الرأي اليوم / لماذا لا تنتقل إلى العيش «هناك»؟

تصغير
تكبير
في دولة القانون والحريات والمؤسسات والديموقراطية يحق لأي شخص أن يعبر عن رأيه بكل الوسائل السلمية والدستورية ولا يجوزلأي كان أن يحجب هذا الحق أو يمنعه.

متفقون؟ طبعا متفقون.


وفي الكويت، ورغم كل شيء، ومهما أخطأت الحكومة وانحرفت بعض ممارسات السلطة والمعارضة، يبقى سقف الحريات مرتفعاً ولا يقارن بأي سقف في المنطقة... وكي نكون واضحين لا نريد لهذا السقف إلا أن يكبر وللحريات إلا أن تتطور ولصوت الإصلاح إلا أن يبقى صادحاً بالحق.

أيضا متفقون.

إنما لنكن منسجمين مع ذواتنا علينا أن نقف عند ظاهرة بدأت تكبر ككرة ثلج في أدبياتنا السياسية والإعلامية، وهي ظاهرة الافتتان بالخارج إلى الدرجة التي تؤدي إلى نتيجتين: جلد الذات وتحطيم كل ضوء مهما كان خافتاً في البلد، وخلق مقومات صراع وخصومة مع الشريك في الوطن عبر الإساءة له بسلاح الإعجاب الخارجي.

هنا لسنا متفقين... سأشرح.

أنت حر في الإعجاب بأي نهضة عمرانية مجاورة أو أي نهضة إعلامية أو ثقافية أو فكرية أو سياسية، بل المطلوب أن نضيء على تجارب الآخرين الجيدة لنتعلم منها أو نكتسب خبرات، لكن تجاوز هذا الإطار لتعميم ثقافة الفشل في مجتمعك وتكريس الإحباط لهو ضرب من الإساءة، إضافة إلى أن الموضوعية تقتضي وأنت تتحدث عن جانب مشرق في هذه الدولة أو متألق في تلك أن تتحدث أيضاً عن كل الجوانب الأخرى غير المشرقة في هذه الدولة أو تلك وهي جوانب لو وجد ربعها في الكويت لدارت الدوائر بالويل والثبور وعظائم الأمور.

أكرر، المطلوب أن نشيد بعمل إبداعي نهضوي تنموي من باب اكتساب الخبرات لا من باب استخدامه معولاً للهدم في وقت أحوج ما نكون فيه إلى حشد كل الطاقات للبناء واستنهاض الهمم، أما إذا كان أصحاب هذه المدرسة ماضين في طريقتهم فنسألهم أيضا إذا كان بإمكانهم السؤال «هناك» عن مداخيل الدولة مثلما يفعلون «هنا»؟

اتفقنا في ذلكم أم لم نتفق فالأمر سيان... أكمل بالموضوع السياسي.

أنت تعيش في الكويت، تستفيد من مزايا غير موجودة لدى الدول والتنظيمات والأحزاب التي أنت مفتون بها، وهي مزايا في غالبيتها ديموقراطية تتعلق بحرية الرأي والتعبير ناهيك عن المزايا الأخرى التي نريدها أن تزيد. تتحدث عن الجهات التي تفتنك وكأنها الجنة الموعودة وتتحدث عن بلدك وكأنه الجحيم...

أنت حر في إبداء أي رأي بإيران والحوثيين والإخوان المسلمين والمملكة العربية السعودية ودول الخليج واليمن ومصر وسورية ولبنان و«حزب الله» والعراق وأميركا وتركيا وغيرها وغيرها. اعشق أي تجربة يا سيدي فهذا حق فكري ووجداني وعاطفي وسياسي، إنما احتراماً لعقول أنصارك ومريديك ومتابعيك وقرائك وأهلك وربعك كن موضوعياً أيضاً وانظر إلى الصورة بكل أبعادها، واحتراماً لبلدك ومجتمعك احترم شريكك في المواطنة ولا تسئ له وأنت تشيد بـ «الآخر»... أنت هنا لست حراً على الإطلاق لأنك تؤسس لخصومات اجتماعية وسياسية ولأن افتتانك هنا لم يعد رأياً بل ربما أصبح «وظيفةً» أو «تكليفاً» قد يتحولان لاحقاً إلى «أمر عمليات».

لا أفهم حقيقة أنك تعيش في دولة تسمع فيها يومياً دعوات للنزول إلى الشارع لإسقاط الحكومة والمجلس من خلال مؤتمرات صحافية معلنة تغطيها الصحف... ثم تتحدث وتكتب بإعجاب عن التجربة الديموقراطية في هذا البلد أو ذاك وأنت ربما ممنوع من الأصل أن تكتب فيه وإذا كتبت ففي وجهة الإشادة بالمسؤولين فقط.

إن كنت مخطئاً فليصحح لي أحدهم ذلك وأكون له من الشاكرين.

لا أفهم حقيقة أن ينسج سياسي أو إعلامي أو تيار أو حزب علاقات ظاهرة ومعلنة مع هذه الدولة أو تلك عنوانها «كره السلطة في الكويت» وهو لا يملك سوى حب السلطة في هذه الدولة أو تلك وممنوع من الإشارة ولو همساً إلى خلل أو تجاوز... «هناك».

ولا أفهم كيف يجادل مثلاً سياسي أو كاتب كويتي في أن الخليج فارسي او عربي وهو يعلم تماماً أن هذا الجدل ممنوع في إيران.

ولا أفهم أن يزور أحدهم دولة خليجية ويعقد اجتماعات عليا هناك منتقداً مرسوم الصوت الواحد ومعتبراً الانتخابات وفق نظام دوائر جديد أفضل... و«هناك» لا توجد أساساً انتخابات برلمانية.

ولا أفهم كيف يروج سياسي أو كاتب لنظام الدولة الدينية الكاملة ويغمز من قناة السلطة في الكويت معتبراً أنها لا تحكم بالشرع وأنها أقرب إلى الدولة المدنية... ومع ذلك يبقى في دولة مدنية يحكم دستورها بما لا يتنافى مع الشريعة.

ولا أفهم لماذا إن مدح سياسي أو كاتب إيران أو الحوثيين أو «حزب الله» عليه أن يهاجم في الوقت نفسه إخوته في الوطن وأهله في الخليج ويتهمهم بالجملة بأنهم وراء الفكر التكفيري الداعشي النصروي... الخ. ولماذا إن مدح سياسي أو كاتب دولا خليجية وتنظيمات إسلامية وتركيا عليه أن يهاجم في الوقت نفسه إخوته في الوطن وأهله في الدين ويتهمهم بأنهم روافض وأتباع إيران ووراء فكر تدميري للملة والعقيدة.

قد نفهم، إذا اعتبرنا ذلك «وظيفة» أكثر من رأي، خصوصاً مع المحاولات المحمومة لفرز المنطقة... وقد يكون «الموظفون» غافلين عن وظيفتهم يداومون فيها بلا راتب تدفعهم العواطف لا العقول.

لسنا متفقين على الإطلاق الآن... إنما لدي اقتراح. لماذا لا ينتقل المنبهرون بالتجارب هذه كلها إلى العيش «هناك» كل في «جنته» التي يروج لها، خصوصا أن الكويتي يمكنه أن يستقر فيها كلها بلا «فيزا»؟ لماذا لا ينتقلون للعيش «هناك» ويمارسون حقهم في العمل السياسي والكتابة وإبداء الرأي تماماً كما يفعلون «هنا». أي أن ينتقدوا الأوضاع التي يرونها خطأ في أماكن معيشتهم ويسألوا عن غياب المشاركة الشعبية ويفتحوا ملفات التنمية بكل شفافية ويتظاهروا في الساحات لإسقاط المؤسسات ويكتبوا في الصحف عن الفساد وسرقة المال العام... وإن رأوا أن أبواب ذلك موصدة أمامهم فبلدهم موجود ويبقى كما كان أملهم الوحيد.

المهم أن يعودوا سالمين... أو أن يعودوا من الأساس، وعندها نكمل النقاش لتضييق عوامل الاختلاف.

جاسم مرزوق بودي
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي