث، أو وصية، أو حكم قضائي، وفي هذه الحالة يتعين عليه أن يوفق أوضاعه خلال مدة لا تتجاوز سنتين من (أيلولة) هذه الزيادة».
نعتقد أن كثرة الاستثناءات الواردة في النص المقترح جاءت نتيجة إلحاح بعض الجهات ذات المصلحة، ومن واقع يعاني من حال عدم التنظيم قبل صدور القانون، ويعاني حتى الآن من آثار الازمة الاقتصادية، فهي معاناة سقيمة لا تصلح أساسا لبناء تنظيم قانوني سليم. فهذا التعديل الذي أقرته اللجنة غاب عنه الهدف الرئيسي من تنظيم الاستحواذ الإلزامي، وهو حماية صغار المساهمين من أن يسيطر على الشركة طرف واحد دون أن يكون لهم سبيل لحفظ حقوقهم، في حين يتداول كبار المساهمين مصالحهم.
فما ينتج عن زيادة رأس المال وامتناع بعض المساهمين عن الاكتتاب له معالجات أخرى في قانون الشركات أقل تكلفة على التنظيم القانوني من الاستثناء الوارد هنا. وكذلك هو الحال في حال رسملة الدين. فمن يحفظ حق صغار المساهمين من المستحوذ الذي جاء من خارج الشركة نتيجة رسملة الدين؟ إن مسألة بأهمية الاستحواذ الإلزامي لا يمكن أن تعالج بهذه البساطة دون التوقف عند كل انعكاساتها الأخرى على سوق المال وتنظيم أنشطته.
أما المسألة الرابعة فهي تنظيم محكمة أسواق المال. التعديل الذي نال تنظيم محكمة أسواق المال انحصر في تعديل جزئي لنص المادة (112)، وهو تعديل هدف الى جواز تمييز أحكام محكمة اسواق المال. ولكن السؤال أين محكمة أسواق المال؟، الواقع العملي أن نص المادة (112) قد نظم مرحلة انتقالية عند بدء تطبيق القانون والى حين إنشاء محكمة أسواق المال. ونصه «...وتستمر الدوائر الاستئنافية بمحكمة الاستئناف وبالمحكمة الكلية في نظر الطعون الاستئنافية المرفوعة إليها عن الأحكام الصادرة في القضايا التي أصبحت من اختصاص محكمة سوق المال أو تلك التي ترفع إليها بعد نفاذ هذا القانون حتى يصدر حكم بات في موضوعها». والذي يجري عليه العمل اليوم، وبعد أربع سنوات من نفاذ القانون، هو هذا الوضع الموقت الذي نصت عليه المادة (112). فليست هناك محكمة أسواق مال، لا على مستوى محكمة أول درجة ولا على مستوى محكمة الاستئناف.
وكان الواجب عند تقديم تعديل نص المادة (112) إلغاء الوضع الموقت لانتهاء الغرض منه. كما نرى أهمية تعديل نص المادة (108) ونص المادة (112) بما لا يسمح بتأويل النص وعدم قيام محكمة أسواق مال متخصصة كما رسمها القانون.
أما تعديل النص وإجازة تمييز أحكام اسواق المال، فأساسه القانوني أن الطعن بالتمييز يعد من طرق الطعن غير العادية. فمحكمة التمييز محكمة قانون، والطعن أمامها مقتصر على مسائل القانون دون تلك المتعلقة بموضوع الدعوى. ولذا وحرصاً من المشرّع على الانتهاء من قضايا سوق المال في وقت قصير وانتهاء النزاع حولها لما يتمتع به سوق المال من سرعة لا تتلاءم مع أعمال المحاكم العادية، فقد قصر التداعي فيها على محكمة الموضوع، وقرر إنشاء محكمة متخصصة فيها قضاة متفرغون ليتمكنوا من سرعة الفصل في دعاوى سوق المال بما يتناسب وسرعة حركة السوق.
كما ان التفرغ لأعمال هذه المحكمة يجعلهم على دراية وافية في عمليات السوق وفنياتها، وعلى فهم دقيق بكل القواعد القانونية ذات العلاقة.
هذه أهم الملاحظات حول الموضوعات التي نرى أن لها أهمية خاصة. وتبقى لدينا جملة من الملاحظات حول التعديلات التي نرى انها بنيت على فهم خاطئ كنص المادة (138) المقترح، أو تنظيم غير سليم كما في مقترح تعديل المادة (5) أو المادة (34) أو المادة (80) أو المادة (150) مكرر، أو صياغة غير مناسبة كمقترح تعديل المادة (4) أو المادة (25) أو المادة (93). وقد تكون لنا معهم وقفة في مقال لاحق إن كان في العمر بقية، وإن كان للقول آذان صاغية.
مفوض سابق - هيئة أسواق المال
عضو لجنة إعداد القانون
رئيس لجنة إعداد اللائحة التنفيذية
[email protected]
لقد تابعنا باهتمام كبير ما دار وما يدور حول تعديل القانون رقم (7 لسنة 2010) بشأن انشاء هيئة أسواق المال وتنظيم نشاط الأوراق المالية. ولما كان تقديم النصح في مجال اختصاصنا واجباً شرعياً والتزاماً وطنياً، فإنني أخصص هذه الكلمات لمصلحة الأمة التي تمثلونها أنتم تشريعياً، وللتنبيه عما اعترى تقرير لجنة الشؤون المالية والاقتصادية من جسيم أخطاء ومخالفات وشبهات قانونية.
وإذا كان لدينا كثير من الملاحظات على التعديلات التي انتهت اليها اللجنة، فإننا نعرض أهمها، فلا المكان تناسبه الإطالة، ولا الزمان يسعف في التفصيل.
وقبل أن أبدي أي ملاحظات قانونية، فإنني أنبه الى ضرورة أن يعاد التقرير الى اللجنة المالية بملاحظات النواب في الجلسة العامة، وألا يصار إلى طرح التصويت عليه في مداولتين في الجلسة ذاتها، فيصادر حق من أبدى ملاحظاته من النواب من غير أعضاء اللجنة. فهناك من سيسعى الى ذلك التكتيك حتى لا تذهب مساعيه أمام اللجنة المختصة سدى، بعد أن ضمن التعديلات التي أراد. فالمعروض اليوم هو أول تعديل لقانون هيئة أسواق المال، وهو قانون له ما له من الخصوصية والأهمية للاقتصاد الوطني وتحقيق رؤية صاحب السمو أمير البلاد بجعل الكويت مركزاً مالياً. ولا يصح الاستعجال ولا التساهل في تمرير تعديله دون دراسة وافية لجميع الآراء. كما لا يصح ان تكثر عليه التعديلات في فترات متقاربة لما له من مكانة تشريعية متقدمة في إطار التشريعات الاقتصادية الوطنية.
وإن كنا نرى أن فترة السنوات الأربع من التطبيق كانت قصيرة نسبياً للحكم على نصوص القانون، فإن أي تعديل لاحق لا يجوز أن يأخذ أقل من هذه الفترة. ومن هنا فإن إقرار التعديل يكتسب أهمية قد لا تتمتع بها تشريعات أخرى.
كما يجب التنبيه الى أن من يقرأ تقرير اللجنة يخرج بنتيجة واحدة: أننا بصدد تسويات ومساومات وليس عملاً تشريعياً. وإذا كانت هذه المرة ليست المرة الأولى في تاريخ المجلس التي تصدر التشريعات منه وفق مبدأ المساومات والتسويات والترضيات بين النواب، فإن التجربة قد علمتنا بأن أسوأ التشريعات التي صدرت عن مجلس الأمة كانت هي تلك المبنية على غير الأسس التشريعية، بل على الأبعاد الشخصية. والتاريخ القريب يشهد بذلك. وما زالت هذه التشريعات مثار سخط المعنيين، ولم يصر الى تعديلها رغم أهمية بعضها للاقتصاد الوطني.
أما من الناحية القانونية، فأبدأ بموضوع استقلالية «الهيئة» التي أهدر تعديل المادة (18) جانباً مهما منها. فمن يطلع على تقرير اللجنة المختصة يقرأ تركيز الجهات المعنية والمتخصصة - والتي قابلتها اللجنة - وتأكيدها على أهمية الحفاظ على استقلالية «الهيئة». وسبق لنا وأن كتبنا أكثر من مقال حول استقلالية «الهيئة»، ونعيد التنبيه هنا الى أن المساس بالاستقلالية يعني بالضرورة عدم وجود هيئة أسواق مال بالمعنى الفني. وأن التراجع عن استقلالية «الهيئة» له دلالة واحدة فقط هي الرجوع الى ما قبل اصدار القانون رقم (7 لسنة 2010).
جاء مقترح تعديل المادة 18 ليكون كالتالي:
«يكون لـ (الهيئة) ميزانية مستقلة تصدر بقانون وتعد وفقاً للقواعد التي تحددها اللائحة التنفيذية، مع مراعاة أحكام القانون رقم (31) لسنة 1978 بشأن قواعد إعداد الميزانيات العامة والحسابات الختامية، وتبدأ السنة المالية في الأول من أبريل وتنتهي في نهاية مارس من كل عام، وتبين اللائحة التنفيذية القواعد والإجراءات المالية لتصرّف (الهيئة) في أموالها والدفاتر التي تمسكها لضبط عملياتها وكيفية مراقبة حساباتها».
لن اعلق هنا على الصياغة، ولكني اتجه الى موضوع التعديل الذي ألغى استقلال «الهيئة» المالي وجعل من ميزانيتها ميزانية حكومية تقليدية تعد وفق قواعد القانون رقم (31 لسنة 1978). وهو بلا شك تراجع عن التجديد الذي أدخله المشرع في القانون رقم (10 لسنة 2010). بل إننا نميل الى القول بوجود شبهة دستورية قد شابت صياغة النص المقترح. فالنص هنا لا يحقق غاية المشرع التي سعى لها من إعطاء «الهيئة» الاستقلالية التي تمكنها من القيام بالمهام الموكلة اليها دون تدخل من أي جهة سياسية في أعمالها. ومن جانب آخر، فإن النص كما ورد في المقترح المقر من اللجنة المالية جاء غير متوافق التركيب من حيث الأحكام الواردة فيه. كما أنه غير متسق مع النصوص القانونية الأخرى التي تناولت تنظيم المسائل المالية لـ «الهيئة». كل ذلك يجعل من النص المقترح محل شبهة عدم الدستورية.
ولا يفوتنا هنا أن نؤكد أن النصوص ذات العلاقة المقترح تعديلها جعلت من شكل ميزانية «الهيئة» غير محدد المعالم. فما تقرره المادة (19) وفق مقترح تعديلها من أن إيرادات «الهيئة» تتكون من الرسوم والغرامات التي تحصلها ومن الأموال التي تخصص لها في ميزانية الدولة، قد اربكت التنظيم بشكل كامل. فلا هي ميزانية تقليدية كما بقية الهيئات الإدارية العامة، ولا هي ميزانية ذاتية التمويل التي تبناها المشرّع في النص الأصلي. وكل ذلك لا يخدم الفكرة ولا يحقق الغاية ولا يتواءم والتطور المنشود في أحكام القانون لتمكين «الهيئة» من أداء مهامها دون تدخل من أطراف العمل الساسي.
ومن ذلك ما جاء في تعديل نص المادة (21) التي جعلت من الاحتياطيات النقدية تقرر بقرار من مجلس الوزراء، أي أن جانباً فنياً هو تقدير نوع هذه الاحتياطيات ومقدارها قد خرج من اختصاصات مجلس المفوضين، وقد سبق لنا التعليق على جانب من عدم موافقة النص لطبيعة عمل «الهيئة» ومساسه باستقلاليتها.
ونؤكد هنا أن هذا النص من جانب آخر يزيد المسألة غموضا وعدم توافق بين النصوص التشريعية، ويجعل تنظيم مالية «الهيئة» وميزانيتها رهناً بالتفسيرات الكثيرة بين الجهات الحكومية ومجلس الأمة، وهو ما يعني تداخل العمل السياسي في أعمال «الهيئة».
ومن نافل القول إن اللجنة قد تبنت هذا المقترح ليس على أسس قانونية أو موضوعية، بل على أساس من توافق أعضاء اللجنة. فقد وافقت اللجنة على النص بعد التعديل للتوفيق بين الاقتراحات المقدمة لها. أي أن الترضيات والمساومات كانت هي الأساس وليس الأساس الموضوعي والقانوني.
أما المسألة التالية من حيث الأهمية فهي تعديل المواد (118) و(120) و(122) وهي مواد تجرم بعض التصرفات وتجعل منها ما يعرف بجرئم سوق المال. والملاحظ في التعديلات المقرة من اللجنة في هذا الصدد هو محاولة إفراغ هذه المواد من محتواها. فعلى سبيل المثال لم تعد جريمة التداول الوهمي او المضلل ممكنة الوقوع وفق النص المقترح. ولا أظن أن منصفا يرى أن في إلغاء عقوبة التداول الوهمي أي موضوعية في قانون يسعى لتنظيم سوق المال.
ولا نفهم كيف يدّعي حماية صغار المساهمين أو حماية المتداولين في سوق الكويت للأوراق المالية من يطالب بتفريغ المواد من تجريم الأفعال التي كانت سبباً في ضياع أموال صغار المساهمين بجرائم التداول بناء على معلومات داخلية، أو ضياع أموال المتداولين بسبب التداول الوهمي والمضلل.
ولا ضير من التذكير بأن محكمة الاستئناف قد ردت طعن أحد المتهمين بعدم دستورية النصوص في المواد (112) و(118) و(122)، وقد سطرت بحروف من ذهب حكماً مفصلاً في الرد على الطعن القاضي بعدم جدية الطعن، مؤكدة حكم محكمة أول درجة بإدانة المتهم.
وقد كان لنا تعليق على أهمية هذه المواد والحكمة من تشريعها والنص عليها في كل القوانين المماثلة. ولن نكرر هنا ما قلنا في الأمس، ولكنا نؤكد على نتيجة واحدة مفادها أن التعديل الذي انتهت اليه اللجنة بالتوفيق بين جميع المقترحات ! ستمثل العودة بسوق الأوراق المالية إلى الفوضى التي كان يعاني منها السوق قبل صدور القانون رقم (7 لسنة 2010).
أما المسألة الثالثة فهي تعديل نص المادة (74) والخاصة بالاستحواذ، حيث جاء النص المقترح باضافة استثناءات كثيرة: «ويعفى من هذا الحكم الحالات الآتية:
1 - الاستحواذ مراعاة للمصلحة العامة وصالح بقية المساهمين، وتصدر «الهيئة» قرار الإعفاء مكتوباً ومسبباً.
2 - الحصول على النسبة المشار إليها بسبب زيادة رأسمال الشركة وامتناع بعض المساهمين عن الاكتتاب.
3 - الحصول على النسبة المشار إليها بسبب رسملة الدين.
4 - الحصول على النسبة المشار إليها بسبب إرث، أو وصية، أو حكم قضائي، وفي هذه الحالة يتعين عليه أن يوفق أوضاعه خلال مدة لا تتجاوز سنتين من (أيلولة) هذه الزيادة».
نعتقد أن كثرة الاستثناءات الواردة في النص المقترح جاءت نتيجة إلحاح بعض الجهات ذات المصلحة، ومن واقع يعاني من حال عدم التنظيم قبل صدور القانون، ويعاني حتى الآن من آثار الازمة الاقتصادية، فهي معاناة سقيمة لا تصلح أساسا لبناء تنظيم قانوني سليم. فهذا التعديل الذي أقرته اللجنة غاب عنه الهدف الرئيسي من تنظيم الاستحواذ الإلزامي، وهو حماية صغار المساهمين من أن يسيطر على الشركة طرف واحد دون أن يكون لهم سبيل لحفظ حقوقهم، في حين يتداول كبار المساهمين مصالحهم.
فما ينتج عن زيادة رأس المال وامتناع بعض المساهمين عن الاكتتاب له معالجات أخرى في قانون الشركات أقل تكلفة على التنظيم القانوني من الاستثناء الوارد هنا. وكذلك هو الحال في حال رسملة الدين. فمن يحفظ حق صغار المساهمين من المستحوذ الذي جاء من خارج الشركة نتيجة رسملة الدين؟ إن مسألة بأهمية الاستحواذ الإلزامي لا يمكن أن تعالج بهذه البساطة دون التوقف عند كل انعكاساتها الأخرى على سوق المال وتنظيم أنشطته.
أما المسألة الرابعة فهي تنظيم محكمة أسواق المال. التعديل الذي نال تنظيم محكمة أسواق المال انحصر في تعديل جزئي لنص المادة (112)، وهو تعديل هدف الى جواز تمييز أحكام محكمة اسواق المال. ولكن السؤال أين محكمة أسواق المال؟، الواقع العملي أن نص المادة (112) قد نظم مرحلة انتقالية عند بدء تطبيق القانون والى حين إنشاء محكمة أسواق المال. ونصه «...وتستمر الدوائر الاستئنافية بمحكمة الاستئناف وبالمحكمة الكلية في نظر الطعون الاستئنافية المرفوعة إليها عن الأحكام الصادرة في القضايا التي أصبحت من اختصاص محكمة سوق المال أو تلك التي ترفع إليها بعد نفاذ هذا القانون حتى يصدر حكم بات في موضوعها». والذي يجري عليه العمل اليوم، وبعد أربع سنوات من نفاذ القانون، هو هذا الوضع الموقت الذي نصت عليه المادة (112). فليست هناك محكمة أسواق مال، لا على مستوى محكمة أول درجة ولا على مستوى محكمة الاستئناف.
وكان الواجب عند تقديم تعديل نص المادة (112) إلغاء الوضع الموقت لانتهاء الغرض منه. كما نرى أهمية تعديل نص المادة (108) ونص المادة (112) بما لا يسمح بتأويل النص وعدم قيام محكمة أسواق مال متخصصة كما رسمها القانون.
أما تعديل النص وإجازة تمييز أحكام اسواق المال، فأساسه القانوني أن الطعن بالتمييز يعد من طرق الطعن غير العادية. فمحكمة التمييز محكمة قانون، والطعن أمامها مقتصر على مسائل القانون دون تلك المتعلقة بموضوع الدعوى. ولذا وحرصاً من المشرّع على الانتهاء من قضايا سوق المال في وقت قصير وانتهاء النزاع حولها لما يتمتع به سوق المال من سرعة لا تتلاءم مع أعمال المحاكم العادية، فقد قصر التداعي فيها على محكمة الموضوع، وقرر إنشاء محكمة متخصصة فيها قضاة متفرغون ليتمكنوا من سرعة الفصل في دعاوى سوق المال بما يتناسب وسرعة حركة السوق.
كما ان التفرغ لأعمال هذه المحكمة يجعلهم على دراية وافية في عمليات السوق وفنياتها، وعلى فهم دقيق بكل القواعد القانونية ذات العلاقة.
هذه أهم الملاحظات حول الموضوعات التي نرى أن لها أهمية خاصة. وتبقى لدينا جملة من الملاحظات حول التعديلات التي نرى انها بنيت على فهم خاطئ كنص المادة (138) المقترح، أو تنظيم غير سليم كما في مقترح تعديل المادة (5) أو المادة (34) أو المادة (80) أو المادة (150) مكرر، أو صياغة غير مناسبة كمقترح تعديل المادة (4) أو المادة (25) أو المادة (93). وقد تكون لنا معهم وقفة في مقال لاحق إن كان في العمر بقية، وإن كان للقول آذان صاغية.
مفوض سابق - هيئة أسواق المال
عضو لجنة إعداد القانون
رئيس لجنة إعداد اللائحة التنفيذية
[email protected]