أفكار / ابتسم لك!

تصغير
تكبير
| سحر بن علي |

ابتسم لك بابتسامتي المعهودة، تلك الابتسامة التي لا تزيفها شائبة، تلك الابتسام التي تشبه المياه بنقائها، وتشبه نسمة الرياح بذكائها فهي كالنار تحرق فنايا الحياة، وكالشهيق تبث فيك الحياة، بابتسامتي أعطر يومك بعطر الزهور، وحياتك بعطر السرور، قد تتساءل كيف هي ابتسامتي؟! وهل أشبهك بابتسامتي أو أشبه غيري؟! قد يكون كذلك، وليكن فأنا أريدها أن تنتشر بالعدوى كي تنقل سريعا، لكن هل تساءلت ما نوع ابتسامتي ؟ لا تندهش فللابتسامات أنواع وأن أملك أقواها وأجرأها وأسحرها، فأنا ابتسم لك بطيبتي!

الطيبة تعني أنك تسامح وتغفر بلا حدود، تعني أنك تعطي بلا نهاية، الطيبة أحيانا تصور لك الأشخاص كالملائكة بجناحين يطيران فوق السماء ، فأنت نقي كفاية لترى الآخرين بتلك النقاوة الصافية، وأنت شفاف كفاية تسمح للآخرين باختراقك والوصول لأعماقك الدفينة، الطيبة هي رقي القلب وعلو الروح، هي التوازن المفيد والرائع بين القلب والروح.

وللطيبة مكانة عالية في الإسلام، فهي تعد قمة الأخلاق ورقيها، لأنها تجمع بين الكثير من الأمور الرائعة والسامية، كالتسامح والغفران، والابتعاد عن الحقد وما إلى ذلك، وقد قال تعالي في كتابه الكريم: (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين)، كل ذلك من صفات طيبي القلب والتي وصى بها الله جل وعلا، لذا إن كنت طيبا فأنت تعد من الأخيار في الإسلام، لأنك تحمل الكثير من الصفات النبيلة في طياتك والتي لا يغفلها الإسلام والدين الحنيف، فأنت بها ترتفع إلى الصفاء الداخلي والروحانيات العالية، إلى الرقي الإنساني والراحة الداخلية.

أحيانا بل غالبا أرى أن الطيبة تعطي انطباعا خاصا للشخص تميزه عن غيره، وقد تصبح سمة ينادى بها بك من قبل الآخرين، وقد تعطي الطيبة احتراما لذاتك لكن ذلك يعتمد على بيئتك المحيطة، فالبيئة سبب كبير في فهمنا لذاتنا، فإن كنت تعتقد في نفسك أنك طيب، وترى أن الطيبة صفة ايجابية وذلك طبقا لمفهوم بيئتك، فإنك بذلك ستقدر نفسك أمام أي عمل طيب، وسيرتفع تقديرك واحترامك لذاتك، أما ان كنت بيئة تتسم بالعدوانية فإن رأيك بذاتك سيكون انعدام المشاعر وبالتالي ترى أن الطيبة أمر مزعج وأي عمل طيب سيقلل من تقديرك واحترامك لذاتك.

للطيبة تأثير رائع في نفسك وفي الآخرين، فأنت بطيبتك تترك للآخرين صفة تجذبهم إليك، سيحبونك وبالتالي ستحبهم، وسنجد ذلك واضحا في حياة ويل روجزر نجم السينما الفكاهي الأميركي المعروف، الذي استطاع أن يؤثر في ملايين المشاهدين عبر الشاشة، ويوثر في الآلاف والآلاف من البشر الذين تتعامل معهم طول حياته، وأصبح روجرز لغزا لعلماء الاجتماع الذين جعلوه موضوعا للبحث والدراسة تابعوا خطواته وتصرفاته، طريقة كلامه، وحركاته وإيماءاته وكانت كلها تقريبا تصرفات عادية ليس فيها شيء غير عادي ولم يتوصلوا لنتيجة، وتعجب روجرز من موضوع البحث وخطواته، وكيفية إخفاقهم في التوصل للطريقة الصحيحة التي استطاع بها روجرز أن يبلغ تلك المنزلة، وفاجأهم بقوله البسيط والمتواضع ان الحقيقة التي قد لا يصدقها الكثيرون هي أنني لم التق بأي إنسان إلا وقد بحثت عن الطيبة في ذاته وأحببتها، وبالفعل نجح روجرز في أن يؤثر فيهم ويترك أثرا طيبا لديهم وبمراجعتهم العلمية لحديث روجرز معهم اكتشفوا فعلا انه كان يحب كل إنسان يقابله وبمعنى أدق وأوضح كان يحب كل صفة طيبة يكتشفها في كل إنسان يقابله ويبرزها له كجانب مضيء في حياته.


لكن...

عندما تبتسم للناس بابتسامتك الطيبة المعهودة، تمد يدك لهم دائما لفعل الخير، تسامحهم وتصفح عنهم، لكنك تكتشف في النهاية أنهم لم يقدروك، لا بل رموا بقسوتهم وجبروتهم عليك لأنهم واثقون بأنك طيب و ستسامحهم! وأنك ستسكت ولن تواجه.

لذا نرى شريحة من الناس تنظر إلى الطيبة على أنها ضعف في الشخصية، لأن الشخص الطيب قد يسامح إلى أبعد حدود وقد يتنازل عن الكثير، وقد يهضم حقه بذلك.

وتلك الشريحة تتبع المبدأ القائل إذا لم تكن ذئبا أكلتك الذئاب، فهي ترى أن الإنسان يجب أن يكون ذئبا وأن بالقوة تحقق الصعاب، وأننا بتلك الطريقة نضمن الحياة براحة وهدوء تام، تلك الشريحة ترفض الطيبة، وترمز لها بالضعف والسذاجة، وتشجع ما هو ضد ذلك، لأنها ترى في ذلك قوة وسيطرة، وتحكم في زمام الأمور.

إن الطيبة تدمرنا فعلا عندما تصل بنا إلى السذاجة، وتصبح سببا لأن نخسر بها حقوقنا، لكن ذلك لا يعني أن نكون ذئابا بشرية، تقطع في لحوم الآخرين، تأخذ حقها لتستولي بعدها على حقوق الآخرين، لذا علينا أن نرى الطيبة بعيون نابغة وذكية، حتى لا نخسر أنفسنا ونخسر الآخرين كذلك!

لكي نرى الطيبة برؤية واضحة، وحتى لا تصبح رؤيتنا للصدمات جراء الطيبة بلا عيون، عليك بالحل الوسط، كن طيبا لكن بذكاء، وارسم لك حدا فاصلا بين الطيبة الذكية والسذاجة والضعف، فالطيبة يجب أن توضع في موضعها وإلا تكون في وضع أحمق، ولن ترحم أبدا، فالقانون لا يحمي المغفلين كما أن الحياة لا تحمي الطيبين الذين لا يحسنون استخدامها.


جامعة الكويت - كلية الطب المساعد

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي