قوس قزح / العنصرية وضياع التراث الإنساني

تصغير
تكبير
العنصرية في أبسط تعريف لها هي اعتقاد جماعة من البشر أنها تتفوق على كل من عداها لأسباب طبيعية منحها الله لتلك الجماعة دون غيرها. وهي فكرة رغم قلة عدد الكلمات التي تعبر عنها استطاعت أن تسلب الحياة من ملايين البشر وأن تدمر مئات المدن عبر التاريخ.

الخطير في العنصرية أنها فكرة تلبس ثوب البداهة، بحيث لا يرى حاملها أنها بحاجة إلى تبرير، هذا إن لاحظها بالأساس. بعبارة أخرى؛ لا يظن الشخص العنصري أنه عنصري، ولا يستخدم كلمة «عنصرية» في وصف شعوره الراسخ بالتفوق، إنه مؤمن بأن هذه هي طبيعة الأشياء، وأن تفوقه هو من قبيل التفضيل الإلهي الذي لا يحتاج تبريرا ولا يمكن مراجعته أو تغييره.

العنصرية مرض عضال كان في الأساس من الحربين العالميتين وغيرهما من حروب مدمرة قامت باسم التفوق العرقي أو الثقافي أو الديني. والآن يبدو أن العنصرية قد سحبت أذيالها من الغرب نسبيا على الأقل، لتلقي بجسدها الثقيل القاتل في المنطقة العربية متلبسة شكل تفوق ثقافي وديني.

لا أريد الدخول في الأسباب النفسية التي تخلق عنصرية زائفة لا أساس لها سوى الوهم، وإنما فقط سأقف عند نموذجين للعنصرية يكاد أحدهما يطابق الآخر في العمق رغم ما يبدو على السطح من مسافة تفصلهما.

النموذج الأول هو الفعل الإجرامي الذي أقدمت عليه جماعة دينية متطرفة قامت الأسبوع الماضي بتحطيم آثار متحف البصرة. الحدث صادم لكل من ينتمي للحضارة الإنسانية ويقدر تراثها. يمكن لمن شاء أن يتحدث عن الجهل والعنف والبربرية كأسباب للحدث، لكني أود أن أراه فقط من زاوية العنصرية.

من يبادر بالاعتداء على غيره بسبب اختلاف في الدين أو المذهب أو العرق هو كيان عنصري على يقين من أنه يملك ما يرفع شخصه أو جماعته عن غيرها، ويؤمن بما لا يدع مجالا للشك أن تفوقه هذا هو قدر وتعبير عن إرادة الله الذي لا راد لقضائه. لهذا لا يتردد المعتدي العنصري في إنهاء الحياة وتحطيم كل ما يمكن من قيم إنسانية لا تنتمي له ولجماعته المتفوقة. وبغض النظر عن الدين الذي ينتمي إليه وأيا كانت الثقافة التي يظنها الأكثر تفوقا، لا يعرف العنصري الشفقة ولا يشعر بأي قيمة لدى الآخرين ابتداء من القيم الرمزية المتمثلة في الذكريات والآثار الشخصية والقومية، وانتهاء بقيمة الحياة نفسها. وحين يغضب العنصري يعمى إلا عن فوران الغضب الذي يصبه على العالم كله. هكذا لم ولن يتردد العنصري في القتل والحرق والتحطيم، فلا يوجد أي شيء يحمل أي قيمة خارج ذاته المتفوقة. هو يستبيح كل من عداه، يستبيح الأعراض والشرف والسمعة والحياة طالما أنها ليست عرضه ولا سمعته ولا حياته.

النموذج الثاني للعنصرية يتمثل في هجوم حاد تعرضت له إعلامية «مصرية» هي الإعلامية ليليان داوود. ليليان لبنانية الأصل لكني أقول إنها مصرية الثقافة والهوى، وتتفاعل مع الأحداث في مصر كمصرية صميمة، وهذا الأمر طبيعي ليس فقط بالنسبة للعرب وإنما بالنسبة لجنسيات الدنيا التي استوطنت مصر وأصبحت جزءا من ثقافتها.

يمكن لمن شاء بالطبع أن ينتقد ليليان كما يمكن لها أن تتنقد من تشاء في حدود الميثاق الأخلاقي للعمل الإعلامي، وهو الأمر الذي أشهد أن الإعلامية المحترمة لم تخرج عنه. المشكلة أن بعض من يعترض على آراء ليليان أو توجهاتها هو في العمق عنصري يظن أن مصر ملك له وأن مصريته هي سبب كاف للتفوق. هذه العنصرية تخرج في وقت دقيق تواجه فيه مصر حربا شرسة على جبهات كثيرة، وربما يظن بعض ضيقي الأفق أن توحيد الأصوات وسحق المنتقدين هو مما يساعد في توحيد الصف وتماسك البنيان القومي. هذه الخرافة الكبيرة عن الاصطفاف القائم على تعمية العيوب وإخراس الأصوات المنتقدة تقوم في عمقها على عنصرية مقيتة لا ترى شيئا يستحق الوجود والحياة سوى ذاتها.

ما فعلته الجماعة العنصرية بتحطيم آثار البصرة هو عنصرية تسعى لمحو ما تظنه متناقضا معها، وهو نفسه ما يحاول البعض أن يفعله بإخراس الأصوات الناقدة، عبر خطاب عنصري يحاول تشويه صورة الخصم ونفيه من جنة الجماعة المتفوقة. لقد قرأت بعض المقالات التي تقطر عنصرية تتناول تاريخ السيدة وسمعتها وأصولها الدينية والعرقية، وهو أمر يدعو للخجل والإحباط. لكن ما يدعو للأمل على الجانب المقابل أن عددا أكبر من المصريين قد دافع عن ليليان داوود ووقف إلى جوارها، غير مرتجف من توجهها الناقد للثقافة المصرية. ما يدعو للأمل أن أصواتا كثيرة قد علت تدافع عن ثقافة مصر التعددية العادلة المحتضنة لكل من أحبها، أصوات مصريين شفاهم الله من مرض العنصرية.
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي